المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سيرة التابعين



ابو عمر المصرى
12-13-2007, 11:36 AM
سيرة التابعين

--------------------------------------------------------------------------------

عطاء بن أبي رباح




بسم الله الرحمن الرحيم



الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الواعد الأمين ، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا ، إنَّك أنت العليم الحكيم ، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا ، وانْفعنا بما علَّمتنا ، وزِدنا علمًا ، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطلا وارزقنا اجْتِنابه ، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة المؤمنون ، في الدروس السابقة كان الموضوع حَول أصحاب رسول الله رِضْوان الله تعالى عليهم أجمعين ، واليوم ندخل في موضوع جديد ، وهو سِيَرُ التابعين رِضْوان الله تعالى عليهم أجمعين ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بُعِثْتُ مِنْ خَيْرِ قُرُونِ بَنِي آدَمَ قَرْنًا فَقَرْنًا حَتَّى كُنْتُ مِنْ الْقَرْنِ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ *

[ رواه البخاري ]

ونحن بِشَهادة رسول الله صلى الله عليه وسلّم مع عَدَدٍ كبير من التابعين الأجِلاَّء الذين اقْتفَوا أثر النبي عليه الصلاة والسلام ، وأثرَ أصحابه الكرام ، وتابِعِيّ اليوم عطاء بن أبي رباح ، فقد قيلَ عنه : ما رأيتُ أحدًا يريد بالعِلم وجْه الله عز وجل غير هؤلاء الثلاثة : عَطَاء وطاووسُ ومجاهد .

أيها الإخوة الكرام ؛ تَذْكير سريع لِحِكمة تَدريس سِيَر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وسِيَرِ التابعين رِضْوان الله تعالى عليهم أجمعين.

كُلّكم يعلم أنَّ الإسلام عقيدة ، وعبادةٌ ، ومُعاملةٌ ، وخُلُق ، وأنَّ المسلم إذا وُضِعَت أمامه هذه الحقائق ، وتِلْك الأحكام فلا شكَّ أنَّهُ يتأثَّر بها أشدَّ التأثُّر ، إلا أنَّه إذا رأى بِأُمّ عَيْنَيْه الإسلامَ مُجَسَّدًا في شخْص ، فهذا الشَّخص الذي يحملُ بين جوانِحِهِ مشاعر المسلم ، ويتحرَّك في حياتِهِ وِفْق منهج المسلم لهُوَ أبْلَغُ ألف مرَّة من أيَّة محاضرةٍ نظريَّة تُلقى عن الإسلام ، وهذا لِسَبَبٍ بسيط، وهو أنَّ القصَّة فيها حقيقة مع البرهان عليها ، أنت أمام شخصٍ امْتلأَ عقلهُ بالعلم ، وامْتَلأَ قلبهُ بالحُبّ ، وتحرَّكَ في سُلوكِهِ وِفْق منهجٍ دقيق ، هذا الشَّخص حجَّةٌ عليك ، أما إذا بَقِيَ الإسلامُ فِكْرًا ، وثقافةً ، وبَقِيَ الدِّين أحكامًا شرعِيَّةً ، فربَّمَا لا يفْعَلُ فِعْلَهُ في الناس ، كما لو تَلَوْتَ على مسامِعِهِم قصَّةَ إنسان تمثَّلَ هذا الدِّينَ بِكُلّ إمكاناتهِ .

هذا التابعِيّ الجليل كان مُعاصِرًا لِلخليفة الأمَوِيّ سُلَيمان بن عبد الملك ، الذي يقول عنه المؤرِّخون : إنّهُ خليفة المسلمين ، وأعْظمُ مُلوك الأرض .

سُليمان بن عبد الملِك يُؤدِّي فريضة الحجّ ، وهو في بيت الله الحرام حاسِرَ الرأس ، حافِيَ القدَمَيْن ، ليس عليه إلا إزارُهُ ، ورداء ، شأنُهُ كَشَأن أيّ حاجٍّ من المسلمين ، ومن خلْفِهِ ولداهُ ، وهما غلامان كَطَلْعَة البدْر بهاءً ، وكأكْمام الورْد نظارةً وطيبًا ، وما إن انتهى خليفة المسلمين ، وأعظمُ مُلوك الأرض من الطَّواف حول البيت العتيق ، حتى مالَ على رجلٍ من خاصَّتِهِ ، وقال أيْن صاحبكم ؟ الآن الملِكُ يسْأل أحدَ خاصَّتِهِ ؛ أيْن صاحبكم ؟ فقال : إنَّهُ هناك قائمٌ يُصَلِّي ، نحن الآن في البيت العتيق ، في بيت الله الحرام والخليفة يسأل أحد المقرَّبين إليه ؛ أين صاحبكم ؟ وأشار إلى ناحيةٍ غربيَّة من المسجد الحرام ، فاتَّجَهَ الخليفة ، ومن ورائهِ ولداهُ إلى حيثُ أُشير إليه، وهمَّ رِجال الحاشِيَة -كما هي الحال دائمًا - أنْ يتْبعوا الخليفةَ لِيَفْتحوا له الطريق ، ويدْفَعُوا عنه أذى الزِّحام ، فثنّاهم ، وقال : هذا مقامٌ يسْتوي فيه الملوك والسُّوقَةُ ‍! يسْتوي فيه الحاكمُ والمحكوم ، والقويّ والضعيف ، والفقير والغنيّ ، والآن الإنسان إذا ذهَبَ إلى الحجّ ؛ وكان من أغنى أغنياء الأرض ، وجلسَ في أفْخَر فندقٍ هناك ، فلا يستطيعُ إلا أن يطوفَ مع عامَّة المسلمين ، ولا يستطيع إلا أن يسْعى في المسْعى ، وإلا أن يقف في عرفات ، ويسير إلى مزدلفة، شأْنُ الحجّ وخصائصُهُ تقتضي أن يكون الحُجَّاج سَواسِيَةً مهما علا بعضهم على بعض .

ويقول هذا الخليفة : ولا يفْضُل فيه أحدٌ على أحد إلا بالقَبُول والتَّقوى ، ورُبّ أشْعَثَ أغبر قَبِلَ على الله فتقبَّلَهُ بِمَا لمْ يتقبَّل به المُلوك ، ورُبَّ أشْعثَ أغبر قدم على الله في بيته الحرام ، فقَبِلَهُ اللهُ بما لمْ يتقبّل به الملوك .

ثمَّ مضى هذا الخليفة نحو هذا الرجل ، فوجدَهُ لا يزال في صلاته ، غارقًا في ركوعِهِ وسُجودهِ ، والناس جُلوسٌ وراءهُ ، وعن يمينه وشمالهِ ، فجلسَ الخليفة حيث انتهى به المجلس ، وجلس معه ولداهُ ، وطفِقَ الفتيان القرشِيَّان يتأمَّلان ذلك الرجل الذي قصَدَهُ أمير المؤمنين ، وجلسَ مع عامَّة الناس ينتظرُ فراغهُ من صلاتهِ ‍! مَن هو هذا الرَّجل ؟! قال : فإذا به شَيْخٌ حبَشِيّ، أسْوَدُ البشَرَة ، مُفَلْفَلُ الشَّعْر ، أفْطَسُ الأنف ، إذا جلسَ بدا كالغُراب الأسْوَد !! مَن هذا الرجل الذي سأل عنه الخليفة ؟ وتوجَّهَ إليه مع ولِيَّيْ العَهْد ؟ رآهُ يُصَلِّي ، فجلَسَ ينتظرُ مع عامَّة الناس ، ولمَّا انتهى الرجل من صلاتهِ مال بِشِقِّه على الجِهَةِ التي فيها الخليفة، فحيَّاهُ سليمان بن عبد الملِك ، فرَدَّ التَّحِيَّة بِمِثلها ، وهنا أقْبَلَ عليه الخليفة ، وجعلَ يسْألهُ عن مناسِك الحجّ ؛ مَنْسَكًا منْسكًا ، وهو يفيضُ بالإجابة عن كلّ مسْألة ، ويُفصِّلُ القَوْل فيها تفْصيلاً ، لا يدَعُ سبيلاً لِمُسْتزيد، ويُسْنِدُ كلَّ قَوْلٍ يقولهُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، ولمّا انتهى الخليفة من مُساءلَتِهِ جزَّاهُ خَيْرًا ؛ أيْ قال له : جزاكَ الله خَيْرًا ، وقال لِوَلدَيْه : قومَا ‍فَقامَا ، وقام الثلاثة نحوَ المسْعى ، وفيما هم في طريقهم إلى المسْعى بين الصَّفا والمروَة سمِعَ الفتَيان من يقول : يا معْشَرَ المسْلمين لا يُفْتِي الناسَ في هذا المقام إلا عطاء بن أبي رباح ، فإن لمْ يوجَد فَعَبْدُ الله بن أبي نجِيح ، فالْتَفَتَ أحدُ الغلامَيْن إلى أبيهِ ، وقال : كيف يأْمُر عامِلُ أمير المؤمنين الناس بِأَن لا يسْتفْتُوا أحدًا إلا عطاء بن أبي رباح وصاحِبِهِ ، ثمَّ جئنَا نحن نسْتفتي هذا الرجل الذي لم يأْبَه للخليفة ، ولمْ يُوَفِّهِ حقَّهُ من التَّعظيم ؟‍!! الآن اسْتمعوا ما قاله سليمان : فقال سليمان لِوَلدِهِ : هذا الذي رأيْتَهُ يا بنيّ ، ورأيْتَ ذُلَّنا بين يدَيْه هو عَطاء بن أبي رباح ؛ هو نفسهُ ! صاحبُ الفتيا في المسجد الحرام ووارِث عبد الله بن عبَّاس ، يعني خليفة عبد الله بن عبَّاس ، الصحابيّ الجليل الذي أوتِيَ فهْمًا في القرآن الكريم ، وكان مَوْسوعةً في كلّ العُلوم ، ثمَّ أرْدَفَ يقول : يا بنيّ ، تَعَلّم العِلْم ، فَبِالعِلْم يشْرُفُ الوضيع ، سأُذكِّرُكم بِعَطاء بن رباح ؛ شيْخٌ حبشي ، أسْودُ البشَرة ، مُفَلْفلُ الشَّعر ، أفْطسُ الأنف ، إذا جلسَ بدا كالغُراب الأسْود ‍!! قال له : يا بنيّ هل رأيْتَ ذُلَّنا بين يدَيْه ؟ المُتَكَلِّم خليفة المسلمين، الذي يَحْكمُ ثلث الدنيا ، هل رأيْت ذلَّنا بين يديه ؟ يا بنيّ تَعَلّم العِلْم ، فَبِالعِلْم يشْرُفُ الوضيع ، وينْبُهُ الخامِل ، ويَعْلو الأرِقَّاء على مراتب المُلوك ، ولذلك حينما قِيل : رُتْبةُ العِلْم أعلى الرُّتَب ، ليس في هذا مُبالغة إطلاقًا ، فرُتْبةُ العِلْم أعلى الرُّتَب ، تعلَّموا العِلم ، فإنْ كنتُم سادةً فُقْتُم ، أيْ تَفَوَّقْتُم ، وإن كنتم وسطًا سُدْتُم ، أيْ أصبحْتُم سادةً ، وإن كنتم سُوقةً عِشْتُم ‍، أيْ عِشْتُم ‍بالعلم .

مَن هذا التابعيّ الجليل ؛ عطاء بن رباح ؟ قال : كان عَبْدًا ممْلوكًا لامرأةٍ من أهل مكّة ، وهذه حِكمة ، فقد تكون أنت في أدْنى سلّم المجتمع ، في الطبقة الدنيا ، فقيرًا ، لا يعرفك أحد ، الأب مُتَوَفَّى ، والأم فقيرة ، جاهلة ، وأنت في هذا البيت ، فإذا تعلَّمْتَ العِلْم ، وصَلْتَ إلى العَلْياء، كان عطاء بن رباح عبْدًا ممْلوكًا لامرأةٍ من أهْل مكَّة ، غير أنَّ الله عزّ وجل أكْرمَ الغُلام الحبشيّ بِأَنْ وضَعَ قدَمَيْه مُنْذ نُعومة أظفارهِ في طريق العِلْم ، وَواللهِ الذي لا إله إلا هو لا أغْبِطُ أحدًا إلا شابًّا صغيرًا نشأ في طاعة الله ‍! شيءٌ ثمينٌ جدًّا أن تكون في مقْتَبَل العُمر ، تتلقَّى العلْم ، وتُغذِّي عقْلَكَ بالعلم ، وتُغذِّي قلْبكَ بالحبّ ، وتتَّبِعُ منْهجَ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، فإذا كنتَ شابًّا ، وهذه هي حالُك ، فكيف إذا صِرْتَ شيْخًا ؟ من لمْ تكُن لهُ بِدايةٌ مُحْرقَةٌ ، لمْ تكن لهُ نِهايةٌ مُشْرقة ، والأمر بين أيديكم ، الإله هو الإله ، ربّ محمَّدٍ وأصحاب محمّد هو ربُّنا ، وإلههُم إلهُنا ، فالحقائق واحدة ، والظروف واحدة ، والمعطيات واحدة ، والفرَصُ واحدة ، وبإمكانك أن تكون بطَلاً في أيّ عَصْر ، لا تَكُن خامِلاً ، ولا تكن غير طموحٍ في أمْر الآخرة ، كُنْ طَموحًا بالآخرة ، حبَشِيّ مملوك لامرأة من قريش ، يقفُ أمامهُ خليفة المسلمين ، ويقول له : يا بنيّ ، هل رأيتَ ذلَّنَا بيْن يدَيْك ؟ عبْدٌ حبشي ، أسْودُ البشَرة ، مُفَلْفَلُ الشَّعر ، أفْطسُ الأنف ، إذا جلسَ بدا كالغُراب الأسْود ‍! قال له هل : رأيتَ ذلَّنَا بين يديك ؟ هذا هو العلم .

هذا العَبْدُ الأسْود الممْلوك لامرأة من قريش ، قسَّمَ وقْتَهُ ثلاثة أقْسام ، وهذا يهمُّنا كثيرًا ، وأنا أتمنَّى عليكم أنْ تُنظِّموا أوقاتكم ؛ وقْتٌ للعمل مِن أجل أن تأكل ، ووقْتٌ من أجل أن تعبدَ الله عز وجل ، ووقْتٌ من أجل أن تطلبَ العِلم ، ولا تسْمَح لِجانِبٍ من حياتِكَ أن يطْغى على جانبٍ آخر ، وإلا ندمتَ أشَدّ النَّدَم ، ولا تسْمح لِعَمَلِكَ أن يأخذ جلَّ وقْتك ؛ إذًا أنت لا تعيش ، ولم تعرف حقيقة الحياة ، ولا تسْمح لِعَمَلِك أن يحْتَوِيَ كلّ وقْتك ، ولا تسْمح لِعِبادتِكَ أن تُنْسيكَ عملكَ الذي ترْتَزِقُ منه ، وازِنْ بين عبادتك ، وبين عملكَ ، وبين طلبِ العلم ، فيجب أن نُنَظِّمَ أوْقاتنا ، عبْدٌ حبشيّ ، أسْودُ البشَرة ، مُفَلْفَلُ الشَّعر ، أفْطسُ الأنف ، إذا جلسَ بدا كالغُراب الأسْود ‍، ممْلوك لامرأة من قريش نظَّمَ وقْتَهُ ، جعَلَ قِسْمًا من وقْتِهِ لِسَيِّدَتِهِ ، يخْدمها أحسنَ ما تكون الخدمة، ويؤدِّي لها حُقوقها عليه أكْمَلَ ما تؤدَّى الحقوق ، وجَعَلَ قِسْمًا من وقْتِهِ لِرَبِّه ، يفْرُغُ فيه لِعِبادتِهِ ، أصْفى ما تكون العبادة ، وأخلصَها لله عز وجل ، وجعلَ قِسْمًا ثالثًا لِطَلب العلم ، حيث أقْبلَ على منْ بقِيَ حيًّا من أصْحاب رسول الله ، وطفِقَ ينْهَلُ من مناهلِهم الثَّريّة الصافيَة ، فأخذ عن كبار الصحابة كأبي هريرة ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن الزبير، وغيرهم رِضْوان الله تعالى عنهم ، حتى امتلأَ صدره علمًا وفقْهًا وروايةً عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم .

مرَّةً ثانيَة ؛ نظِّموا أوْقاتكم ، وقتٌ للعمل ، لا تُلْقوا هُموم العمل إلى البيت ، ووقْتٌ لِعِبادة الله، لا تُشَوِّش هذه العبادة بِهُموم البيت ، ولا بِهُموم العمل ، ووقْتٌ لِطَلب العلم ، وكأنَّك طالبٌ صغير، اِنْسَ كلّ شيءٍ ، اُدْخل إلى بيت الله ، واطْلب العلم ، نظِّم وقْتَكَ ، عَبْدٌ وقفَ أمامهُ ملِكٌ ذليلاً ، ولمَّا رأتْ السيّدة المكيّة أنّ غلامها قد باعَ نفسهُ لله ، ووقفَ حياتهُ على طلب العلم ، تخلَّتْ عن حقِّها فيه ، وأعْتَقَتْ رقبَتَهُ تقَرُّبًا لله عز وجل ، وهذه الحقيقة أيّها الإخوة ، واللهِ الذي لا إله إلا هو لا تتخلّف أبدًا ، ما معنى هذه الحقيقة ؟ إنَّهُ من طلبَ العِلْم تكفَّلَ الله له بِرِزْقِهِ ، وهذه الحقيقة جعلَتْ من أبي حنيفة أبَا حنيفة العالم الكبير ! أنا لا أقول لكم : إنَّك إذا طلبْتَ العِلْم تجِدُ المال تحت الوِسادة !! ولكنَّ الله عز وجل يُيَسِّر لك عملاً وقْتُهُ معقول ، ودخْلهُ معقول ، ويسْمحُ لك هذا العمل أن تطلب العلم ، ويستحيل أن تطلب العلم ، ويجعلك الله تحت عملٍ يمتصّ كلّ وقتك ! فمن طلبَ العِلْم تكفَّلَ الله له بِرِزْقِهِ ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ

[ رواه البخاري ]

وقال أيضا : إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ *

[ رواه الدارمي ]

لمَّا يقوم الإنسان وهو بين أهله ويرتدي ثيابهُ ، ويتَّجِهُ إلى بيت الله لِيَطلب العلم ، لا يدري وهو بهذه الحركة أنّه يتحرّك نحو الجنَّة ، وقد سهَّلَ الله له طريقًا إلى الجنَّة .

حينما أعْتَقَتْهُ سيّدتَهُ اتّخذ عطاءٌ من بيت الله الحرام مُقامًا له ، فجعلَهُ دارهُ التي يأْوي إليها ، ومدرستَهُ التي يتعلَّمُ فيها ، ومُصلاّهُ الذي يتقرَّب إلى الله تعالى فيه ، حتى قال بعض المؤرِّخين : كان المسجد الحرام فِراشَ عطاءِ بن أبي رباح نحْوًا من عشرين عامًا ! أنتَ انظُر أيَّ مكانٍ ترتاح فيه ؟ المؤمن في المسجد كالسَّمَك في الماء ، والمنافق في المسجد كالعصفور في القفص!! أين ترتاح ؟ المؤمن يرتاح في المسجد ، بيتُ الله تعالى ، العلم القُرْب من الله ، التَّزكِيَة .

وقد بلغَ هذا التابعيّ الجليل منْزلةً من العِلْم فاقَتْ كلَّ تَقْدير ، وسمَا إلى منزلةٍ لمْ يَنَلْها إلا نفرٌ قليل ، فقد رُوِيَ أنَّ عبْد الله بن عمر رضي الله عنهما أمَّ مكَّة معْتَمِرًا ، فأَقْبَلَ الناس عليه يسألونهُ ويسْتفْتونَهُ ، هذا منْ ؟ عبد الله بن عمر ؛ هذا صحابيّ ، وهو ابن عمر بن الخطاب ، فقال : إنِّي لأعْجبُ لكم يا أهْل مكَّةَ ، أتَجْتمِعون عليّ لِتَسْألوني عن أسئلةٍ كثيرة ، وفيكم عطاء بن أبي رباح، صحابيّ يرى أنَّ عطاء بن أبي رباح أشدُّ علْمًا منه .

وصَلَ هذا التابعيّ الجليل إلى ما وصَلَ إليه مِن عُلُوّ في مقامه ، ومن رُتبةٍ عاليَةٍ في علْمِه، بِخَصْلَتَيْن اثْنَتَيْن ؛ الأولى أنَّهُ أحْكَمَ سلْطانهُ على نفْسِهِ ، فلَمْ يدَعْ لها سبيلاً في أنْ ترْتَعَ فيما لا نفْعَ له ، وأنا أعْتقدُ أنَّ إخواننا الكرام ، ورُوَّاد هذا المسجد ، وطُلاَّب العلم الشريف ، يسْتحيلُ أن يُفكِّر الواحد بِعَمَلٍ فيه معْصِيَة ، وهذا حُسْن ظنِّي بكم ، ولكن بَقِيَ كيف تتفاوَتون الآن ؟ في ألاَّ يدعَ أحدُكم وقْتًا يمْضي بلا فائدة ، فَنَحْن نتفاوَت في الاستفادة من كلّ دقيقةٍ من حياتنا ، أحيانًا سهْرة لا طائِلَ منها ، وجلْسة غير مُجْدِيَة ، حديث فارغ ، وموضوع سخيف ، إنَّ الله يُحِبّ مَعالِيَ الأُمور، ويكْرهُ سَفْسافَها ودَنِيَّها ، طبْعًا جميعُ المؤمنين في الأعمّ الأغلب لا يعْصون الله عز وجل ، بلغُوا مرْتبةً أعلى من أنْ يعْصُوا ربَّهم ، تجاوَزُوا هذه المرحلة ، فكيف يتفاوتون الآن؟ وكيف يتمايَزون؟ وكيف يتسابقون ؟ في اسْتغلال أوقات الفراغ ؛ طلبُ علْمٍ ، وقراءة القرآن ، ودعوةٌ إلى الله تعالى ، أمْرٌ بالمعروف ، نهْيٌ عن المنكر ، إصْلاحُ ذات البيْن .

الخصْلة الثانِيَة ؛ أنَّهُ أحْكمَ سُلطانهُ على وقْتِهِ ، فلمْ يهْدرهُ في فضول الكلام والعمل ، أحْكمَ سلطانه على نفسِهِ ، فلمْ يسْمح لها أن تركعَ في المُباح ، وأحكمَ سُلطانهُ على وقتِهِ ، فلمْ يسْمح لِنَفْسِهِ أن يُمضِيَ وقتًا في ما لا طائِلَ منه .

حدّثَ محمَّدُ بنُ سُوقَة جماعةً من زُوَّارِهِ ، قال : ألا سْمِعُكم حديثًا لعلَّهُ ينفعكم كما نفعَني ؟ فقالوا : بلى ‍، قال : نصَحَني عطاء بن أبي رباح ذاتَ يومٍ ، وقال : يا ابْنَ أخي ، إنَّ الذين من قبلنا كانوا يكرهون فُضول الكلام ، قلْتُ : وما فُضول الكلام عندهم ؟ قال : كانوا يَعُدُّون كلّ كلامٍ فُضولاً ما عدا كتاب الله عز وجل أن يُقرأ ، وأن يُفْهم ، قال تعالى :


[ سورة المؤمنون ]

قال المفسِّرون : كلّ ما سِوى الله تعالى لَغْوٌ ، فأنت إن جَلسْتَ جلسةً فانْتَبِه ، لأنّ المؤمن الصادق لا يتكلَّم كلمةً إلا إذا كان لها معنى عميق ، يفسِّر آية ، يشْرح حديثًا ، يبيِّنُ حكمًا شرعِيًّا، يبيِّنُ عظمة الله تعالى في الخلْق ، يأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر ، لا يوجد عندهُ كلام فارغ، الكلام اللَّغو ، والموضوعات السَّخيفة ، والمبتذلة والمسْتهلكة ، واسْتِماعٌ إلى قصَّة لا طائل منها ، وغيبة ، مسْتحيل ، وهذا من صفات المؤمن الصادق ، يضْبطُ لِسانَهُ في أعلى درجات الضَّبْط ، قال : كانوا يَعُدُّون كلّ كلامٍ فُضولاً ما عدا كتاب الله عز وجل أن يُقرأ ، وأن يُفْهم ، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم أن يُرْوى أو يُدْرى ، أو أمْرًا بِمَعْروف ، أو نهْيًا عن منكرٍ ، أو علْمًا يُتَقَرَّبُ به إلى الله تعالى ، أو أن تتكلَّم بِحاجتِكَ ومعيشتِكَ التي لا بدّ منها ، تبْحث عن زوجة ؛ هذا عمل مشروع ، تبحثُ عن عملٍ ، تؤمِّنُ طعامَ أولادك ، تُزَوِّجُ أولادك ، هذه حاجة أساسيَّة ومشْروعة ، ولك فيها حاجة ، وفيها امْتِثال لِقَول الله عز وجل :


[ سورة المائدة ]

هذا محمَّد بنُ سُوقَة الذي نصَحَ جماعةً قد زاروهُ ، وقال لهم : نصحني عطاء بن أبي رباح وقال كذا وكذا ، ثمَّ حدَّق إلى وجهي ، وقال : أَتُنْكِرون قوله تعالى :


[ سورة الانفطار ]

الإنسان أحيانًا يَغْفل أنَّ له ملكان يكْتُبان عنه كلّ شيءٍ .


[سورة الانفطار]

أَتُنْكرون قوله تعالى :


[ سورة ق ]

ثمَّ قال : أما يسْتحي أحدُنا - هذا الكلام كلامُ عطاء بن أبي رباح - لو نُشِرَتْ عليه صحيفَتُهُ التي أمْلاها صَدْر نهارِهِ ، ووجدَ أكْثرَ ما فيها ليس من أمْرِ دينه ، ولا مِن أمْر دُنياه ، أما يسْتحي ؟! من هؤلاء الذين انتفَعُوا بِعَطاء بن أبي رباح ؟ قال : انْتَفَعَ به أهل العِلم المتخَصِّصون ، وأربابُ الصِّناعة المحترفون ، وأقوامٌ كثيرون غير هؤلاء .

حدَّث الإمام أبو حنيفة النعمان عن نفسهِ فقال : - طبْعًا هذه قصَّة قد تسْتغرِبونها ، وأنا أسْتغْربُها معكم ، إلا أنَّها ليْسَت مستحيلة الوُقوع ، لأنَّ الإنسان أحيانًا قد يُتقنُ المعلومات النَّظريَّة، ولكن في حيِّز التطبيق قد يضْطرب - أخْطأْتُ في خمسة أبواب من المناسك بِمكَّة ، فَعَلَّمَنيها حجَّام ، أي حلاَّق ، والإنسان إذا حجَّ أوَّل مرَّة تجدُه قد قرأ كُتُبًا كثيرة ، واسْتمعَ إلى دروس علْم كثيرة في مناسك الحجّ ، يضطرب وينْسى أن يُهَرْوِل ، ينْسى أن يضطبِع ، يبدأُ من اليسار ، وقد يقعُ في أخطاءٍ كثيرة ، وهذه لا تقدحُ في مكانتِهِ ، لأنَّ النَّظري شيء ، والعملي شيءٌ آخر ، قال أبو حنيفة بن النعمان : أخْطأْتُ في خمسة أبواب من المناسك بِمكَّة ، فَعَلَّمَنيها حجَّام ، وذلك أنَّني أردْتُ أن أحْلِقَ لأَخْرجَ من الإحرام ، فأتَيْتُ حلاَّقًا ، وقلتُ : بِكَم تحْلق لي رأسي ، فقال الحجَّامُ : هداكَ الله ، النُّسُك لا يُشارطُ عليه ، اِجْلس ثمَّ ادْفع ما تريد ، وكانت هذه مخالفة ، لأنّ النُّسُك لا يُشارط عليه ، ولا يُساوَم ، قال : فَخَجِلْتُ وجلسْتُ ، غير أنَّنِي جلسْتُ منحرفًا عن القِبْلة ، فأَوْمَأ إليّ بِأنْ اسْتقبِلِ القِبْلة ، ففعلْتُ وازْدَدْتُ خجلاً على خجلي ، ثمّ أعْطيتُهُ رأسي من جانبي الأيْسَر لِيَحْلقهُ ، فقال : أدِرْ شِقَّك الأيْمن ، فأَدَرْتُهُ ، وجعَلَ يحْلِقُ رأسي ، وأنا ساكتٌ أنظر إليه ، وأعْجبُ منه ، فقال لي : ما لي أراك ساكتًا ؟! كَبِّرْ ، فجَعَلْتُ أُكبِّر حتى قُمْتُ لأَذْهب ، فقال : أين تريد ؟ فقلتُ : أريد أن أمضي إلى رحلي ، فقال : صلِّ ركْعتين ثمَّ امْضِ إلى حيثُ تشاء .

هذه قصَّة مرْوِيَّة عن أبي حنيفة النّعمان ، فيمْكن أن يتلقَّى المسلم العِلْم عن الحجّ بِشَكلٍ دقيق جدًّا ، ثم يذهب ليحجَّ ، فيقعُ في أخطاءٍ كثيرة جدًّا ، لذلك فإنّ المُمارس كما يقولون سبَقَ الفارس، المعلومات النَّظريَّة شيء ، والعمل شيء آخر .

هناك قِصَص أغْربُ من ذلك ، فقد يظنّ المسلم أحيانًا أنَّهُ بلغَ القِمَّة ، فربُّنا عز وجل بِأُسلوبٍ لطيفٍ يؤدِّبُهُ ، ويُنْسيهِ شيئًا بديهِيًّا ، فمرَّة أحد كبار علماء المسلمين ، ولا أذْكرُ اسْمهُ ، أخطأ خطيئةً في مناسِكِ الحجّ ، فقال له : ألَم تقرأْ قَوْل الإمام فلان ؟ وكان الإمام نفسه الذي غلط‍‍! فالإنسان لمَّا يقول أنا ، فمهما علا شأْنُهُ ، هل هناك مَن هوَ أعلى شأنًا من الصَّحابة رضي الله عنهم ؟ صحابةُ رسول الله ، وهم قِمَمٌ في الكمال قالوا كلمة ، ولعلَّهم قالوها في قلوبهم : لن نُغْلَبَ اليوم مِن قِلَّة ، فقال تعالى :


[ سورة التوبة ]

لذلك إذا قال الإنسان : أنا ، ولو كان أحد أكبر علماء المسلمين فقد وقعَ في خطأ فاحشٍ في اخْتِصاصِهِ .

قال : فصلَّيْتُ ركْعتين ، وقلتُ في نفسي : ما ينبغي أن يقعَ مثلُ هذا مِن حجَّام ، ما هذا الحجَّام؟ خمسة أخطاءٍ صحَّحَها لأبي حنيفة ! شيخُ الفقهاء !! قال : لا يقعُ هذا مِن حجَّامٍ إلا إذا كان ذا علْمٍ، فقلْتُ له : مِن أيْنَ لك ما أمرْتني به من المناسك ؟ دقَّة بالغة ، فقال : لله أنت ، لقد رأيْت عطاء بن أبي رباح يفعلُهُ ، فأخذْتُ عنه ، ووجَّهْتُ الناس إليه ، فكان الحجّام تلميذَ عطاء بن أبي رباح .

الحقيقة أنَّ شيئًا في الإسلام عجيبًا ، الحياة تقتضي العمل ، فهذا يعمل في الطعام ؛ خضري، أو سمَّان مثلاً ، وهذا بنَّاء ، وذاك قصَّاب ، إلخ .. لكنَّ رَوعة الإسلام أنَّ أصْحاب الحِرَف إن كان لهم مجْلسُ علْمٍ فهم علماء ، تجد كلامًا دقيقًا ، وحكمًا صحيحًا ، وإدراكًا ، وهذا شيءٌ يُلفِتُ النَّظر ، وهو إنسانٌ عادي له عمل ، ولكن لأنَّ لهُ مجلسَ علْمٍ يتلقَّى العِلْم أسْبوعيًّا أصبح هذا على طريق العلماء ، تجدُ إنسانًا له عمل ، وهو في نظر الناس عادي ، لكن حينما يتكلّم يتكلّم بالحكمة، ويقف الموقف المناسب ، ويتصرَّف بحِكمة بالغة ، وهذه هي آثار مجالس العلم .

أقْبلَت الدنيا على عطاء بن أبي رباح ، فأعْرض عنها أشدّ الإعراض ، وأباها أشدّ الإباء ، وعاش عمرهُ كلَّه يلبسُ قميصًا لا يزيدُ ثمنهُ عن خمسة دراهم ، ولقد دعاهُ الخلفاء إلى مصاحبتهم، فلم يَجِب دعوتهم لِخَشْيَتِهِ على دينِهِ من دُنياهم ، لكنَّهُ مع ذلك كان يَثِبُ عليهم إذا وجدَ في ذلك فائدةً للمسلمين ، أو خيرًا للإسلام ، فإذا اتَّصَل عالمٌ بإنسان له قيمة ، وشأنهُ لِصَالِحِ المسلمين ، فهذا عملٌ صالح ، واللهُ تعالى يتولَّى السرائر ، فعطاء بن أبي رباح أقْبلَت عليه الدنيا أشدّ إقْبال ، لكنَّه أعرض عنها ، ودعاه خلفاء كثيرون إلى مصاحبتهم ، فرفَضَ دعوتهم ، وخَشِيَ على دينِهِ من دُنياهم ، كما قال أبو حنيفة لما عاتبَهُ المنصور ، وقد اجتمع به في أحد دور وُجهاء بغداد ، قال له : يا أبا حنيفة لو تغشَّيتنا ، فقال أبو حنيفة : ولِمَ أتغشَّاكم ، وليس لي عندكم شيءٌ أخافكم عليه ، وهل يتغشَّاكم إلا من خافكم على شيء ؟ قال له : يا أبا حعفر إنَّك إن قرَّبتني فتَنْتني ، وإنّك إن أبْعدتني أزْريْتني ، وأنا أُمثّل الإسلام !

قال عثمان بنُ عطاء الخرساني : انْطلقْتُ مع أبي نريدُ هِشام بن عبد الملك ، فلمَّا غدونا قريبًا من دمشق ، إذا نحن بِشَيخٍ على حِمار أسْوَد ، عليه قميص صفيق ، وجبَّة ، وقلنْسُوة لاصقة بِرَأسه ، وركابه من خشب ، فضَحِكْتُ منه ، وقلتُ لأبي : مَن هذا ؟! قال : اُسْكُتْ ! هذا سيّد فقهاء الحجاز عطاء بن أبي رباح ، فلمَّا قرُبَ مِنَّا نزلَ أبي عن بغْلتِهِ ، ونزلَ هو عن حِمارِهِ، فاعْتنقَا ، وتساءلاَ ، ثمَّ عادا فَرَكِبَا ، وانْطلقَا حتَّى وقفَا على باب قصْر هِشام بن عبد الملك ، فلمَّا اسْتقرَّ بهما الجلوس حتى أُذِنَ لهما ، فلمَّا خرج أبي قلتُ له : حدِّثْني بما كان منكما؟ فقال : - الآن عطاء بن أبي رباح سيّد فقهاء الحجاز ، والإنسان المتقشّف ، وصاحب الثِّياب الرخيصة يركب الدابة الرخيصة ، فالبغل غير الحصان ! - بادرَ فأذِنَ له ، وواللهِ ما دخلْت إلا بِسَبَبِهِ ، فلمَّا رآهُ هشام رحَّبَ به ، وقال : مرْحبًا مرْحبًا ، ها هُنا ها هُنا ، أي تعال إلى جنبي ، ولا زال يقول له ها هُنا هَا هُنا حتَّى أجْلسَهُ معهُ على سريرهِ ! وإلى جانبِهِ تمامًا ، ومسَّتْ ركْبتَهُ ركْبته ، وكان في المجْلس أشراف الناس ، وكانوا يتحدَّثون فسَكَتُوا ، ثمّ أقْبلَ عليه هشام فقال : ما حاجتُكَ يا أبا محمَّد ؟ اُطْلُبْ ؟! بعد قليل أذْكر لكم بعض المواقف التي لا ترْضي الله تعالى ، يمكن أن تلتقي مع إنسان بيَدِه الأمر ، وتطلبُ منه حاجةً شَخْصِيَّة ، قال له : يا أبا محمد ما حاجتك ؟ قال: يا أمير المؤمنين ، أهل الحرمين ، أهل الله ، وجيران رسول الله صلى الله عليه وسلّم تُقسِّم عليهم أرزاقهم، وأُعْطِياتهم ، قال : نعم ، يا غلام ؛ اُكْتُب لأهل مكَّة والمدينة بِعَطاياهِم وأرزاقِهِم إلى سنة ، ثمّ قال : هل من حاجة غيرها يا أبا محمد ؟ فقال : نعم يا أمير المؤمنين ، أهل الحجاز ، وأهل مجْدٍ أصْلُ العَرَب ، وقادة الإسلام ترُدّ فيهم فُضول صدقاتهم ، أيْ إذا جنَيت الصدقات منهم، الفضول أَبْقِها في بلادهم ، فقال : نعم ، يا غلام اُكْتُبْ بِأنْ تُردَّ فيهم فُضول صدقاتهم ، قال : هل من حاجة غير ذلك يا أبا محمّد ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ، أهل الثُّغور يقفون في وُجوه عدُوّكم ، ويقتلون من رام المسلمين بِشَرّ ، تُجْري عليهم أرزاقًا تدرّها عليهم ، هم بِحاجة إلى مساعدة ، وهم إنْ هلَكوا ضاعت الثّغور ، قال : نعم ، يا غلام اُكْتب بِحَمْل أرزاقهم إليهم ، هل من حاجةٍ غيرها يا أبا محمد ؟ قال : نعم ، يا أمير المؤمنين أهل ذِمَّتكم لا يُكلَّفون ما لا يُطيقون ، فإنَّما تَجْبون منهم مَعونةٌ لكم على عدوّكم ، أيْ لا تُكلِّفوا أهل الذمَّة ما لا يُطيقون ، قال: يا غلام ، اُكتبْ لأهْل الذمَّة ألاَّ يُكلَّفوا ما لا يطيقون ، قال : هل من حاجةٍ غيرها يا أبا محمّد ؟ قال : نعم ، اتَّقِ الله في نفْسِكَ يا أمير المؤمنين ، واعْلَم أنَّكَ خُلِقْت وحْدك ، وسوف تموت وحْدك ، وتُحْشرُ وحدك ، وتُحاسَبُ وحْدك ، ولا واللهِ ما معك أحدٌ مِمَّن ترى أمامك ، حينما تموت ، وحينما تُحشَر، وحينما تُحاسب ، فأكَبَّ هِشامٌ ينْكت في الأرض وهو يبْكي ! فقام عطاءٌ فَقُمْتُ معه ، فلمَّا صِرْنا عند الباب إذا رجُلٌ قدْ تَبِعَهُ بِكِيسٍ لا أدري ما فيه ، وقال له : إنَّ أمير المؤمنين بعَثَ لك بِهذا ، فقال : هيْهات ، وما أسألكم عليه من أجْرٍ إنْ أجريَ إلا على ربّ العالمين ! فوالله إنَّهُ دخل على الخليفة ، وخرج من عنده ، ولم يشْرب قطْرةَ ماءٍ ، يمْكن أن تدخل على الخليفة ، اُدْخل على الملك ، فإذا كانت لك مكانةٌ عندهُ ، واطْلُب منه تَلْبِيَة حاجات المسلمين من دون طلب حاجات شخْصِيَّة .

عُمِّرَ عطاء بن أبي رباح حتى بلغَ مائة عامٍ ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ خَيْرُ النَّاسِ قَالَ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ *

[ رواه الترمذي ]



لا يوجد أجْمل من عمْرٍ طويل في طاعة الله ، ولا يوجد أصْعب من عمْرٍ طويل في معصِيَة الله، قال تعالى :




[ سورة النحل ]

إخواننا الشباب ، أنتم بِطَاعتكم لله ، وفي سِنّ شبابكم ، يُدَّخَر لكم ، وأنتم لا تشعرون ، شَيْخوخة من أرْوع فترات العُمْر ، لأنَّهُ مَن حفِظَ نفسهُ صغيرًا حفظها الله له كبيرًا ، ومن تعلَّمَ القرآن في شبابه متَّعَهُ الله حتى يموت ، أنا أقول لكم وهذه بِشَارة من رسول الله : إنّ الشابّ إذا أقْبَلَ على طلب العلْم ، وامْتلأتْ جوانحه بِحُبّ الله ورسوله ، وضبطَ جوارحهُ ، وسلوكه بالكتاب والسنة ، فهذا الشابّ له خريف عُمُرٍ يتمنَّاهُ الإنسان تَمَنِّيًا ، وقد لا يصِلُهُ ، وكنت قد حدَّثكم أنَّ رجلاً بدأ بِتَعليم أولاد المسلمين في الثامنة عشرة من عُمُره ، وامْتدَّ به العمر حتى الثامنة والتِّسْعين ، وكان إذا رأى شابًّا في الطريق يقول له : يا بنيّ أنت كنت تلميذي قبل أعوام ، وكان أبوك تلميذي ، وكان جدّك تلميذي ‍‍!! وكان منتصِبَ القامة ، وحادّ البصر ، مرهفَ السَّمع أسنانُهُ في فمِهِ ، وذاكرتُهُ قَوِيَّة ، فكان إذا قيل لهُ : يا سيِّدي ما هذا ؟ يقول : يا بنيّ ، حفظناها في الصِّغر ، فحَفِظَها الله علينا في الكِبَر ، من عاش تقِيًّا عاش قوِيًّا .

عاش عطاء بن أبي رباح حتى بلغ مائة عام ، ملأها بالعلم والعمل ، وأتْرعها بالبرّ والتقوى، وزكَّاها بالزُّهْد بما في أيدي الناس ، والرغبة بما عند الله ، وللهِ درُّ القائل حين قال :

***

لا تسْألنَّ بُنَيّ آدم حاجــةً وسَل الذي أبوابهُ لا تُغلــقُ

الله يغضبُ إن تركْت سؤالهُ وبنيّ آدم حينما يُسأل يغضبُ

***

الحسن البصري سُئلَ بما نِلْتَ هذا المقام ؟ قال : باسْتغنائي عن دنيا الناس وحاجتهم إلى علْمي ، فلا يليق بالعالم إلا أن يستغني عن دنيا الناس ، وأن يحتاج الناس إلى علْمِهِ ، أما إذا زهِد الناس في علمِهِ ، واحتاج هو إلى دنياهم فالوَيْل له ، وسقط حينئذٍ من أعْيُن الناس ، فإذا أتاه اليقين وجدهُ الموتُ خفيف الحِمْل من أثقال الدنيا ، وكثيرَ الزاد من عمل الآخرة ، ومعه فوق ذلك سبعون حجَّةً ، ووقفَ خلالها سبعين مرَّة على عرفة .

هذا تابعي من التابعين ، عَبْدٌ أسْود ، وحبشي ، ورأسهُ مفلفل ، وأنفه أفطس وقف أمامه أمير المؤمنين ذليلاً ، قال له : يا بنيّ ، هل رأيْت ذلَّنا بين يديه ؟! تعلَّموا العلمَ ، فإنْ كنتم سادةً فُقْتُم ، وإن كنتم وسطًا سُدْتم ، وإن كنتم سوقةً عِشْتم ، ورتبة العلم أعلى الرتب ، والعلم لا يُعْطيك بعضَهُ إلا إذا أعْطيتهُ كلَّكَ ، فإذا أعْطيتهُ بعْضكَ لم يعْطِكَ شيئًا ، وأنا أُقدِّم لكم مِقْياسًا دقيقًا، ابْحث عن صديق من سنِّك لم يطلب العلم ، واجْلِس معه نصف ساعة واسْتَمِع إلى كلامه تجده سخيفًا ، ومزْحَهُ رخيصًا ، ونظراته غير منضبطة ، ولسانه غير مهذَّب ، وتعليمات سخيفة، وآراءه غير صحيحة ، فبين مَن يطلب العلم وينضبطُ عملهُ بالعلم ، وبين من يتفلتُ من العلم وادٍ سحيق ، ومسافة كبيرة ، فالثاني كالدابة الهائمة على وجهها .

عطاء بن أبي رباح نظَّمَ وقْتهُ حينما كان عبْدًا ممْلوكًا لامرأةٍ من قريش ، فكان ثلث وقتهِ لخِدْمةِ سيِّدته ، والثلُث الثاني لأداء عباداته ، والثلث الثالث لطلب العلم ، ولا تظن أنَّك في سَاعة بالأسبوع تتعلّم منها سيرة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وفي سَاعةٍ أخرى تتعلَّم فيها السنَّة الشريفة ، وفي سَاعة ثالثة تتعلَّم كتاب الله ‍، إنّ طلب العلم فريضة على كلّ مسلم .

الحمد لله رب العالمين

ابو عمر المصرى
12-13-2007, 11:37 AM
عروة بن الزبير









بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الواعد الأمين ، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا ، إنَّك أنت العليم الحكيم ، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا ، وانْفعنا بما علَّمتنا ، وزِدنا علمًا ، وأرِنا الحقّ حقًا ، وارزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطلا ، وارزقنا اجْتِنابه ، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين .



أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الثالث من سِيَر التابعين رِضْوان الله تعالى عليهم ورحمهم الله تعالى ، والتابعيّ اليوم عروة بن الزبير ، قال أحدهم : من سرَّهُ أن ينظر إلى رجل من أهل الجنَّة فلْينظر إلى عروة بن الزبير .

بالقرْب من الركن اليماني في الحرم المكيّ جلسَ أربعة فِتيانٍ ، صِباح الوُجوه ، كرام الأحساب ، مُعَطَّرين ، كأنهم بعض حمامات المسجد ، نصاعة أثواب ، وأُلْفة قلوب ، ومنهم عبد الله بن الزبير ، وأخوه مصعب بن الزبير ، وأخوهما عروة بن الزبير ، ومعهم عبد الملك بن مروان ، ولهذا الموقف دلالة كبيرة ، فأحيانًا الطّفل الصغير في مقتبل حياته يحلم بِمُستقبل ما ، يُرْوى عن سيّدنا عمر بن عبد العزيز أنَّه قال : تاقَتْ نفسي إلى الإمارة ، فلمَّا بلغتُها تاقت نفسي إلى الخلافة ، فلمَّا بلغتها تاقَتْ نفسي إلى الجنّة ، هؤلاء الفتيان الأربعة عبد الله بن الزبير ، ذلك الذي كان مع مجموعة من الأطفال ، وقد مرَّ بهم عمر ، وجميعهم تفرَّقوا إلا هو ، بقيَ واقفًا إلى أن وصَلَ إليه عمر ، فقال: يا غلام لِمَ لمْ تهْرب مع من هرب ؟ قال : أيّها الأمير لسْتُ مُذْنبًا فأخشى عقابك ، ولسْتَ ظالمًا فأخشى ظلمك ، والطريق يسَعُني ويسَعُك !

عبد الله بن الزبير ، وأخوه عروة بن الزبير ، وأخوهما مصعب بن الزبير ، وعبد الملك بن مروان ، هؤلاء الأربعة دار حديث بينهم ، فتيانٌ صغار ، وما لبث أحدهم أن قال : لِيَتَمَنَّ كلّ منَّا ما يحبّ ، فانْطلقَت أخيِلَتُهم ترحّل في عالم الغيب الرَّحل ، ومضَتْ أحلامهم تطوف في رياض الأماني الخضر ، ثمَّ قال عبد الله بن الزبير : أمنيَّتي أن أملِكَ الحجاز ، وأن أنال الخلافة، وقال أخوه مصعب : أما أنا فأتمنَّى أن أملِك العراقَيْن ، وألاّ يُنازعني فيهما منازع ، وقال عبد الملك بن مروان : إذا كنتما تقْنعان بذلك ، فأنا لا أقْنعُ إلا أنْ أملكَ الأرض كلّها ! وأن أنال الخلافة بعد معاوية بن أبي سفيان ، مَنْ بقيَ ؟ عروَة بن الزّبير ، وسكت عروة بن الزبير ، فلم يقل شيئًا ، فالْتفتوا إليه ، وقالوا : وأنت ماذا تتمنّى يا عروة ؟ قال : بارك الله لكم فيما تمنَّيْتم من أمر دنياكم، أنا أحيانا أدعو وأقول كما في الدعاء المأثور : اللهم اجعل حبك أحب الأشياء إليَّ ، واجعل خشيتك أخوف الأشياء عندي ، واقطع عني حاجات الدنيا بالشوق إلى لقائك ، وإذا أقررت أعين أهل الدنيا من دنياهم فأقرر عيني من عبادتك *

(أخرجه أبو نعيم في الحلية عن الهيثم بن مالك الطائي)

يقول لك : هذه الأرض لا أبيعها بثلاثة وثلاثين مليونًا ، إذْ دَفعوا لي ثلاثينًا ، ولم أقبل ‍‍! قرير العين ، إما بأرض ، أو بيت ، أو محلّ تجاري ، أو شركة صِناعِيَّة ، قرير العين بِمُمْتلكاته وأولاده ، كما أقررْت أهل الدنيا بِدُنياهم ، فأقْرِرْ أعْيُنَنا من رِضْوانك ، والمؤمن أيها الإخوة قرير العيْن بما تفضَّل الله عليه بِنِعمة الهدى ، وفي الحديث : من قرأ القرآنَ ثم رأى أن أحدًا أوتِيَ أفضلَ ممّا أوتَي فقد استصغر ما عظمه الله *

(أخرجه الطبراني من حديث عبد الله بن عمر)

كنتُ أقول سابقًا : لو أنَّ أحدًا من المؤمنين آتاه الله الهدى ، والتُّقى ، والعفاف والاستقامة ، وكان ذا دخْلٍ محدود ، وكان له صديق على مقعد الدراسة أعطاهُ الله الدنيا والأموال الطائلة ، فإذا شعرَ الأوّل أنَّه محروم ، لم يعرف حينئذٍ قيمة إيمانه ، ولا قيمة الهدى الذي مَنَّ الله به عليه، إذًا من لوازم الإيمان أن تعرف قيمة هذه النِّعمة ، وألاَّ تتمنَّى الدنيا مع البُعْد والانحراف ، ولِيَتَمَنَّ كلٌّ مِنَّا على الله ما يُحِبّ ، قال أحدهم : أُمنيَتِي أن أملك الحجاز ، وأن تكون لي الخلافة ، وقال أخوه مصعب : أتمنَّى أن أملك العِراقين ، وألاّ ينازعني فيهما منازِع ، وقال عبد الملك بن مروان : إذا كنتما تقْنَعان بِذلك ، فأنا لا أقْنعُ إلا أن أملك الأرض كلَّها ، وأن أنال الخلافة بعد معاويَة ، وسكت عروة بن الزبير ، فلم يقل شيئًا ، فالْتفتوا إليه ، وقالوا : وأنت ماذا تتمنَّى يا عروة ؟ فقال : بارك الله لكم في أمر دنياكم ، أما أنا فأتمنَّى أن أكون عالمًا عاملاً يأخذُ الناسُ عنِّي كتابَ ربّهم وسنَّةَ نبيِّهم وأحكامَ دينهم ، وأن أفوز في الآخرة بِرِضا الله عز وجل ، وأن أحظى بِجَنّته ، قال تعالى :


[ سورة الإسراء ]

والإنسان كلَّما كبُر عقْلهُ يعلو اخْتيارهُ ، ومرَّةً ضربْتُ مثلاً ؛ أنَّ إنسانًا خيَّرناه بين وِعاءٍ بِلَّوْري كبير ، أزرق اللَّون رخيص ، وبين كأس (كريستال) غالٍ جدًّا ، وبين قطعة ألماس ، وقلنا له : اخْتر أيًّا من هذا ؟ فاختارَ الوِعاء الكبير ، هنا نحكم عليه بِضَعف العقل ، قلْ لي ماذا تختار أقُل لك من أنت ‍، قال : بارك الله لكم في أمر دنياكم ، أما أنا فأتمنَّى أن أكون عالمًا عاملاً يأخذوا الناس عنِّي كتاب ربّهم وسنَّة نبيِّهم وأحكام دينهم ، وأن أفوز في الآخرة بِرِضا الله عز وجل ، وأن أحظى بِجَنّته.

حدَّثني صديق في التعليم ، خرج مفتِّشًا ابتدائيًا إلى مدرسة تقع على أطراف البلاد ، قرية حدوديّة متَّصلة بِبَلَدٍ آخر مفتوح ، فسأل المفتِّش أحد طلاَّب الصفّ ، قال : قمْ يا بنيّ ، ما اسمك؟ فقال : اسمي فلان ، ماذا تتمنَّى أن تكون في المستقبل ؟ فقال : أتمنَّى أن أكون مهرِّبًا ‍! أين الثرى من الثريّا ؟! أحدهم طلب الحجاز ، وآخر طلب العراقين ، وأحدهم طلب الخلافة ، وآخرهم طلب أن يكون عالمًا ، دارت الأيام دورتها ، فإذا بعبد الله بن الزبير يُبايَعُ له بالخلافة عقبَ موت يزيد بن معاوية ، فيحكم الحجاز ومصر واليمن وخراسان والعراق ، ثمَّ يُقتل عند الكعبة غير بعيد عن المكان الذي تمنَّى فيه ما تمنَّى ، وإذا بِمُصعب بن الزبير يتولى إمْرة العراق من قِبَل أخيه عبد الله ، ويُقْتل هو الآخر دون ولايته أيضًا ، وإذا بعبد الله بن مروان تؤول الخلافة إليه بعد موت أبيه ، وتجتمع عليه كلمة المسلمين بعد مقتل عبد الله بن الزبير ، وأخيه مصْعبٍ على أيدي جنوده ، ثمّ يغدو أعظم ملوك أهل الدنيا في زمانه ، فماذا كان من أمر عروة؟

أُقْسمُ لكم بالله الذي لا إله إلا هو ، إذا طلبْت من الله شيئًا ، وكنت صادقًا في طلبك ، واللهِ لزَوال الكون أهْونُ على الله من ألاّ تصل إلى هدفك ، بين الله وبين عباده كلمتان ، قال تعالى :


[ سورة الأنعام ]

أيْ يا عبادي منكم الصّدق ومنِّي العدْل ، ولكنّ الله سبحانه وتعالى لا يتعامل بالأمانيّ ، قال تعالى :


[ سورة النساء ]

قال تعالى :


[ سورة الإسراء ]

قرأتُ كلمة لأحد الأدباء ، يقول : إنّ القرار الذي يتَّخذهُ الإنسان في شأن مصيرهِ ، قلَّمَا تنقضُهُ الأيَّام إذا كان صادرًا حقًّا عن إرادة وإيمان ، يقولون في بعض الأبيات الشِّعريَّة :

***

إذا الشعب يومًا أراد الحياة فلا بدّ أن يستجيب القدر

***

لا لأنَّ الشعب أقوى من القدر ، ولكنَّ القدر لا يعْقل أن يطلب الإنسان هدفًا نبيلاً والقدر لا يستجيب له ، هذا هو المعنى ، والإنسان إذا أراد الإيمان والحقيقة ، فلا بدّ أن يصل إليها ، سمعتم مِنِّي كثيرًا عن زكريَّا الأنصاري ، الذي بدأ بِتَعَلّم القراءة والكتابة في الخامسة والخمسين من عمره ، وتعلّم القرآن الكريم ، وما مات إلا وهو شيخ الأزهر ، ومات عن سِتَّة وتسعين عامًا، فالإنسان ما أنت فيه هو صدقك ، وما لسْت فيه هو تمنِّياتك ، فما أنت فيه هو الصِّدق الذي بين جَنْبيْك ، وما لسْت فيه هو التَّمَنِّيات التي تتمنَّاها ، والتَّمَنِّيات لا قيمة لها .

أوَّلاً وُلِدَ عروة بِسَنَةٍ واحدة بقيَت من خلافة الفاروق رضي الله تعالى عنه ، فمَن أبوهُ ؟ الآن اسْمعوا إلى هذا النَّسَب ، وقبل أن أتحدَّث إلى نسب هذا التابعيّ الجليل ، أقول لكم ما هو النَّسب ؟

النَّسَبُ لا قيمة له إطلاقًا ، إذا كان الإنسان كافرًا أو تائهًا أو شاردًا أو عاصِيًا ، نسبهُ لا قيمة له إطلاقًا ، والدليل قوله تعالى :



[سورة المسد]

فمن هو أبو لهب ؟ إنه عمُّ النبي عليه الصلاة والسلام ، ودليل آخر : أنا جدّ كلّ تقيّ ، ولو كان عبْدًا حبشِيًّا ! لكن إذا توافرَ الإيمان فالنَّسَب تاجٌ يُتَوِّج الإيمان ، المؤمن يزيدُه النّسب شرفًا ، ورفْعةً ، ويزيدهُ أصالةً ، فلا تعبأ بالنَّسب إذا كنت في معصِيَة الله ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ اللَّهِ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ اللَّهِ يَا أُمَّ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ اشْتَرِيَا أَنْفُسَكُمَا مِنْ اللَّهِ لَا أَمْلِكُ لَكُمَا مِنْ اللَّهِ شَيْئًا سَلَانِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمَا *

(متفق عليه)

قال تعالى :


[ سورة هود ]

أيها الإخوة الكرام ، النَّسَب مع المعصِيَة لا قيمة له إطلاقًا ، ولكن إذا توافر النَّسب مع الإيمان أصبح تاجًا يُتَوِّج الإيمان ، والآن هذا التابعي الجليل ، ما نسَبُهُ ؟ قال : أبوه هو الزُّبَير بن العوَّام حواريّ رسول الله ، يُرْوى أنَّ مرَّةً عروة بن الزبير أرْسَلَ كتابًا إلى معاوية بن أبي سفيان، قال له : أما بعد ؛ فيا معاوية ‍! خليفة المسلمين يخاطَب هكذا ، قال له : إنَّ رجالك دخلوا أرضي، فانْهَهُم عن ذلك ، وإلا كان لي ولك شأنٌ والسَّلام ! معاوية بن أبي سفيان كان إلى جنبه ابنهُ يزيد، دفعَ الكتاب إلى ابنه يزيدَ ، وقال : ماذا ترى يا يزيد ؟ فقرأ يزيد الكتاب ، وانفعَلَ أشدَّ الانفعال ؛ تهجُّم وتطاوُل ، ولا أدب ، ألقاب ، ولا احتِرام ، فقال له : أرى أن تُرْسل له جيْشًا أوَّلُه عندهُ ، وآخرهُ عندك ، يأتونك بِرَأسِه ! فتبسَّم معاوية ، وقال له : غير ذلك أفضل ، أمر الكاتب أن يكتب، قال له : اكْتُب أما بعد ؛ فقد وقفْتُ على كتاب ولد حواريّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ولقد ساءني ما ساءكم ، والدنيا كلّها هيِّنة جنْب رِضاك ، لقد نزلْتُ عن الأرض ومَن فيها ، يأتيه الجواب بعد حين يقول : أما بعد فيا أمير المؤمنين ، أطال الله بقاءَكَ ، ولا أعدمَكَ الله الرأيَ الذي أحلَّكَ مِن قومِكَ هذا المحلّ ، جاء بابنِهِ يزيد ، وأرسَلَ له الجواب ، ماذا اقْترحْتَ عليّ يا بنيّ ؟ أن أرسلَ له جيشًا أوَّله عنده وآخره عندي ، يأتونني برأسه ، فقال : يا بنيّ مَن عفا ساد ، ومن حلُم عظم ، ومن تجاوَزَ اسْتمال إليه القلوب ، اِقْرأ الجواب ، فأبو عروة الزبير بن العوّام حواريّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، وأوَّل من سلَّ سيْفًا في الإسلام ، وأحد العشرة المبشَّرين في الجنَّة ، أُمُّه أسماء بنت أبي بكر ، الملقَّبة بِذات النِّطاقَيْن ، جدُّه لأمِّه سيّدنا أبو بكر الصِّديق ، خليفة سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وصاحبه في الغار ، جدَّته لأبيه صفيَّة بنت عبد المطَّلب ، عمَّة النبي صلى الله عليه وسلّم ، خالتهُ أمّ المؤمنين عائشة رضوان الله تعالى عليها ، فما هذا النَّسَب ؟ أبوه الزبير ، وأمّه أسماء ، جدّه أبو بكر ، وجدّته لأبيه صفيّة عمّة النبي عليه الصلاة والسلام ، خالته عائشة ، وعروة بن الزبير نزل إلى قبْر عائشة حينما دُفِنَت بِنَفْسِهِ ، وسوَّى عليها لحْدها بيَدَيْه ، لأنَّها خالته ، أَفَبَعْد هذا النَّسَب نسَب ؟ وبَعْد هذا الحسَب حسبٌ ؟

الآن عروة بن الزبير تمنَّى أُمنِيَةً على الله ، لذا انقطَعَ إلى طلب العلم ، وأكبّ على طلب العلم ، إنسانٌ تجده قد آتاه الله علمًا ، وهو نائمٌ ، تعلَّم ‍‍!! عشرون أو ثلاثون سنة وهو جالس على ركبتَيْه يحضر مجالس العلم ، ويحضر ويناقش ، ويقرأ ويُتابع ويصبر ، إلى أن يسْمَحَ الله له أن ينطق ، أكبّ على طلب العلم ، وانْقطَعَ له ، واغْتَنَمَ البقيَّة الباقيَة من صحابة رسول الله رضوان الله تعالى عليهم ، فَطَفِقَ يؤمُّ بيوتهم ، ويصلِّي خلفهم ، ويتتبّع مجالسهم حتى روى عن علي بن أبي طالب ، وعبد الرحمن بن عوف ، وزيد بن ثابت ، وأبي أيوب الأنصاري ، وأسامة بن زيد، وسعيد بن زيد ، وأبي هريرة ، وعبد الله بن عباس ، والنعمان بن البشير ، وأخذ كثيرًا عن خالته عائشة أُمّ المؤمنين حتى غدا أحد فقهاء المدينة السبعة الذين يفزع إليهم المسلمون في دينهم ، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيتهُ كلَّكَ ، ولا يزال المرء عالمًا ما طلب العلم ، فإذا ظنَّ أنَّه قد علم فقد جهل ، نظام الجامعة ليس فيه تفتيش على المدرِّسين ، كما هو الحال في التعليم الثانوي، لكنّ في الجامعة أسلوب ذكيّ جدًّا ، يستقدمون أستاذًا زائرًا ، وهذا الأستاذ الزائر يلقي محاضرات على طلاَّب الجامعة ، فأُستاذ المادَّة إذا كان مستواه وعلمه قليلاً ؛ من يكْشفُهُ ؟ لذلك هذا نظام متَّبع في الجامعات ، يستقدمون أساتذة في الاختصاص نفسهِ من بقيَّة الجامعات ، لِيُلقوا محاضرات على الطلاب ، فالأستاذ لا بدَّ له من توسيع دائرة معرفته ، ومن المطالعة ، وتجويد محاضرته لكي لا يبدوَ أقلّ مستوًى من الأستاذ الزائر ، مرَّةً جاءنا أستاذٌ زائرٌ من بلاد المغرب العربيّ ، وهو آية في اللّغة ، والنحو الصرف ، وألقى علينا عِدَّة محاضرات ، وجلس في الصَّف الأوَّل عدد من أساتذتنا ، أنا كنتُ أتأمَّلُ في هؤلاء ، بعضهم جاء بِدَفتر وقلم ، وبدأ يكتب بعض الملاحظات ‍! صدِّقوني الذي كتب بعض الملاحظات من الأستاذ المحاضر كبُر في عَين الجميع ، لأنَّه تعلَّم ، يظلّ المرءُ عالمًا ما طلب العلم ، فإذا ظنَّ أنَّه قد علم فقد جهِل ، فالإنسان يتعلَّم دائمًا.

عمر بن عبد العزيز الخليفة الذي يُعدّ حقيقةً خامس الخلفاء الراشدين ، حين قدم المدينة واليًا عليها من قِبَل الوليد بن عبد الملِك ، جاءهُ الناس فسلَّموا عليه ، فلمَّا صلَّى الظهر دعا عشرةً من فقهاء المدينة ، وعلى رأسهم عروة بن الزبير ، فلمّا صاروا عنده رحَّب بهم ، وأكرم مجلسهم ، ثمّ حمِدَ الله عز وجل ، وأثنى عليه بما هو أهلهُ ، ثمَّ قال : إنِّي دعوْتكم لأمرٍ تؤجرون عليه ، وتكونون لي فيه أعوانًا على الحقّ ، فأنا لا أريد أن أقْطعَ أمْرًا إلا برأْيِكُم أو بِرَأْيِ من حضرَ منكم ، فإذا رأيتُم أحدًا يتعدَّى على أحد ، أو بلَغَكُم عن عامل لي مظلمة ، فأسألكم بالله أن تُبَلِّغوني ذلك ، فدعا له عروة بن الزبير بخير ، ورجا له من الله السداد والرشاد .

وله موقفٌ آخر ، عيَّنَ سيّدنا عمر بن عبد العزيز مرافقًا له اسمهُ عمر بن مزاحم ، قال له: يا عمر ، كُنْ إلى جانبي دائمًا ، إن رأيْتني ظللْتُ فأمسِكْنِي من تلابيبي ، وهُزَّني هزًّا شديدًا ، وقُلْ لي : اتَّق الله يا عمر ، فإنَّك ستَموت ! والإنسان من علامات نجاحهِ تواضُعه ، ومن علامات نجاحه استشارتُه وقبوله للنَّقْد ، فالذي يقبل النَّقْد قد ينْمو ، والذي يرفض النَّقد يسقط ، والإنسان حينما رفض النَّقد ينتهي ، لأنَّ الأشخاص دائمًا ينظرون من زوايا متعدِّدة ، وليس عليهم ضغوط كالتي على من ينتقدونه ، فالإنسان إذا أصغى إلى مَن ينتقدُهُ باحْتِرام وأدبٍ ، والنبي عليه الصلاة والسلام فعل هذا ، والصحابي الجليل الحباب بن المنذر لمَّا رأى الموقع غير مناسب في معركة بدر ، جاء إلى النبي على اسْتِحياء ، وتكلَّمَ كلامًا يقطر رِقَّةً وأدبًا وحياءً وإخلاصًا ، قال له : يا رسول الله ، هذا الموقع وحيٌ أوحاه الله إليك ، أم هو الرأي والمشورة ؟ قال : بل هو الرأي والمشورة ، فقال له : يا رسول الله هذا ليس بِمَوقعٍ ، فالنبي بِبَساطة اسْتجاب لهذه النصيحة ، وأمر بِنَقل الجيش إلى الموضع الذي اقترحه الحباب بن المنذر ، فكان لنا قدْوةً صلى الله عليه وسلَّم في سماع النَّصيحة وقَبولها مع التواضع .

لقد جمع عروة العلمَ إلى العمل ، فقد كان قوَّامًا في الهواجر ، في أيام الصيف ، نحن نقول للواحد صُم بالشِّتاء ، فالنهار قصير ، والجو بارد ، ومن دون عطش ، أمّا عروَة فكان صوَّامًا في الهواجر ، قوَّامًا في العتَمَات ، رطْب اللِّسان بذِكْر الله تعالى ، وكان إلى ذلك خَدينًا ، أيْ مُصاحبًا لكتاب الله عز وجل ، عاكفًا على تلاوته ، فكان يقرأ ربْع القرآن كلّ نهارٍ ، نظرًا في المصحف ، ثمّ يقوم به الليل عن ظهر قلب ، ولم يُعْرف أنَّه ترَكَ ذلك منذ صدْر شبابه إلى يوم وفاته ، غير مرَّةٍ واحدة لِخَطبٍ نزل به ، وسيأتي هذا النبأ بعد قليل ، وكان عروة يجد في صلاته راحة نفسه ، وقرَّة عينِهِ ، وجنَّته في الأرض ، وقال أحد العارفين : في الدنيا جنَّة من لم يدخلها لم يدخل جنة الله ، وقال : ماذا يفعل أعدائي بي ؟ بستاني في صدري ، إن أبْعدوني فإبْعادي سياحة ، وإن حبسوني فحَبْسي خلْوَة ، وإن قتلوني فقَتْلي شهادة .

كان عروة يُتقنُ صلاته أتمَّ الإتقان ، ويطيلها غاية الطول ، ورُوِيَ عنه - ودَقِّقوا في هذه القصَّة - أنَّه رأى رجلاً يصلِّي صلاة خفيفة ، فلمَّا فرغ من صلاته دعاه إليه ، وقال له : يا ابن أخي ، أما كانت لك عند ربّك جلّ وعلا حاجة ؟‍! أبِهذه الطريقة تصلّي ؟ واللهِ إنِّي لأسأل الله تبارك وتعالى في صلاتي كلّ شيء ، حتى الملح ! وهكذا أخبرنا الله عن طريق النبي عليه الصلاة والسلام ، قال عليه الصلاة والسلام : إنّ الله يحبّ الملحِّين في الدعاء *

(الجامع الصغير عن عائشة)

وعَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ حَتَّى يَسْأَلَهُ الْمِلْحَ وَحَتَّى يَسْأَلَهُ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ *

(رواه الترمذي)

قال له : يا ابن أخي أما كانت لك عند ربّك جلّ وعلا حاجة ؟‍! والله إنِّي لأسأل الله تبارك وتعالى في صلاتي كلّ شيء حتى الملح ! .

وكان عروة بن الزبير سخِيّ اليد ، سمحًا جوادًا ، والمعروف أنّه لا يجتمع إيمانٌ وبُخل ، كما أنَّه لا يجتمعُ إيمان وحسد ، كما أنَّه لا يجتمع إيمان وجبْنٌ ، مستحيل أن تجد مؤمنًا حسودًا أو بخيلاً أو جبانًا ! ومِمَّا أُثِرَ عن جوده أنَّه كان له بستانٌ من أعظم بساتين المدينة ، عذْب المياه، ظليل الأشجار ، باسق النخيل ، وكان يُسوِّر بستانه طوال العام ، لِحِماية أشجاره من أذى الماشيَة، وعبث الصِّبْيَة ، حتى إذا حان أوان الرّطب ، وأيْنَعَت ثماره ، واشْتهَتْها النفوس ، كسر الحائط في أكثر من جهة لِيُجيز للناس دخول بستانه والأكل من ثماره ، فكان الناس يُلِمُّون به ذاهبين آيِبين ، ويأكلـون من ثمره ما لذَّ لهم الأكل ، ويحملون منه ما طاب لهم الحمل ، وأنا سمعتُ قبل خمسين سنة أنّ منطقة الصالحية كلها كانت بساتين ، وكان هناك مكان اسمه جبن الشاويش ، كانت كلّ أصحاب البساتين يضعون سلّة من الفاكهة من إنتاجهم في الطريق ، وهناك سكِّينُ صغيرة ليأكل المارّ حتى يشبع ، ولكن لا أحد يحمل شيئًا من هذا إلى بيته ، المشمس ، والتفاح ؛ وكلّ شيءٍ ، وقد كنت مرَّةً في قرية جبليَّة فيها فواكه نادرة ، وزرتها اسْتجمامًا لأسبوع، وأنا في الطريق أتنزَّه فإذا بأحد أصحاب البساتين يشير إليّ ، وقال : تفضَّل ، فما فهمْتُ منه شيئًا ، وتوهَّمْت أنه يريد مساعدة في شيء ، فتقدَّمْتُ نحوهُ فأعطاني كمِّيَة فواكه تكفيني أسبوعًا ، فاسْتغربْت ، ولمَّا حدَّثتُ الناس بما جرى لي قالوا لي : هذه عادة أهل البلدة ، كلّما رأَوا ضيْفًا يعطونه من الفواكه ما تكفيه أسبوعًا أو أسبوعين ، فلمَّا بخِل الإنسان بخِلَ اللهُ عليه ، مرَّةً قلت لكم : إنَّ امرأةً صالحة في بيتها شجرة ليمون ، تحمل لها أربعمائة أو خمسمائة ليمونة في السنة ، ولا يوجد إنسان يطرق الباب بحاجة إلى الليمون إلا وأعطتْه ، وكأنّ هذه الشجرة وقفٌ للحيّ كلّه ، وهذه الشجرة أعطَتْ عطاءً لِسَنواتٍ مديدة ؛ عشرين أو ثلاثين سنة ، والحمْل غير طبيعي ، كأنّ تلك الشَّجرة كانت لِتِلك الحارة ، توفَّتْ المرأة الصالحة ، فجاء بعدها من يطلب الليمون فطرده صاحب البيت ، وبعد أسبوع يبُسَت الشجرة وماتَتْ !! وعلى هذا فقِسْ، فإذا كنت كريمًا فالله تعالى أكرم ، قال سيّدنا ابن عوف : ماذا أفعل ؟ إذا كنتُ أُنفق مائة في الصباح فيُؤتيني ألفًا في المساء ! فإذا كنت كريمًا كان الله تعالى أكرم ، وإنْ تبْخل يبْخل الله عليك.

فكان كلّما دخل هذا البستان يتلو قوله تعالى :


[ سورة الكهف ]

أنصح إخواننا الكرام : إذا أعطاك الله شيئًا من الدنيا ، ولو كان شيئًا طفيفًا فلا تقل هذا مِلكي ، وحصَّلتُهُ من عرق جبيني ، وهذا نتيجة خِبراتٍ متراكمة ، هذا كلّه كلامُ شرْكٍ ، ولكن قل : ما شاء الله ، لا قوَّة إلا بالله .

الآن دخل طَوْر الامتِحان ، قلتُ لكم سابقًا : المؤمن له ثلاثة أطوار ؛ طور التأديب ، وطَور الابتلاء ، وطور التكريم ، فلا بدَّ من فترة من حياتك تكون للتكريم ، لأنَّ الله عز وجل قال :


[ سورة طه ]

قال تعالى :


[ سورة البقرة ]

قال تعالى :


[ سورة البقرة ]

لذا هناك طور التأديب ، وطَور الابتلاء ، وطور التكريم , والآن جاء طور الابتلاء ، طبْعًا هذا الابتلاء ربما لا يحتمله معظم الناس ، ولكن الرِّضا بِمَكروه القضاء أرفعُ درجات اليقين ، فهذا الذي كان يطوف حول البيت ويقول : يا ربّ هل أنت راضٍ عنِّي ؟ وكان وراءهُ الإمام الشافعي ، فقال له : يا هذا ، هل أنت راضٍ عنه حتى يرضى عنك ؟ قال له : من أنت يرحمك؟ ما هذا الكلام ؟ كيف أرضى عنه وأنا أتمنَّى رِضاه ؟! قال الإمام الشافعي : إذا كان سرورك بالنِّقْمة كَسُرورِكَ بالنِّعْمة فقد رضيتَ عن الله .

أما امتِحان سيّدنا عروَة فقد كان صعْبًا ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً قَالَ الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ*

(رواه الترمذي)

والإنسان يُمْتحن على قدْر مكانة دينِهِ ، فالخليفة دعا عروة بن الزبير لزيارته في دمشق ، فلبَّى دعوته ، وصَحِب معه أكبر بنيه ، ولمَّا قدِم على الخليفة رحَّب بِمَقْدَمهِ أعظم ترحيب ، وأكرم وِفادته أوفى إكرام ، وبالغ في الحفاوة به ، ثمَّ شاء سبحانه وتعالى أن يمْتَحِنَهُ ، ذلك أنَّ ابن عروة دخل على إصْطبل الوليد لِيَتَفَرَّج جِياده الصافِنات ، فرَمَحَتْهُ دابَّة رمْحةً قاضِيَةً أوْدَتْ بِحَياتِهِ ‍! كما أنَّ الآن هناك حوادث سَير ، فكذلك قديمًا هناك حوادث خيل !! ولم يكد الأب المفجوع ينفض يديه من تراب قبر ولده حتى أصابتْ إحدى قدَمَيْه الآكلة ، وأصبح معه الموات ، فتورَّمَتْ ساقُه ، وجعل الورم يشتدّ ، ويمْتدّ بِسُرعة مذهلة ، فاسْتدعى الخليفة لِضَيفِهِ الأطباء من كلّ جهة ، وحضَّهم على معالجته بأيَّة وسيلة ، لكنَّ الأطِبَّاء أجمعوا على أنَّه لا منْدوحة لِبَتْر ساقهِ ، و قد صدق القائل حين قال :

***

إنَّ الطبيب له علْم يُدِلّ بــه إن كان للناس في الآجال تأخيرُ

حتى إذا ما انْتهَت أيام رحلته جار الطبيب وخانتْهُ العقاقيــرُ

***

أجمع الأطِبَّاء أنَّه لا مندوحة مِن بَتْر ساق عروَة ، قبل أن يَسْرِيَ الورَم إلى جسَدِهِ كلّه ، ويكون سببًا في القضاء عليه ، ولم يجِد بُدًّا من الإذعان لذلك ، ولمَّا حضر الجرَّاح لِبَتْر الساق أحضَرَ معه المبضع لِشَقّ اللَّحم ، سألْت طبيبًا كيف تفتحون الجمجمة ؟ طبيب جرَّاح جمجمة ، فقال لي : القضيَّة بسيطة جدًّا ! فقلتُ كيف والرأس مغلق ؟! فقال : نخدِّرهُ ، ونأتي بالمبضع ، ونُجري جرْحًا مربَّعًا من ثلاثة أضلاع ، نفتح الفرْوة عن اليمين ، ونربطها عن اليمين ، انكشفت فانكشف العظم ، ثمّ نحفر أربعة ثقوب ونأتي بِخَيط منْشاري غالٍ جدًّا ، نُدْخلهُ من ثقب ، ويخرج من ثقب آخر حتى نقطع أوَّل خطّ ، ثمّ الثاني ، ثمّ الثالث ، فإذا بنا نزعنا المربَّع ، نفتح الأم الجافية ثمّ الأم الحنون ثمّ نصل للدِّماغ ، يُنزعُ الورم غير الخبيث ، لأنّ هناك ورمًا خبيثًا لا نستطيع نزعهُ ، ثمّ نخيط الأم الحنون ، ثمّ الجافيَة ، ثمَّ نأتي بالعظم المربّع نضعها في مكانه ، نحن نحتاج ثقبين ثقبين ، ثقبًا فيها ، وثقبًا على الطرفين ، نربط أربع ربطات ، ونرجع الفرْوة ، ثمّ نخيطها ، وتنتهي العمليّة !! هذه المهارة التي أكرم الله بها الإنسان لِمُعالجة أخيه لِكَرامة الإنسان على ربّه .

فجاء الطبيب بالمَبَاضِع لِشَقّ اللَّحم ، والمناشير لِنَشر العظم ، قال الطبيب لِعُروة : أرى أن نسْقيك جرعةً من مُسْكر لكي لا تشعر بالآلام ، فقال : هيهات ‍! لا أستعين بِحَرام على ما أرجوهُ مِن عافِيَةٍ ، ما عند الله لا يُنال بِمَعصيَة الله ، هناك أدوِيَة مخالفة للشَّرع ، فقال له : إذًا نسقيك مخدِّرًا ، فقال : لا أحبّ أن أُسلبَ عضْوًا من أعضائي دون أن أشْعرَ بِألمِهِ ، وأحْتسب بذلك ، فلمَّا همَّ الجراح بِقَطع الساق تقدَّم نحو عروة طائفة من الرجال ، فقال : مَن هؤلاء ؟ فقال : جيءَ بهم لِيُمسِكوك ‍، فربَّما اشْتدّ عليك الألم ، فجذبْت قدمَكَ جذْبةً أضرَّتْ بك ، قال : رُدُّوهم لا حاجة لي بهم ، وإنِّي لأرجو أن أكْفيَكم ذلك بالذِّكْر والتَّسْبيح ، ثمَّ أقبلَ عليه الطبيب ، وقطع اللَّحم بالمِبضَع، ولمَّا بلغَ العظم وضع عليه المنشار ، وطفِقَ ينشرهُ به وعروَة يقول : لا إله إلا الله ، والله أكبر ، وما فتىء الجرَّاح ينشر وعروة يكبّر ويُهلِّل حتى بُتِرَتْ الساق بتْرًا ، ثمّ أُغْليَت الزَّيتُ في مغارف الحديد ، وغُمِسَت فيه ساق عروة لإيقاف تدفّق الدِّماء ، وحسْم الجِراح ، وأُغْمِيَ عليه إغماءةً طويلة حالَت دون أن يقرأ حصَّته في كتاب الله ، وكان هذا هو اليوم الوحيد الذي لم يقرأ فيه القرآن !! وكانت المرَّة الوحيدة التي فاتهُ فيها ذلك الخير ، ولمَّا صحا عروة دعا بقَدَمِهِ المبتورة فناولوه إيَّاها ، اسْمعوا الآن ؛ فجعلَ يُقبِّلُها بيَدِهِ ويقول : أما والذي حملني عليك يا قدمي في عتمات الليل إلى المساجد إنَّه ليعْلمُ أنَّني ما مشْيتُ إلى حرامٍ قطّ ، ثمَّ تمثَّل بأبيات لِمَعن بن أوْس قال :

***

لعَمْركُ ما أهويت كفِّي بريبــةٍ و ما حملتني نحو فاحشةٍ رجلي

ولا قادني سمعني ولا بصري لها ولا دلّني رأيي عليها و لا عقلي
وأعلم أنِّي لمْ تُصِبني مصيبة من الدَّهر إلا قد أصابتْ فتًى قبـلي

***

وقد شقَّ على الوليد بن عبد الملك ما نزل بِضَيفه الكبير من النوازل ، فقد احْتسَب ابنه ، وفقَدَ ساقهُ في أيَّام معدودات ، فجعل يحتال لِتَعْزيَتِهِ وتصبيره على ما أصابه ، وصادف أن نزلَ بِدَار الخلافة جماعةٌ من بني عبسٍ فيهم رجلٌ ضرير ، فسأله الوليد عن سبب كفّ بصره ، قال : يا أمير المؤمنين كان عمر إذا أصابتْهُ مصيبة قال : الحمد لله ثلاثًا ؛ الحمد لله إذْ لم تكن في ديني، والحمد لله إذْ لمْ تكن أكبر منها ، اسْمعوا الآن الأكبر ، قال : يا أمير المؤمنين لم يكن في بني عبْس رجلٌ أوْفَرَ مِنِّي مالاً ، ولا أكثر أهلاً وولدًا ، واللهُ إذا أعطى أدْهش ، وإذا أخذ أدْهش، نزلْتُ مع مالي وعِيالي في بطْن واد من منازل قومي ، فطرقنا سيْلٌ لم نرَ مثلهُ قطّ ، فذهبَ السَّيل بما كان لي من مالٍ وأهل وولدٍ ‍‍، ولم يترك لي غير بعيرٍ واحد وطفلٍ صغير حديث الولادة ‍‍!! وكان البعير صعبًا فندَّ مِنِّي ، فتركْتُ الصَّبيّ على الأرض ، ولَحِقْت بالبعير ، فلم أُجاوِز مكاني قليلاً حتى سمِعْت صَيْحة الطِّفل فالْتَفَتُّ فإذا رأسهُ في فمِ ذئْبٍ يأكلهُ ، فبادرتُ إليه غير أنَّني لم أستطع إنقاذهُ ، إذْ كان قد أتى عليه ، ولحِقْت بالبعير فلمَّا دَنَوْت منه رماني بِرِجلهِ على وجهي رمْيةً حطَّمَتْ جبيني ، وذهبتْ بِبَصري ، وهكذا وجدْت نفسي في ليلة واحدة من غير أهل ، ولا ولد ، ولا مالٍ ، ولا بصر !!! والإنسان إذا أصابتْهُ مصيبة يتصوَّرِ الأصعب منها فيرْتاح ، كان إذا أصابَت عمر مصيبة قال : الحمد لله ثلاثًا ؛ الحمد لله إذْ لم تكن في ديني ، والحمد لله إذْ لمْ تكن أكبر منها ، والحمد لله إذْ أُلْهمْتُ الصبر عليها ، فقال الوليد لِحاجِبِه : انْطلق بهذا الرجل إلى ضَيْفنا عروة بن الزبير ، ولْيقصَّ عليه قصَّته لِيَعلمَ أنَّ في الناس من هو أعظمُ منه بلاءً ، والقاعدة النبويَّة ؛ اُنْظر في الدنيا لِمَن هو أدنى منك ، وانْظر في الآخرة لمن هو أرقى منك .

الآن حُمِل عروة إلى المدينة ، وأُدخل على أهله ، ماذا قال ؟ بادرَهم قائلاً : لا يهُولنَّكم ما ترَوْن ! لقد وهبني الله عز وجل أربعةً من البنين ، ثمَّ أخذ منهم واحدًا ، وأبْقى ليَ ثلاثًة ، فله الحمد والشكر ، وأعطاني أربعة أطراف ثمَّ أخذ منها واحدًا ، وأبقى لي منها ثلاثة ، وَايْمُ الله لئن أخذ الله لي قليلاً فقدْ أبقى لي كثيرًا ، ولئن ابتلاني مرَّةً فلطالما عافاني مرَّات ، هل تسمعون ما قال ؟ هكذا المؤمن .

ولمَّا عرف أهل المدينة بِوُصول إمامهم وعالمهم عروة بن الزبير ، تسايلوا على بيته لِيُواسوه ويُعَزُّوه ، فكان مِن أحسنِ ما عُزِّيَ به كلمةٌ قالها إبراهيم بن محمّد بن طلحة ، قال له : أبْشِرْ يا أبا عبد الله - هناك كلام لطيف أحلى من العسل ، علْمًا أنَّك تُعَزِّي إنسانًا بِفَقْد رجله وابنه ‍- فقد سبقَكَ عضْوٌ من أعضائك ، وولدٌ من أبنائك إلى الجنَّة ، والكلّ يتْبَعُ البعض إن شاء الله تعالى ، ولقد أبقى الله لنا مِنك ما نحن فقراء إليه ، أبقى لنا منك علمك وفقْهك ورأيَك ، أما الطرف الذي سبقك إلى الجنَّة فاحْتسِبْهُ عند الله ، نفعنا الله وإيَّانا به ، واللهُ ولِيُّ ثوابك ، والضَّمِين بِحُسْن حِسابك ، وظلّ عروة بن الزبير للمسلمين منارَ هدًى ، ودليلَ فلاح ، وداعِيَةَ خير طوال حياته ، واهْتمَّ بِتَربيَة أولاده خاصَّة ، وسائر أولاد المسلمين ، فلم يترك فرْصةً لِتَهذيبهم .

قال : يا بنيّ تعلَّموا العلم ، وابْذُلوا له حقَّه ، فإنّكم إن تكونوا صِغارَ قومٍ فعسى أن يجعلكم العلم كبراء القوم ، واسَوْأتاه هل في الدنيا شيءٌ أقْبحُ من شيءٍ جاهل ؟ العالم شيخٌ ولو كان حدثًا، والجاهل حدث ولو كان شيخًا ، وكان يقول : يا بنيّ لا يَهْدِينَّ أحدكم إلى ربِّه ما يسْتحيي أن يُهْدِيَهُ إلى عزيز قومه ، فإنَّ الله تعالى أعزّ الأعزّاء ، وأكرم الكرام ، وأحقّ من يُختار له ، وكان يقول : يا بنيّ ، إذا رأيْتم من رجلٍ فعلةَ خير رائعة فأمِّلوا به خيرًا ، ولو كان بنَظر الناس رجل سوء ‍! وهذه قاعدة ؛ إن رأيْت إنسانًا أخلاقيًّا وكريمًا ، وله حياء ، ويحبّ الخير فتأمَّل فيه الخير ، ولو كان بِنَظر الناس قليل الدِّين ، فإنَّ لها عندهُ أخوات ، وإن رأيتم من رجلٍ فِعْلةَ شرّ فضيعةً فاحْذروه ، وإن كان في نظر الناس رجلَ خير ، فإنّ لها عنده أخوات أيضًا ، واعلموا أنَّ الحسنة تدلّ على أخواتها ، وأنَّ السيِّئة تدلّ على أخواتها ، وكان يوصي أولاده بلِين الجانب ، وطيب الكلام ، وبِشْر الوجه ، ويقول : يا بنيّ ؛ مكتوب في الحكمة لِتَكُنْ كلمتُك طيِّبةً ، ووجْهكَ طليقًا تكنْ أحبَّ للناس مِمَّن يبذل لهم العطاء ، وكان إذا رأى الناس يجْنحون إلى الطَّرَف ، ويسْتمرئون النعيم ، يُذكِّرهم بما كان عليه رسول الله من شظف العيش ، وخشونة الحياة .

وعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ ابْنَ أُخْتِي إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ وَمَا أُوقِـدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَارٌ فَقُلْتُ مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ قَالَتْ الْأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالْمَاءُ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِيرَانٌ مِنْ الْأَنْصَارِ كَانَ لَهُمْ مَنَائِحُ وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَبْيَاتِهِمْ فَيَسْقِينَاهُ *

(متفق عليه)

عاشَ عروة واحدًا وسبعين عامًا مترعةً بالخير ، حافلةً بالبِرّ ، مُكَلَّلَةً بالتُّقى ، فلمَّا جاءه الأجَل المحتوم أدركهُ وهو صائم ، وقد ألحَّ عليه قومه أن يُفْطرَ فأبى ، لقد أبى لأنَّه كان يرجو أن يكون فطْرهُ على شرْبة من نهر الكوثر ، في قوارير من فضَّة ، بأيْدي حور العين .

هذا تابعيّ جليل كان قد ارْتقى ، وارْتقى ، حتى بلغ الكمال الإنساني .

والحمد لله رب العالمين

***

ابو عمر المصرى
12-13-2007, 11:38 AM
إيَّاس بن معاوية المزني








بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا لا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، و انفعنا بما علَّمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقًّا ، وارزقنا اتِّباعه ، وأرنا الباطل باطلا ، وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.



أيها الإخوة المؤمنون ؛ مع الدرس الخامس من دروس سير التابعين رضوان الله تعالى عليهم ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ وَكَانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ *

[رواه البخاري]

والتابعيُّ اليوم هو إياسُ بن معاوية المزني .

وردَ اسمُ إياس في بيت شعر للشاعر أبي تمَّام حينما مدح أحمد بن المعتصم ، و البيت مشهور جدًّا ، قال :

***

إقدامُ عَمْرٍو في سَماحةِ حَاتِمٍ في حِلمِ أحنَفَ في ذَكاءِ إِيَاسِ

***

كان إياس بن معاوية مِن أذكى العرب ، وكان مِن أشدِّهم حِلمًا الأحنفُ ، ومِن أكثرهم سخاءً حاتمُ ، و من أشدِّهم شجاعة عمرو :

***

إقدامُ عَمْرٍو في سَماحةِ حَاتِمٍ في حِلمِ أحنَفَ في ذَكاءِ إِيَاسِ

***

وقبل أن نمضيَ في الحديث عن هذا التابعيِّ الجليل ، لا بدَّ أن نقف وقفةً عند الذكاء ، والحقيقة أنّ الذكاءُ قيمة كبيرة جدا ، إلا أنه وحده ربَّما كان مدمِّرا لصاحبه ، لأنّ الذكاء يشبه اندفاعا شديدا ، فإذا لم يوجد سياجٌ من القيم ، ولا توجد مبادئ ، و لا توجد استنارة بنور الله عزوجل فهذا الذكاء يكون شؤما على صاحبه ، ألم تسمعوا في الأدعية الشريفة : اللهم اجعل تدبيرهم في تدميرهم .

أيها الإخوة ؛ قليل من التوفيق خيرٌ من كثير من الذكاء :

***

ولو كانت الأرزاقُ تجري مع الحِجا هلكْنَ إذًا من جهلهن البهــائمُ

***

الذكاء قيمة عالية جدا ، و لكن الذكاء وحده لا يكفي ، لا بدَّ من الهدى ، ولا بدَّ من أنْ يستنير الإنسانُ بنور الله ، لا أملك إلا هذا المثلَ الدقيق جدًّا ؛ هذه العينُ لو أن أحدا فحص عينيه عند طبيب العيون ، فكانتا في أعلى درجات الحساسية ، والرؤية : 12/10 ، ولم يكن هناك مصباح يتوسَّط بينك وبين المرئي ، فالعينُ لا قيمة لها ، و كذلك العقل ، إن لم يكن هناك هدًى يتوسّط بين العقل وبين الأشياء فالعقلُ لا يرى ، قال تعالى :


[سورة المدثر]

العقل وحده قد يطغى ، وأكبر دليل العالَمُ الغربي ، هذا العالَم يكاد يكون عقلا فقط ، وهذا العقل توصَّل إلى تدمير الحياة الاجتماعية ، وتدمير البنية الأساسية ، و هي الأسرة ، فالإنسان عقل وقلب ، وعقيدة ومصالح ، فحينما تطغى المصلحةُ على العقيدة ، ربما كان تدميرُ الإنسان في تدبيره ، أما في عالَم الحيوان فأذكى الحيوانات على الإطلاق أكثرُها حقارةً ، فالقوارض من أذكى الحيوانات ، وإذا كان الإنسان ذا عقل راجح فهذا من نِعَم الله الكبرى ، لكن عقلَه الراجح من دون طاعة لله عزوجل هذا شؤم على صاحبه ، وبالعكس ، فالعقلُ من دون هدى أداةٌ انهيار وتدمير ، وهل الحربُ الحديثة كما يقول العلماءُ إلا حربٌ بين عقلين ، وعلى كلًّ نعمةُ العقل كبيرةٌ ، وربُّنا عزوجل يقول :


[سورة الفتح]

ومن تمام النعمة أن يكون العقلُ والإيمانُ متكاملين ، أن يكون العقلُ والخلقُ متكاملين ، وسيدنا عمرُ بن عبد العزيز بات ليلةً قلقا مسهَّدا ، لم يُغمَض له جفنٌ ، لماذا ؟ قال :"كان يشغله في تلك الليلة من ليالي دمشق أمْرُ اختيارِ قاضي البصرة ، و الحقيقة أن الإنسان إذا أوتيَ مقاليدَ الأمور فأخطرُ أعماله أن يختار مساعديه ، هذه أخطر أعماله ، وسيدنا عمر يقول : " أريد أميرا، إن كان أميرا بدا وكأنَّه واحد من أصحابه ، و إن كان واحدا من أصحابه بدا و كأنه أميرٌ" ، أي من شدَّة غيرته على مصالح الأمة لو كان يكن أميرا بدا وكأنه ليس بأمير ، ومن شدَّة تواضعه لو كان أميرا بدا وكأنه واحد منهم ، يريد هذا الخليفةُ الراشد والخامس كما يقولون أن يختار قاضيًا للبصرة ، يقيم بين الناس موازين العدل ، و يحكم فيهم بما أنزل الله ، و لا تأخذه في الحق رهبةٌ و لا رغبة ، وقع اختيارُه على رجلين كفرسيْ رِهان ، فقهًا في الدين ، وصلابةً في الحق، وورعًا في السلوك ، ووضاءةً في الفكر ، وثقوبًا في النظر ، وكلمَّا وجد لأحدهما مزيَّةً ترجِّحه على صاحبه ألفى في الآخر مزية يقابل بها تلك المزية ، فلما أصبح دعا واليَ العراق عديَّ بن أرطأة ، وكان يومئذٍ عنده في دمشق ، وقال له : يا عديُّ اجمع بين إياسٍ بن معاوية المزني والقاسم بن ربيعة الحارثي ، وكلمِّهما في أمر قضاء البصرة ، وولِّ أحدهما عليه، فقال : سمعا وطاعة يا أمير المؤمنين ، وكما قلتُ قبل قليل : أخطرُ أعمال من أوتيَ مقاليد الأمور أن يختار مساعديه ، من الأكفاء ، الأكفاء جمعُ كفء ، أحيانا يتفاصح بعضُ الأشخاص يقول : من الأكفياء،الأكفياء جمع كفيف ، والكفيف من فَقَدَ بصرَه ، والكفء جمعه أكفاء ، والكفيف جمعه أكفَّاء ، والأكفاء جمع كفء ، جمعَ عديُّ بن أرطأة بين إياس والقاسم ، وقال : "إن أميرَ المؤمنين أطال اللهُ بقاءه أمرني أن أُولِّيَ أحدكما قضاءَ البصرة ، فماذا تريَانِ ؟ قال كلٌّ منهما عن صاحبه: إنه أولى منه بهذا المنصب " تصوَّر تبدُّلَ القيم ، العرب كانوا في تألُّقهم يقولون : المنيةُ ولا الدنيَّة، و العربُ في تخلُّفهم قد يكون لسانُ حالهم : الدنيةُ ولا المنية ، لذلك أحد الشعراء دخل السجن لأنه قال بيتًا عُدَّ أهجى بيتٍ قالته العربُ ، قال الحطيئة :



دَعِ المكارمَ لا ترحلْ لبُغيتها و اقعُدْ فإنك أنت الطاعمُ الكاسِي

وقد يكون هذا أمنيةَ كل إنسان ، وعلى كلٍّ كان كلٌّ منهما يثني على صاحبه و يقول : إنه أولى بهذا المنصب منه ، وذكر من فضله وعلمه وفقهه ما شاء اللهُ أن يذكر ، فقال عديُّ :" لن تخرجا من مجلسِي هذا حتى تحسما هذا الأمرَ ، فلا بد من أُولِّيَ أحدَكما ، فقال له إياسُ : أيها الأمير سَل عني وعن القاسم فَقِيهَي العـراق الحسنَ البصري ومحمد بن سيرين ، فهما أقدرُ الناس على التمييز بيننا " ، كان القاسمُ يزورهما ويزورانه ، و إياسٌ لا تربطه بهما رابطةٌ ، أي هناك علاقة بين القاسم و بين هذين التابعيين ، فلذلك قال له : اسأل عنا هذين التابعين ، فهما يزكِّيان ، فَعَلِمَ القاسمُ أن إياسًا أراد أن يورِّطه في هذا المنصب ، قال : أيها الأمير لا تسل أحدا عني ولا عنه ، أيها الأمير فواللهِ الذي لا إله إلا هو - أقسم - فوالله الذي لا إله إلا هو إنَّ إياسًا أفقه مني في دين الله ، وأعلم بالقضاء ، فلا تسأل ، أنا أقسم لك ، فإن كنتُ كاذبا في قسمي فما يحلُّ لك أن تولِّيني القضاءَ ، وأنا أقترف الكذبَ ، وإن كنتُ صادقا في قسمي فلا يجوز لك أن تعدل عن الفاضل إلى المفضول " ، هذا كلام ليس له جواب ، أنا أقسم بالله أن إياسا أفضلُ مني ، وإن كنتُ كاذبا لا ينبغي أن تولِّيني القضاءَ لأني اقترفتُ جريمة الكذب ، وإن كنتُ صادقا لا يجوز لك أن توليني بعد أن ثبت لديك أنه أفضلُ مني ، فالتفت إياسٌ إلى الأمير ،وقال : أيها الأمير - اسمعوا الجوابَ الثالث - قال : إنك جئتَ برجل و دعوتَه إلى القضاء فأوقفتَه على شفير جهنم - ولقد صحَّ عَنْ بُرَيْدَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ رَجُلٌ قَضَى بِغَيْرِ الْحَقِّ فَعَلِمَ ذَاكَ فَذَاكَ فِي النَّارِ وَقَاضٍ لَا يَعْلَمُ فَأَهْلَكَ حُقُوقَ النَّاسِ فَهُوَ فِي النَّارِ وَقَاضٍ قَضَى بِالْحَقِّ فَذَلِكَ فِي الْجَنَّةِ *

[رواه الترمذي]
وقد جعل أحدُهم تعديلا للحديث فقال : قاضيان إلى النار و قاضٍ إلى جهنم ، لا يوجد أحد ، قال : " أيها الأمير إنك جئت برجل ودعوتَه إلى القضاء و أوقفتَه على شفير جهنم ، فنجَّا نفسه منها بيمين كاذبة لا يلبث أن يستغفر اللهَ منها ، و ينجو بنفسه مما يخاف ، فقال له عديُّ : إنما يفهم مثلَ فهمك هذا لجديرٌ بالقضاء ، حريٌّ به ، ثم ولاَّه قضاءَ البصرة " انظُروا إلى هذا التعفُّف عن ذاك المنصب .

سألوا واحدا كاذبا : تحلفُ اليمين ، فقال : جاء الفرَجُ ، أحلف طبعا ، فالإنسان أحيانًا يلاحظ تغيُّرا شديدا في القيم بين الماضي والحاضر.

هذا الذي اختاره الخليفةُ الزاهد عمر بن عبد العزيز قاضيًا للبصرة من هو ؟ هذا الإنسانُ ضُرِب لذكائه المثل ، فكان ذكيًا فطِنا ذا بديهة حاضرة .

وُلِد إياسُ بن معاوية بن قُرِّةَ المزني سنة (46) للهجرة في منطقة اليمامة في نجد ، وانتقل مع أسرته إلى البصرة ، وبها نشأ وتعلَّم ، وتردَّد على دمشق في يفاعته ، و أخذ عمن أدركهم من بقايا الصحابة الكرام وجِلَّة التابعين ، ولقد ظهرت على الغلام المزني علائِمُ النجابة ، وأماراتُ الذكاء منذ نعومة أظفاره ، فإذا أكرمَ اللهُ عزوجل أحدًا من إخواننا الكرام بطفل ذكيٍّ جدا فلا بدَّ أن يهيِّئه تهيئةً تتناسب مع قدراته ، ومن يدريك أن هذا الطفل يكون أحدَ أعلام الأمة؟ و " الديك الفصيح من البيضة يصيح" ، هكذا قالت العوام ، وهذا كلام دقيق ، والطفلُ الفطِن يظهر عليه ذلك منذ نعومة أظفاره ، فإذا أكرمَ اللهُ عزوجل أحدًا من إخواننا الكرام بغلام عنده قدرات عالية جدًّا فينبغي أن يعتنيَ به كثيرا ، فلعلَّ اللهَ سبحانه وتعالى ينفع المسلمين به ، والحقيقة في البلاد الأخرى - أنا لا أقول : متقدِّمة ، ولكن بالمقياس المادي متقدِّمة - هناك مدارس خاصة للمتفوِّقين، لأن هؤلاء أعلام الأمة ، وكلُّ بلد لها ترتيب ، نحن نعطي الأذكياء كلِّيةَ الطِّب ، هذا اتِّجاهنا ، أي 230 درجة فما فوق للطب ، ثم صيدلة ، وأقل ننزل إلى الهندسة، إلى آخره ، وبعضُ البلاد أعلى العلامات لكلية الحقوق ، لماذا ؟ لأن خرِّيجي هذه الكلية في الأعمِّ الأغلب محافظون ووزراء و سفراء ، بيدهم مقاليد الأمور ، فينبغي أن يكونوا على مستوى رفيع جدًّا من القدرات ، و لو أُتيح لبلد ما أن يجعل النخبةَ العالية جدًّا دعاةً إلى الله عزوجل ، لأن هذا الداعي يبني النفوسَ، فالمفروض من هؤلاء الذين يصعدون المنابرَ ، والذين يتصدَّون لخدمة الخلق وتوجيههم ، ولبناء نفوسهم ، المفروض أن يكونوا على مستوى رفيع جدًّا من الفطانة والذكاء ، والحقيقة أن الذكاء قدرة عالية جدًّا ، والدليل أن صفة من صفات الأنبياء المشتركة هي الفطانة ، ولو تعاملتَ مع أيِّ نبيٍّ فضلا عن أخلاقه وقيمه ، والوحيِ الذي يأتيه ، وعن مستواه الرفيع ، وعن خلقه ، فضلا عن كل ذلك فهو في درجة من الذكاء تفوق حدِّ الخيال، هذه قدرات أودعها اللهُ فيهم ، لتعينهم على أداء رسالتهم ، فلا ينبغي لكلية من كليات الجامعة أن تستأثر بالعباقرة ، هكذا الأكمل.

ظهرت على هذا الغلام علائمُ النجابة وأمارات الذكاء منذ نعومة أظفاره ، و جعل الناسُ يتناقلون أخبارَه ونوادرَه ، وهو مازال صبيًّا صغيرا ، رُوِي عنه أنه كان يتعلَّم الحساب في كتَّاب لرجل من أهل الذِّمة ، فاجتمع عند المعلِّم أصحابٌ له ، و جعلوا يتكلَّمون في أمور الدين ، وهو ينصت إليهم من حيـث لا يدرون ، فقال المعلِّم لأصحابـه :" ألا تعجبون للمسلمين فهم يزعمون أنهم يأكلون في الجنة ولا يتغوَّطون ، فالتفت إياسٌ إليه ، وقال : أتأذن لي يا معلِّم بالكلام فيما تخوضون فيه ؟ قال : نعم تكلَّم ، قال الفتى : أكلُّ ما يُؤكل في الدنيا يخرج غائطا ؟ فقال المعلِّم: لا ، قال : فأين يذهب الذي لا يخرج ؟ قال المعلِّم : يذهب في غذاء الجسم قال الفتى : فما وجهُ الاستنكار منكم إذا كان يذهب بعضُ ما نأكله في الدنيا غذاءً أن يذهب كلُّه في الجنة في الغذاء"، طبعا قسمٌ من الغذاء يسهم في بناء الخلايا ، وقسم يخرج ، وقسم يبقى ، كما قال النبيُّ الكريم : "إن نوحا لم يقم عن خلاء قط إلا قال: الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى في منفعته، وأخرج عني أذاه *

(أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن عائشة)

تقدَّم الغلامُ سنةً بعد سنة ، وتقدَّمت مع هذه السنين أخبارُ ذكائه أينما حلَّ ، فدخل دمشق وهو لا يزال غلاما ، فاختلف مع شيخ من أهل الشام في حقٍّ من الحقوق ، ولما يئس من إقناعه بالحجَّة ، دعاه إلى القضاء ، فلما صار بين يدي القاضي احتدَّ إياسٌ ، ورفع صوته على خصمه، فقال له القاضي : اخفِض صوتك يا غلام ، فإن خصمك شيخ كبير السن والقدر ، فقال إياس : ولكن الحقَّ أكبر منه ، فغضب القاضي ، وقال : اسكُت ، فقال الفتى : ومَن ينطق بحجتي إذا سكتُّ ، فازداد القاضي غضبا ، وقال : ما أراك تقول منذ دخلت مجلس القضاء إلا باطلا ، فقال إياس : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، قال له : أحقٌّ هذا أم باطل ؟ فهدأ القاضي و قال : حقٌّ و ربِّ الكعبة " ، أحيانا الإنسان على صغر سنه يُؤتى الحجة البالغة في وقتها ، ولا تُقدَّر بثمن .

وأكبَّ هذا الفتى على العلم ، ونهل منه ما شاء اللهُ أن ينهل ، حتى بلغ منه مبلغا جعل الشيوخَ ، يخضعون له ، ويأتمُّون به ، ويتتلمذون على يديه على الرغم من صغر سنه ، والعالم شيخ ولو كان حدَثًا ، والجاهل حدثٌ ولو كان شيخا ، وذات مرة زار عبدُ الملك بن مروان البصرة قبل أنْ يَليَ الخلفة ، فرأى إياسا وكان يومئذٍ فتًى يافعا ، لم ينبت شاربُه بعد ، ورأى خلفه أربعةً من القراء من ذوي اللحى بطيالستهم الخضر ، وهو يتقدَّمهم ، فقال عبد الملك : أُفٍّ لأصحاب هذه اللحى ، أمَا فيهم شيخٌ يتقدَّمهم ، فقدَّموا هذا الغلام ، ثم التفت إلى إياس ، وقال : يا غلام كم سنُّك ؟ - أي ازدراءً له - فقال : أيها الأمير سني أطال بقاءَ الأمير كسنِّ أسامة بن زيد حين ولاَّه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم جيشا فيهم أبو بكر وعمر ، فقال له عبد الملك : تقدَّم يا فتى تقدَّم - أي علمُك قدَّمك - بارك الله فيك ".

وذات سنة أيضًا خرج الناسُ يلتمسون هلالَ رمضان ، وعلى رأسهم الصحابيُّ الجليل أنسُ بن مالك الأنصاري ، وكان يومئذٍ شيخا كبيرا ، قد قارب المائة ، فنظر الناسُ في السماء ، فلم يروا شيئا ، لكن أنسَ بن مالك جعل يحدِّق في السماء ، و يقول : لقد رأيتُ الهلالَ ، ها هو ذاك ، وجعل يشير إليه بيده ، فلم يرَه أحدٌ ، عند ذلك نظر إياسٌ إلى أنس رضي الله عنه ، فإذا شعرةٌ طويلة في حاجبه قد انثنت حتى غدتْ قُبالة عينه ، وكأنها الهلال ، فاستأذنه في أدب ، ومدَّ يده إلى الشعرة فمسحها و ، سوَّاها ، ثم قال له : أترى الهلال الآن يا صاحب رسول الله ؟ فجعل أنسُ ينظر و يقول : كلا ما أراه ، أين ذهب ؟ كلا لا أراه" ، هذا الصحابيّ متقدِّم في السن ، وإياس كان فطِنًا وأديبًا مؤَدَّبًا ، سحب هذه الشعرة فغاب الهلال ، أحد الشعراء وصف جسمه النحيل بأنه كهلال الشك .

الحقيقة هناك كتاب عنوانه (الأذكياء) ، و هناك كتاب أيضا لغير الأذكياء ، مرة ثانية أيها الإخوة ؛ ما من نعمة أجلُّ من أن يهبك الله قدرةً عقلية تعيش بعقلك بين الناس .

وشاعت أخبارُ ذكاء إياس ، وذاعت وصار الناسُ يأتونه من كل حدب وصوب ، ويلقون بين يديه ما يعترضهم من مشكلات في العلم والدين .

رُوِي أن دهقانا أتى مجلسه فقال : يا أبا وائلة ، ما تقول في المسكِر ؟ - الخمر - قال : حرام ، قال: ما وجهُ حرمته ؟ أقنعني ، وهو لا يزيد عن كونه ثمرا وماءً غُلِيا على النار فصار خمرًا ، وكل ذلك مباح لا شيءَ فيه ، فلماذا هو حرام ؟ فقال إياسُ : أفرغتَ من قولك يا دهقانُ، أم بقيَ لديك ما تقوله ؟ قال : بل فرغتُ ، قال : لو أخذتُ كفًّا من ماء ، وضربتُك به أكان يوجعك ؟ قال : لا ، قال : لو أخذتُ كفًّا من تراب وضربتُك به أكان يوجعك ؟ قال : لا ، قال : لو أخذتُ كفًّا من تِبنْ فضربتك به أكان يوجعك ؟ قال : لا ، قال : لو أخذت الترابَ ، ثم طرحتُ عليه تبنا ، وصببتُ فوقه الماءَ ، ثم مزجتهما مزجا ، ثم جعلتُ الكتلة في الشمس حتى يبست ، ثم ضربتك به ، أكان يوجعك ؟ قال : وقد تقتلني به ، قال : هكذا شأنُ الخمر ، فهو حينما جُمِعَت أجزاؤه خُمِّر فأصبح حراما ، كما أن الماء و التراب و التبن لو ضربتك به لا تُؤذى ، أما إذا جمعتُ هذه العناصر الثلاثة ، ويبَّستها في الشمس فأصبحت كتلةً قاسية ، ورميتُك به قال: قد تقتلني ، قال : هكذا الخمر .

والحقيقة كان هذا القاضي على جانب عالٍ جدا من الذكاء ، وظهرت له مواقفُ تدلُّ على فرط ذكائه ، وإن علماء النفس قالوا : هناك منحنى ، هذا المنحنى يمثِّل نِسب الذكاء بين البشر ، تسعون بالمائة ذكاؤهم متوسِّط ، و خمسة بالمائة عباقرة ، و خمسة بالمائة أغبياء ، لكن الخطَّ العريض دائما هو الخطُّ المتوسِّط ، لذلك في علم النفس علامة مائة في الذكاء تمثِّل الخطَّ العريض، أما مائة وأربعون فهؤلاء عباقرة.

لما ولِيَ القضاءَ جاءه رجلان يتقاضيان عنده ، فادَّعى أحدُهما أنه أودع عند صاحبه مالا ، فلما طلبه منه جحده ، فسأل إياسُ الرجلَ المدَّعَى عليه عن أمر الوديعة فأنكرها ، وقال : إن كانت لصاحبي بيِّنة فليأتِ بها ، وإلا فليس له عليَّ إلا اليمين ، لا يوجد بيِّنة ، فلما خاف إياسٌ أن يأكل الرجلُ المالَ بيمينه التفت إلى المودِع ، وقال له : في أيِّ مكان أودعته المالَ ؟ أي أعطيته، قال : في مكان كذا ، قال : وماذا يوجد في ذلك المكان ؟ قال : شجرة كبيرة جلسنا تحتها ، وتناولنا الطعام معًا في ظلِّها ، ولما هممنا بالانصراف دفعتُ إليه المالَ ، فقال له إياسٌ : انطلِق إلى المكان الذي فيه الشجرة فلعلَّك إذا أتيتها ذكَّرتك أين وضعت مالك ، ونبَّهتْك إلى ما فعلته به، فجعل المدَّعي يذهب إلى الشجرة ، وأوهمَ المتَّهم أنه بريء ، اذهب أيها الرجل إلى الشجرة فلعلك نسيت المالَ هناك ، هذا بريء ، قال : ثم عُد إليَّ لتخبرني بما رأيت ، فانطلق الرجل إلى المكان، وقال إياس للمدَّعى عليه : اجلس إلى أن يجيء صاحبُك ، فجلس ، ثم التفت إياس إلى من عنده من المتقاضين ، وطفق يقضي بينهم ، وهو يرقب الرجل بطرفٍ خفيٍّ ، حتى إذا رآه قد سكن - ارتاحت نفسُه وكأنه صار بريئا ، واطمأن ، التفت إليه وسأله على عجل : أتقدِّر أن صاحبك قد بلغ الموضع الذي أعطاك فيه المال ؟ هل تقدِّر أنه وصل إليه ؟ قال له : لا إنه بعيد من هنا ، فقال له إياس : يا عدوَّ الله تجحد المالَ ، وتعرف المكان الذي أخذته فيه ، تركه ينسى، و تركه يطمئن ، وسأله فجأة ، صاحبك وصل إلى الشجرة في تقديرك ؟ إلى المكان الذي أخذت فيه المالَ، هل وصل إليه صاحبُك ، لا المكان بعيد ، لا يزال في الطريق ، واللهِ إنك لخائن ، فبُهِت الرجل ، وأقرَّ بخيانته ، فحبسه حتى جاء صاحبُه ، وأمره بردِّ وديعته إليه .

ومن ذلك ما رُوي من أن رجلين اختصما إليه في قطيفتين - ثوبين - مما يوضع على الرأس ، ويُسدَل على الكتفين ، مثل القلنسوة ، أو"غطرة " بالتعبير الآخر ، إحداهما خضراء جديدة ثمينة ، وأخرى حمراء بالية ، قال المدَّعي : نزلتُ إلى الحوض لأغتسل ، ووضعتُ قطيفتي الخضراء مع ثيابي على حافة الحوض ، و جاء خصمي فوضع قطيفته الحمراء إلى جانب قطيفتي ، ونزل إلى الحوض ، و خرج قبلي ، فلبس ثيابه ، وأخذ قطيفتي ، فألقاها على رأسه وكتفيه ، ومضى بها ، فخرجتُ على إثره وتبعتُه وطالبته بقطيفتي ، فزعم أنها له ، فقال إياسٌ للرجل المدَّعى عليه : وما تقول أنت ؟ قال : هي قطيفتي ، وهي في يدي ، فقال إياس للرجل المدَعي : ألك بيِّنة ؟ قال : كلا ، فقال لحاجبه : أحضر لي مشطًا ، فأُحضر له ، فمشط شعرَ رأس الرجلين، فخرج من رأس أحدهما زغب أحمر من نُثار صوف القطيفة ، و خرج من رأس الثاني زغبٌ أخضر من نثار صوف القطيفـة ، فقضى بالقطيفة الحمراء لصاحب الزغب الأحمر ، و بالقطيفة الخضراء لصاحب الزغب الأخضر ، أخذ المشط وسرَّح الشعر حتى حصل على بعض الزغب الملوَّن ، وعرف مَن هو صاحب الحق .

من أخبار فطنته أيضا أنه كان في الكوفة رجل يظهر للناس الصلاحَ ، ويبدي لهم الورعَ والتقى ، حتى كثُر الثناءُ عليه ، واتَّخذه بعضُ الناس أمينا لهم يأتمنونه على مالهم إذا سافروا ، ويجعلونه وصيًّا على أولادهم إذا أحسُّوا بدنوِّ الأجل ، وقد دخل رجلٌ مرة المسجد ، وتفرَّس في المصلين ، إلى أن اهتدى إلى رجلٍ كثيرِ الخشوع ، متألَّقِ الوجه ، فأعجبه ، فبعد أن أتمَّ صلاته قال له : إني أردتُ أن أعطيك بعض المال كأمانة عندك ، وأنا ذاهب إلى الحج ، وقد توسَّمتُ فيك الصلاح ، فقال له هذا المصلِّي : وأنا أيضا صائم ، قال له : واللهِ أعجبتْني صلاتُك ، ولكن لم يعجبني صيامك ، فهناك أناس يتَّخذون الدينَ طريقا لكسب المال ، أتاه رجلٌ واستودعه مالا ، و لما احتاج الرجلُ إلى المال طالبه فأنكره ، فمضى إلى إياس ، وشكى له الرجل ، فقال للمشتكي: أعَلِمَ صاحبَك أنك تريد أن تأتيني ؟ قال : كلا ، فقال : انصرِف ، وعُد إليَّ غدا ، ثم أرسل إياس إلى الرجل المؤتمن ، وقال له : لقد اجتمع لديَّ مالٌ كثير للأيتام ، لا كافل لهم ، وقد رأيتُ أن أودعه لديك ، وأن أجعلك وصيًّا عليهم ، فهل منزلك حصين ، ووقتك متَّسِع ؟ قال : نعم أيها القاضي ، هذا الذي جعل نفسه صالحا ، قال : تعالَ إليَّ بعد غٍد ، وأعِدْ موضعًا للمال ، وفي اليوم التالي جاء الرجل المشتكي ، فقال له إياس : انطلِق إلى صاحبك ، واطلب منه المال ، فإن أنكره فقل له : أشكوك إلى القاضي ، فأتاه الرجل ، فطلب منه المال ، فامتنع عن إعطائه ، و جحده ، فقال له : إذًا أشكوك إلى القاضي ، فلما سمع ذلك منه دفع المال إليه فورا ، و طيَّب خاطره ، فرجع الرجل إلى إياس ، وقال : لقد أعطاني صاحبي حقي ، و جزاك الله خيرا ، ثم جاء المؤتمَن بعد غدٍ إلى إياس في موعده ، ومعه الحمالون ، فزجره وأشهره ، قال له : بئس الرجل أنت يا عدوَّ الله ، لقد اتخذْتَ الدِّين مطية للدنيا ، أي جعل نفسه صالحا ، فلما عرض عليه القاضي أموالَ الأيتام الكثيرة ، و جاء الخصمُ يطالبه بالمال ، فأعطاه المال لكيلا يفضحه عند القاضي ، والقاضي جعلها فخًّا له .

والحقيقة إذا أراد القاضي أن ينصف الناس بإخلاص شديد ، فإنّ اللهَ عزوجل يلهمه ، وهذا مأخوذ من حديثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا*

[رواه البخاري]
فإنْ صدق الإنسان في خدمة الخلق هداه ذلك إلى الطريق الصحيح ، و الحقيقة أن القضاء شيء صعب ، إذا لم توجد التقوى ، فقد تلتبس الأمورُ على القاضي ، لكن القاضي يحتاج إلى فراسة ، و يحتاج إلى فطنة ، و يحتاج إلى إلهام من الله عزوجل ، ولكنَّ إياسا على الرغم من شدَّة ذكائه وفطنته فهناك من أقام عليه الحُجَّةَ ، و فوق كل ذي علم عليم

حدَّث عن نفسه فقال : ما غلبني أحدٌ قط سوى رجل واحد ، وذلك أني كنتُ في مجلس القضاء في البصرة ، فدخل عليَِّ رجل ، فشهد عندي أن البستان الفلاني هو ملكٌ لفلان ، وحدَّده لي ، طبعا الشاهد دليل قويٌّ في القضاء ، فجاء الشاهد ، و قال : البستان الفلاني لفلان ، فقلتُ لهذا الشاهد : وكم عددُ شجرات البستان ؟ فأطرق قليلا ، ثم رفع رأسه ، وقال : منذ كم يحكم سيدُنا القاضي في هذا المجلس ؟ كم سنة لك يا سيدي في هذا المجلس ؟ قال له : منذ كذا سنة ، من ثمان سنوات فرضًا ، قال له : كم عددُ خشب سقف هذه الغرفة ؟ ثمان سنوات ، ولا يخطر لإنسان أن يعُدَّ كَمْ خشبة هي ، هو شهد أن هذا البستان لفلان ، قال له : كم شجرة فيه ؟ قال له : أنت كم سنة لك في هذا المجلس ، فكم عدد خشبات السقف في هذا المجلس ؟ قال : فلم أعرف وقلتُ : الحق معك ، ثم أجزتُ شهادته ، كذلك الإنسان كلما تفوَّق في شيء فإنّ اللهَ عزوجل يحجِّمه بأن يأتيه شخصٌ يبدو أنه أكثر منه تفوُّقا .

أنا في الحقيقة لا أريد أن أجعل كما قلتُ في بداية الدرس أن الذكاء وحده هو كلُّ شيء ، لكن ما أجمل أن يكون عقلُ الإنسان متَّقِدًا ، وقلبُه صافيا نقيًّا ، ما الذي يحصل في الحياة ؟ تجد أحيانا إنسانا يتَّقد ذكاءً ، لكنه على خُبث ، ذكاء شيطاني ، و انحراف ، وتفلُّت من أوامر الدين ، وأكل لأموال الناس بالباطل ، وتجد شخصا آخر يعجبُك تفوُّقه ، ولكن لا يعجبك عقلُه ، فالمنحرف قد يكون فطنًا جدًّا ، والمستقيم قد يكون محدودا جدا ، وهذا شيء مؤلِم جدا ، لكن إذا اجتمع العقلُ الراجح مع القلب الطاهر فهذا من أغرب ومن أندرِ النماذج البشرية .

بلغ إياسُ بن معاوية السادسة والسبعين من عمره ، ورأى نفسَه وأباه في المنام راكبين على فرسين ، فجريا معًا ، فلم يسبق أباه ، ولم يسبقه أبوه ، وكان والدُه قد مات عن ستٍّ وسبعين سنة.

أنا سمعتُ كثيرا عن أناس صالحين أكرمهم الله عزوجل بأن عرَّفهم بدنوِّ أجلهم ، وهي قصص كثيرة جدا ، ولعلَّ هذا من إكرام الله للإنسان ، فقبل أن يموت بشكل أو بآخر ، منام أو شعور أو حدس أو إدراك يشعر أن أجله قد دنا ، يا تُرى النبيُّ عليه الصلاة و السلام هل نعاه اللهُ بالقرآن الكريم ؟ ما الآية ؟ قال تعالى :


[سورة النصر]

أي انتهت مهمَّتك ، والعظماء الحياة لا تعنيهم ، حياتهم جليلة وعظيمة ، فإذا أدَّوا رسالتهم فقد انتهت حياتهم ، فالنبي عليه الصلاة والسلام أدَّى رسالته ، ألا تقل له أنت إذا وقفتَ أمام قبره : أشهد أنك بلَّغت الرسالة ، وأديت الأمانة ، ونصحت الأمة ، و كشفت الغُمة ، وجاهدت في الله حقَّ الجهاد ، واللهُ عزوجل أقسم بعمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال تعالى :


[سورة الحجر]

إنّه لشيء عظيم أنْ يعيش الإنسان الحقَّ ، وفي سبيل الحق ، ومن أجل نشر الحق ، وأن يبذل الغالي والرخيص ، والنفس والنفيس من أجل الحق ، والإنسان حجمُه عند الله بحجم عمله الصالح ، وأعظم مرتبة تنالها عند الله أن تكون جنديًّا من جنود الحق ،و لا أنسى هذا الحديث الشريف : يا بِشر ، لا صدقة و لا جهاد ، فبم تلقى الله إذًا ؟ ، والإنسان لا بدّ له من عمل يذهب به إلى الله عزوجل ، والدنيا فانية ، قال تعالى :


[سورة آل عمران]

قال علي كرم اللّه وجهه لكميل بن زياد : يا كميل القلوب أوعية فخيرها أوعاها ، احفظ ما أقول لك ، الناس ثلاثة : عالم رباني ، ومتعلم على سبيل نجاة ، وهمج رعاع ، أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح ، العلم خير من المال ، العلم يحرسك ، وأنت تحرس المال ، العلم يزكو على العمل ، المال تنقصه النفقة ، ومحبة العلم دين يدان بها ، مكسب العالم الطاعة في حياته ، وجميل الأحدوثة بعـد موته ، وضيعـة المـال تزول بزواله ، مات خزان الأموال وهم أحياء ، والعلماء باقون ما بقي الدهر ، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة ، ههنا - وأشار لصدره - علماً لو أصبت له حمله *

(كنز العمال)

وفي ذات ليلة ، أوى إياسٌ إلى فراشه ، وقال لأهله : أتدرون أيَّةُ ليلة هذه ؟ قالوا : كلا ، قال : في هذه الليلة استكمل أبي عمرَه ، كلُّ واحد منا له عمر محدود ، الله أعلم به ، فقد كنا من حوالي شهر في دعوة خارج دمشق ، والداعي بيته صغير لا يتَّسع للضيوف ، له زميل عنده مزرعة جميلة ، أخذنا إلى هذه المزرعة ، هذا كان موظَّفا كبيرا في الزراعة ، استقال وأخذ هذه المزرعة ، وأنشأ فيها جنات معروشات ، ودواجن ، شيء جميل ، واللهِ كأنه الآن أمامي ، يتمتَّع بصحة ، وهنا الهواء نقيٌّ ، و أنا أعمل رياضة كل يوم ، وهنا صفاء ، وراحة نفسية ، شعرنا أننا نعيش في جنة ، وهو غير متقدِّم في السن ، واللهِ البارحة بلغني أنه قد مات ، هذه الدنيا ، يبني الإنسانُ دنياه لبِنةً لبنةً ، أخـذ بيتا صغيرا فكبَّره ، وزيَّنه ، وأفرشه ، و اشترى بيتا لابنه ، واشترى محلا ، وتمكَّن أن يأخذ بيتا في المصيف ، اشترى سيارة ، وهو يبني يأتيه ملَكُ الموت، لقد ترَك كلَّ شيء وراءه في الدنيا ، والمغادرة صعبة أيها الإخوة ، هذه الساعة واللهِ الذي لا إله إلا هو ما رأيتُ إنسانا عاقلا إلا جعل هذه الساعة نصبَ عينيه ، قال تعالى :


[سورة الحجر]

القرش الواحد نُحاَسب عليه ، اسمع الآية الكريمة ، قال تعالى :


[سورة الزلزلة]

كنَّسْ الغرفة في الشتاء ، والشمس داخلة إليها ، تجد زغبات عالقة في الهواء ، هذه هي الذرة ، لشدَّة انعدام وزنها ، وهي لا وزن لها ، فتعلق في الهواء ، قال تعالى :


[سورة الزلزلة]

أحدُ أثرياء البلاد توفاه الله ، وأولادُه خافوا أن يقضي الليلة الأولى في القبر وحده بشكل مخيف ، عرضوا على إنسان فقير جدا معدم أن ينام معه ليلة في القبر ، ويعطونه مبلغا ضخما ، هي قصة رمزية طبعا ، جاء منكر ونكير ، ووجدا اثنين في القبر ، غريبة ، واحد حرَّك رجله من خوفه ، قالا : هذا حيٌّ ، و ليس بميت ، تعالوا نبدأ به ، أجلسُوه ، وقد لبِسَ كيسَ خيشٍ ، وربطه بحبل ، من أين أتيت بهذا الحبل ؟ قال : من البستان ، وكيف دخلت البستان من دون إذن؟ فضربوه ، فثاني يوم خرج يصيح ، و قال : الله يعين أباكم ، حبل من أين أخذته ، وكيف دخلت إلى البستان ؟ طبعا السؤال أدقُّ من ذلك ، قال تعالى :




[سورة الحجر]

في هذه الليلة استكمل أبي عمرَه ، فلما أصبح وجدوه ميِّتا ، لهذا النبيُّ الكريم كان يقول ، كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَنْفُضْ فِرَاشَهُ بِدَاخِلَةِ إِزَارِهِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ يَقُولُ بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ *

[رواه البخاري]
الإنسان إذا نام هناك احتمال أن يستيقظ ، واحتمال ألاّ يستيقظ ، فإذا استيقظ يحفظه الله ، وإذا لم يستيقظ يرحمه اللهُ .

أيها الإخوة فيما مضى كان يُظن أن الإنسان كان يتمتع بقدرات عقلية محدودة لا تزيد ، وكل إنسان له بمستوى معيَّن ، هذه النظرة بالية ، وغير صحيحة ، حلَّتْ محلَّها نظرية أخرى ؛ هي أن الإنسان فيه قدرات ، إما أنها فُجِّرت ، وإما أنها لم تُفجَّر بعد ، والدليل أن كبار المخترعين مثل " أديسون " كان ضعيفا في مادة الفيزياء حينما كان طالبا ، و" إنشتاين" الذي اخترع نظرية النسبية، وهي أخطر نظرية في الفيزياء ، أيضا كانت علاماته متدنِّية في التعليم الثانوي في الفيزياء والرياضيات ، هذه الحقيقة ، أن الإنسان فيه طاقات إما أن تُفجَّر ، وإما أنها لم تُفجَّر ، أنا إيماني أن الإيمان يفجَّر الطاقات ، قد يكون الشخصُ عاديا محدودًا جدا ، لكن حينما يتعرَّف على الله عزوجل تنفتح طاقاته ، فتجد إنسانا قبل أن يتعرَّف إلى الله محدودا ، ولكن بعد أن اهتدى إلى الله تألَّق ، وانطلق لسانُه ، وبدا وكأنه ذكيٌّ جدا ، فأنا أرى - و هذا يؤكِّده العلمُ - أن الطاقات التي أودعها الله في الإنسان غيرُ محدودة ، إما أن تُستغل في الحق فتنمو ، وإما أن تستغل في الباطل أيضا ، لكن المطلوب من الإنسان أن يسعى للكمال ، ويتفوَّق ، وكل إنسان مهما بدا لنفسه أنه محدود القدرات فهذه نظرة ليست في صالحه ، بل هي نظرة خاطئة ، وحينما يتعرّف الإنسان إلى الله تنفتح قدراتُه ، وتصبح لا سقف لها ، فبقدر صدقه يمدُّه الله بهذه الطاقات.

والنقطة الأخيرة في الموضوع ، أنا الذي أراه أن الله عزوجل حينما يعلم صدقَ الإنسان في فعل الخير يمدُّه بالطاقات اللازمة ، وإذا علم صدقه في الدعوة إلى الله يمدُّه بالطاقات اللازمة ، وإذا علم صدقه في نيل الشهادة العالية لتكون سلاحا في يد الحق يمدُّه بالطاقات العالية ، فالطاقة ليست مغلقة ، بل مفتوحة ، والإنسان كلما اقترب من الله عزوجل أصبح على مستوى رفيع من هذه القدرات العقلية .

و الحمد لله رب العالمين

***

ابو عمر المصرى
12-13-2007, 11:40 AM
سيد التابعين الحسن البصري










بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا لا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علَّمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقًّا ، وارزقنا اتِّباعه ، وأرنا الباطل باطلا ، وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة الكرام ؛ مع الدرس السابع من سير التابعين رضوان الله تعالى عليهم ، والتابعيّ في هذا الدرس هو سيدنا الحسن البصري ، وهو علَم من أعلام التابعين ، وفي قصَّته موعظة بليغة جدًّا .

أيها الإخوة الكرام ؛ يقول اللهُ عزوجل :


[سورة يوسف]

ويقول تعالى في موضع آخر :


[سورة هود]

أي إنَّ القصة لها دور في التربية والتعليم يفوق حدَّ التَّصوُّر ، لماذا ؟ لأن القصة حقيقة مع البرهان عليها ، فأنت حينما تتلقَّى الحقائق بشكل مجرَّد قد تقنعك ، ولكنها لا تهزُّك ، وثَمَّة فرقٌ بين إحداث القناعة ، وبين إحداث الموقف ، القصةُ تنطوي على حقيقة ، لكنها مجسَّدة في شخص مِن جلدتك وعلى شاكلتك ، يشعر بما تشعر ، و يتألَّم بما تتألَّم ، ويتحمَّل الضغوط نفسها ، وتغريه الشهوات نفسها ، ويقف هذا الموقف الكامل ، هذا من شأنه أن يحدث فيك موقفا ، وشتَّان بين القناعة وبين الموقف ، القناعة تستقرُّ في الدماغ ، ولكن الموقف يتغلغل إلى كيان الإنسان ، كم من طبيب مقتنع أشدَّ القناعة أنّ الدخان حرام ، أو أنّ الدخان مُؤْذٍ وضار ، ومع ذلك يدخِّن ، ولكن حينما يقف أمام غرفة العمليات ، ويرى بأمِّ عينه إنسانا شابًّا سويًّا قويًّا متينا ، في أوجِّ نجاحه وعطاءه ، مُصاب بسرطان في الرئة ، هذا المنظر يحدث في الطبيب موقفا ، فيدَع بسببه الدخان ، أما المقالات فتحدث له قناعة فحسب ، والقناعة شيء ، والموقف شيء آخر ، فإذا قنعت فربَّما كان تصرُّفُك بعيدا عن قناعتك ، لكنك إذا تأثَّرت هذا التأثُّر يحدث موقفا ، وهذا التأثر يتغلغل في كيانك كله حتى يسهم في إحداث موقف ، لذلك نحن نتمنى المواقف لا القناعات، والقناعات متوافرة ، فما من مسلم إلا وهو قناعة أن دينه حق ، وأن الجنة حق ، وأن النار حق ، لكن لماذا المعصية ؟ ولماذا الانحراف ؟ ولماذا التقصير ؟ لأن القناعات متوفرة ، لكن التأثير ضعيف ، لذلك أردتُ أن يكون هذا الدرسُ درس قصة إسلامية حتى تروا إنسانا يشترك معك في كل شيء ، وتشترك معه في كل شيء ، ومع ذلك كان في أعلى علِّيِّين .

أيها الإخوة ؛ البشير هو الذي يبشِّر ، جاء البشيرُ يبشِّر زوج النبي أمِّ سلمة رضي الله عنها بأن مولاتها خيرة قد وضعت حملها ، وولدت غلاما ، فغمرت الفرحةُ فؤادَ أم المؤمنين رضوان الله عليها ، وطفحَت البشرى على محيَّاها النبيل الوقور ، جارية عند أم سلمة اسمُها خيرة ، أم سلمة زوج النبي عليه الصلاة و السلام ، ولها خصائص وميزات تنفرد بها ، وبادرت فأرسلت رسولا ليحمل إليها الوالدة ومولودها ، لتقضيَ فترة النفاس في بيتها ، في بيت أم سلمة ، فسيدنا الحسن البصري هو هذا الغلام ، أين نشأ ؟ في بيت إحدى زوجات النبي عليه الصلاة و السلام ، فقد كانت خيرة أثيرة عند أم سلمة حبيبةً إلى قلبها ، ولسنا في معرض الدخول في موضوع العبيد والجواري ، فقد ولَّى الزمنُ الذي كان فيه العبيد و الجواري ، ولكن من أجل أن تعلَموا أن زيد بن ثابت حينما وصل إليه أهله ، وكان عند النبي وخيَّره النبيُّ بين أن يذهب مع أهله وبين أن يبقى عنده ، فاختار النبيَّ عليه الصلاة والسلام ، ولكم أن تفهموا من هذه القصة كلَّ شيء ، لماذا اختار زيدُ بن ثابت أن يبقى عند النبي ؟ لشدَّة الرحمة والعطف الذي وجدهما في بيت النبي، و على كلٍّ فهذه الجارية المولاة لأم سلمة لا تقلُّ عن ابنتها حبًّا وعطفا ورحمة ، فلما ولدت غلاما دعت الأمَّ ومولودها لتقبع في بيت أم سلمة ، وكان بها لهفة وتشوَّقٌ لرؤية وليدها البكر .

أيها الإخوة ؛ النظام الإسلامي أو المنهج الربَّاني يجعل حياة المؤمن كلَّها سعادة ، فحينما يتزوَّج يسعد بزوجته ، وبعد حين يسعد بأولاده ، وبعد حين آخر يسعد بأولاد أولاده ، وكلُّ طور من أطوار المؤمن فيه نوع من السعادة ينفرد بها هذا الطَّورُ ، لكن حياة الانحراف ما دامت هذه الفتاة شابَّةً نضرة لها من يطلبها ، فإذا سلكت طريقَ الحرام ، وزوى جمالُها ، وكبرت سنُّها أُلقيت في الطريق كما تُلقى الفأرة الميَّتة ، وازِن الآن بين فتاة تزوَّجت ، وأنجبت ، وأصبحت أمًّا، ثم أصبحت جدَّةً ، وازنْ بين مكانتها الرفيعة ، الجدة لها مكانة كبرى في أيِّ أسرة ، وازنْ بين مكانتها كامرأة ذات خبرة وعلم ومكانة ، وبين امرأة ملقاةٍ في قارعة الطريق ، لأنها سلكت في أيام شبابها طريق الحرام ، فلما زوى جمالُها أُلقيت في الطريق ، ولذلك أنا أعرف أنّ ما مِن امرأةٍ منحرفةٍ ترى فتاةً تحمل وليدها إلا وتذوب كما تذوب الشَّمعةُ ، تمنِّيًا أن يكون مثلها ، فتطبيقُ منهج الله عزوجل يمنح الإنسانَ سعادة ما بعادها سعادة ، والعوام يقولون كلمة : "ما فيه أغلى من الولد إلا ولد الولد " ، الشباب يسمعون هذه الكلمة ، ولكن لا يستوعبونها ، أما إذا أنجبتَ أولادا ، وأنجب أولادك أولادا تعرف قيمة هذه الكلمة ، وحياة الإنسان كل سن له متعة ينفرد به ، و ما هو إلا قليل حتى جاءت خيرةُ تحمل طفلها على يديها ، فلما وقعت عينا أمِّ سلمة على الطفل امتلأت نفسُها أُنْسًا به وارتياحا له ، ثم إنك إذا تأمَّلت حكمة الله عزوجل ، فما حكمة الله أن هذا الطفل الصغير محبَّبٌ إلى القلوب يتميَّز بصفات نفسية نادرة ، الصفاء ، الذاتية ، العفوية ، وبالتعبير الشائع " السُّوَيعاتية " ، هذا الطفل لو أحزنته و لو أبكيته فبعد ثانية ينسى ويضحك ، ليس عنده حقد ، ولو أن كل طفل حقد على أمه وأبيه إذا أدَّبوه فالقضية كبيرة جدا ، ذاتية على صفاء ، على لطف ، على فطرة سليمة ، فالأولادُ يملؤون البيت بهجة وسرورا ، فإذا الإنسان رزقه اللهُ الأولادَ فهذه نعمة ، فلا يضجر ، لأنّ هناك من يضجر ، هذه نعمة كبرى خصَّك الله بها ، أنت عليك أن تعتنيَ بهؤلاء الأولاد كي يكونوا استمرارًا لك .

كان هذا الوليدُ الصغيرُ قسيمًا وسيمًا - أي جميلا حسن الوجه - بهيَّ الطلعة ، تامَّ الخِلقة ، يملأ عينَ الناظر إليه ، ويأسر فؤادَ رائيه ، ثم التفت إلى وملاتها ، و قالت :" أسمَّيتِ غلامك يا خيرة ؟ قالت : كلا يا أمَّاه ، لقد تركتُ ذلك لك لتختاري له من الأسماء ما تشائين ، فقالت نسمِّيه على بركة الله الحسن ، ثم رفعت يديها ، ودعت له بصالح الدعاء " ، والنبي علَّمنا أنّ على الإنسان أنْ يسمِّيَ قبل أن يقارب أهله ، فإذا جاءه مولودٌ يأتي هذا المولودٌ بعيدا عن نزغات الشيطان ، وهذا من السنة ، فمن والده ؟ الفرحة بهذا المولود لم تقتصر على بيت أم سلمة أم المؤمنين ، وإنما شاركها بيتٌ آخر من بيوت المدينة ، هو بيتُ الصحابي الجليل زيدِ بنِ ثابتٍ كاتبِ وحيِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ذلك أن يسارًا والدَ الصبي كان مولًى له أيضا ، فالوالد مولى لسيدنا زيد بن ثابت ، والوالدة كانت مولاة لسيدتنا أم سلمة زوج النبي عليها رضوان الله ، وكان من آثر الناس عنده ، وأحبِّهم إليه ، بصراحة أقول لإخواننا الذين عندهم محلاَّت تجارية : هذا الموظَّف ، أو بالتعبير القديم " الصانع" هذا أحد أولادك ، هكذا الإيمان ، أي باللطف والإحسان والمودَّة والعطف والمحبَّة ، هكذا الإسلام ، ليس هناك تفرقة ، أنا أقول لكم كلمة اعتبروها شطحةً : واللهِ إنْ لم تعاملْ مَن عندك كما تعامل ابنَك فلن ترقى عند الله ، فالقضية دقيقة جدا ، والإيمان مرتبة عالية فالإسلام كمال ، والإسلام عدالة ورحمة ، وخلُق ، و عطاء ، وليس أخذا ، يقولون كلمة بالتعبير الحديث " استراتيجية " أنا أقول : استراتيجية المؤمن مبنية على العطاء ، واستراتيجية الكافر على الأخذ ، حتى إنه قيل : انظُر ما الذي يسعدك ، أن تعطي أو أنْ تأخذ ، فإن كان الذي يسعدك أن تعطي فأنت من أهل الآخرة ، وإن كان الذي يسعدك أنْ تأخذ فأنت من أهل الدنيا ، هذه علامة .

درجَ الحسنُ بن يسار الذي عُرف فيما بعد بالحسن البصري في بيت من بيوت رسول اله صلى الله عليه و سلم ، ورُبِّيَ في حجر زوجةٍ من زوجات النبي ، هي هند بنت سٌهيل ، المعروفة بأم سلمة ، وأمُّ سلمة إنْ كنتَ لا تعلم أيها الأخ الكريم كانت من أكمل نساء العرب عقلا ، وأوفرهن فضلا ، وأشدهن حزما ، حزم على عقل ، على فضل ، وكانت من أوسع زوجات رسول الله صلى الله عليه سلم علما وأكثرهن رواية عنه ، إذْ روت عن النبيِّ صلى الله عليه و سلم ثلاثمائة وسبعة و ثمانين حديثا ، كانت راويةً لحديث عن رسول الله ، ولا يوجد أروع من العلم مع الخُلق ، فالذي يرفعك إلى أعلى عليِّين أن تكون أخلاقيا بقدر ما أنت عالم ، وأنت عالم بقدر ما أنت أخلاقي ، هذان الخطَّان إذا ارتقيتَ فيهما فأنت في أعلى عليِّين ، و كانت إلى ذلك كلِّه من النساء القليلات النادرات اللواتي يكتبن في الجاهلية ؛ وإنما امتدَّت إلى أبعدَ من ذلك ، فكثيرا ما كانت خيرة أمُّ الحسن تخرج من البيت لقضاء بعض حاجات أم المؤمنين ، فكان الطفلُ الرضيع يبكي من جوعه ، ويشتدُّ بكاؤه ، فتأخذه أمُّ سلمة إلى حجرها ، وتلقمه ثديها لتصبِّره ، وتعلِّله عن غياب أمه ، إذًا هذا التابعيُّ الجليل رضع من زوجة رسول الله ، فكأن النبيَّ أبوه من الرضاعة ، وكانت لشدَّة حبِّها إياه يدرُّ ثديُها لبنا سائغا في فمه فيرضعه الصبيُّ ، ويسكت عليه ، وبذلك غدت أمُّ سلمة أمًّا للحسن من جهتين ؛ فهي أمُّه بوصفه أحد المؤمنين ، لأنها أمُّ المؤمنين ، وهي أمُّه من الرضاعة أيضا ، ولقد أتاحت الصِّلاتُ الواشجة بين أمهات المؤمنين وقرب بيوت بعضهن ببعض بالغلام السعيد أن يتردَّد على هذه البيوت كلها ، وبالمناسبة و هذا من فضل الله علينا ، لقد شاء حكمةُ اللهِ عزوجل أن تولد في بلد إسلامي ، فيه مساجد ، وفيه مجالس علم ، وفيه أهل ، وفيه بقيّةُ حياء ، وبقية أخلاق ، وبقية انضباط ، نقول : بقية ، ولو أن الإنسان وُلد في " شيكاغو" الأمريكية مثلا ، أو في "نيس" الفرنسية ، ففي هذه المدن الفاسقة الفاجرة عصابات للخمور والزنا و اللواط ، واللهِ هذه نعمة كبرى ، أن الله عزوجل سمح لك أن تكون في بلد سلامي ، وسمح لك أن يسمعك الحقَّ ، هذه بشارة أيها الإخوة ، قال تعالى :


[سورة الأنفال]

أحيانا لا يعرف الإنسانُ قيمة هذه المجالس إلا إذا سافر ، فيشعر بوحشة و ضيق ، فلا يعرف قيمة هذه المجالس إلا مَن ابتعد عن بلاد المسلمين ، ومَن أقام في بلاد المشركين من دون ضرورة فقد برئت منه ذمَّة الله .

تردَّد الحسنُ البصري على بيوت رسول الله ، وتخلَّق بأخلاق ربَّاتها جميعا ، و اهتدى بهديهم ، وقد كان كما يحدِّث عن نفسه يملأ هذه البيوت بحركته الدائبة ، و يُترعها بلعبه النشيط، حتى إنه كان ينال سقوف بيوت أمهات المؤمنين بيديه ، وهو يقفز فيها قفزا ، فالذي عنده ابنٌ عفريت - بالتعبير الشائع - لا يتألَّم كثيرا ، ورد في بعض الأحاديث : كثرة العُرام في الصغر دليل حصافة العقل في الكبر" ، كان طفلا شيطانا ، و بتعبير العوام " جني شاقق الأرض " ، هذا قد يكون في مستقبله الكبير إنسانا عظيما ، حيويته شديدة جدا ، وطاقته مخزونة ، أحيانا هناك إنسان بليد سكوني " سلاتيك" ، وليس ديناميكيًا ، فكثرة العرام في الصغر دليل حصافة العقل في الكبر .

ظلَّ الحسن يتقلَّب في هذه الأجواء العبِقة بطيوب النبوة ، المتألَّقة بسناها ، نحن ما أتيح لنا أن نلتقيَ بنبيٍّ ، لكن أنا أتصوَّر أن الإنسان لو التقى بنبيٍّ فهذا شيء كبير وعظيم ، وكان أحدُ الصحابة اسمه ربيعة يخدم النبيَّ ، فلما يأتي وقتُ نوم النبيِّ يقول له : انصرف ، انتهى ، أين ينام هذا الصحابي ؟ على طرف باب بيت النبي ، من شدة تعلُّقه به ، فكمالُ الإنسان إذا كان في أَوَّجِّه لا يُصدَّق ، أنا أتصوَّر أن الصحابة الكرام أحبُّوا النبيَّ حبًّا فات حدَّ الخيال ، هل هناك امرأة تتحمَّل نبأَ موت زوجها ، ثم موت أخيها ، ثم موت أبيها ، زوج ، وأخ ، وابن ، وأب ، وراء بعضهم ؟ فعن سعد بن أبي وقاص قال : مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة من بني دينار، وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحد ، فلما نعوا لها، قالت : فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا : خيرا يا أم فلان ، هو بحمد الله كما تحبين ؛ قالت : أرونيه حتى أنظر إليه ؟ قال : فأشير لها إليه ، حتى إذا رأته قالت : كل مصيبة بعدك جلل ! تريد صغيرة *

[سيرة ابن هشام]

لا قيمة لها ، هكذا أحبَّ الصحابةُ رسولَ الله .

إخواننا الكرام الإسلام كلُّه حبٌّ ، فإذا كان القلبُ لا يخفق بالحبِّ فهو مثل وردة بلاستيك ، كبيرة وحمراء ، ولكنَّ النفس لا تهفو إليها ، أما الوردة الطبيعية فشيء جميل جدًّا ، فلا إيمان لمن لا محبَّة له ، وإذا لمْ تحب الله عزوجل فلن تدمع هذه العينُ أبدا ؟ تقرأ القرآن وكأنه كتاب عادي ، وتصلِّي وكأنك في حركات رياضية ، أين الحبُّ ، وأين المناجاة ؟ و أين أنت من قوله تعالى :


[سورة الأنفال]


[سورة السجدة]

أين هذه ؟ أين :


[سورة الذاريات]

أين هذه ؟

هذا التابعي الجليل تتلمذ على أيدي كبار الصحابة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، روى عن عثمانَ بن عفان ، وعلي بن أبي طالب ، وأبي موسى الأشعري ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عباس ، وأنس بن مالك ، وجابر بن عبد الله ، وغيرهم ، لكنه أُولِع أكثر ما أولع بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، والإنسان الذي لا قدوة له ما هذا الإنسان ؟ إنسان ليس له منهلٌ علمي ؟ إنسان ليس له مسجد يؤمُّه ، ليس له إخوان يستأنس بهم ، يعيش تائها شاردا ، على هامش الحياة .

إخواننا الكرام الجماعة رحمة ، والفرقة عذاب ، ولزوم الجماعة من فرائض الدين ، فعَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْيَعْمُرِيِّ قَالَ قَالَ لِي أَبُو الدَّرْدَاءِ أَيْنَ مَسْكَنُكَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : فِي قَرْيَةٍ دُونَ حِمْصَ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ فَلَا يُؤَذَّنُ وَلَا تُقَامُ فِيهِمْ الصَّلَوَاتُ إِلَّا اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ عَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ *

[رواه أحمد]
قال تعالى :


[سورة التوبة]

وقال تعالى :


[سورة الكهف]

راعه من هذا الصحابي الجليل صلابتُه في دينه - سيدنا علي - وإحسانه لعبادته ، وزهادته في زينة الدنيا ، وغلبه بيانُه المشرِق ، وحكمته البالغة ، وأقواله الجامعة ، وعظاته التي تهزُّ القلوبَ ، وتخلَّق في أخلاقه بالتقى والعبادة ، ونسج على منواله في البيان والفصاحة ، ولما بلغ الحسنُ أربعة عشر ربيعا من عمره ، ودخل في مداخل الرجال ، انتقل مع أبويه إلى البصرة ، واستقرَّ فيها مع أسرته ، ومِن هنا نُسِب الحسنُ إلى البصرة ، وعُرِف بين الناس بالحسن البصري، والبصرة كانت يومئذ قلعةً من أكبر قلاع العلم في عالَم المسلمين ، وكان مسجدُها العظيم يموج بمَن ارتحل إليها من كبار الصحابة ، وجلَّة التابعين ، وكانت حلقاتُ العلم على اختلاف ألوانها تعمر باحات المسجد ومُصَلاَّه ، والآن مع تخلُّف المسلمين صار المسجد للصلوات فقط ، وأحيانا تجد مسجدا طويلا عريضا ، يُصَلَّى الظهر فيه بنصف صف ، وفي الصبح بثمانية أشخاص ، ويكون ضمن أبنية ، وكل بناية اثنا عشر طابقا ، و كل طابق أربع شقق ، فلو أَمَّتْ بناية واحدة هذا المسجد لملأته عن آخرِه ، قال تعالى:


[سورة مريم]

إنّ الأبلغ من ذلك أنّ المسجد كان له دور خطير ، فكان المسجد موطِنًا للقضاء ، وموطنًا للعلم ، الآن أنا أتمنى أن يعود للمسجد دوره الخطير ، يخرِّج علماءَ ، و يخرِّج دعاةً ، ويخرِّج حفَّاظ القرآن الكريم ، وأنْ تُحلَّ المشكلات فيه ، ويكون له رسالة واسعة جدًّا .

لزم الحسنُ البصري المسجد ، وانقطع إلى حلقة عبد الله بن عباس حبر أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وأخذ عنه التفسير ، والحديث ، والقراءات ، كما أخذ عنه وعن غيره الفقهَ واللغةَ والأدب وغيرها ، حتى غدا عالما جامعا فقيها ثقةً ، فأقبل الناسُ عليه ينهلون من علمه الغزير .

أيضا إخواننا الكرام ، تعلَّموا قبل أن ترأسوا ، فإن ترأستم فلن تعلَّموا ، سمعتُ عن أحد العلماء الذين عاشوا في القرن الرابع عشر جلس يدرِّس العلم ، فأخطأ خطيئة واحدة ، أو غلطة واحدة ، فاعتكف سبع سنين في بيته ، غلطة واحدة ، تعلموا قبل أن ترأسوا ، لأنكم إن ترأستم فلن تعلَّموا ، واحد روى حديثا ضعيفا ، بأدب قال له : يا سيدي هذا حديث ضعيف ، قال : ما دمتُ قد قلتُه فهو صحيح ، ما هذا الكبر ؟ ما دمت قد قلته فهو صحيح ، وانتهى الأمرُ ، إنكم إن ترأستم فلن تعلَّموا ، تكبر نفسك كثيرا ، فإذا أراد الواحدُ أن يكون داعيةً إلى الله عزوجل فلْيَطلب العلم بشكل كثيف جدا ، حتى إذا أُتيح له أن يعلِّم يكون قد نضج ، ولا يوجد شيء يُزري بالإنسان كالجهل ، فالتفَّ الناسُ حول الحسن البصري يسيخون إلى مواعظه التي تستلين القلوبَ، وتستدرُّ الدموعَ ، ويَعُونَ حكمته التي تخلب الألباب ، ويتأسَّون بسيرته التي كانت أطيبَ مِن نَشر المسك ، وقد انتشر أمرُ الحسن البصري في البلاد ، وفشا ذكرُه بين العباد .



دقَّق أيها الأخ الكريم في قوله تعالى :




[سورة الشرح]

لا يوجد إنسان يطلب العلم بإخلاص إلا رفعه الله عزوجل ، أحيانا تجد أسماءً متألِّقة ، أسماء علماء متألِّقين جدا ، هذا كان دولاتيًّا ، وهذا كان لحَّامًا ، وهذا كان نجَّارا ، لا يخطر ببالك أن يُذكر العالِم مليون مرة أنه كان نجَّارا ، وصار أكبر بكثير من أن يكون نجَّارا ، صار عالما ، لأنّ رتبة العلم أعلى الرتب ، ولما يطلب الإنسانُ العلمَ بإخلاص يرفع اللهُ شأنَه ، قال تعالى :


[سورة الشرح]

إنّ كلَّ آية يختصُّ بها النبيُّ عليه الصلاة والسلام فللمؤمن منها نصيب ، انتشر أمرُ الحسن في البلاد ، وفشل ذكرُه بين العباد ، فجعل الخلفاءُ والأمراءُ يتساءلون عنه ، ويساقطون أخبارَه .


[سورة الشرح]

حدَّث خالد بن صفوان فقال : لقيتُ مَسلمةَ بنَ عبد الملك في الحيرة فقال لي : أخبرني يا خالدُ عن حسن البصرة ، فإني أظنُّ أنك تعرف من أمره ما لا يعرف سواك ؟ فقال : أصلح اللهُ الأمير ؛ أنا خيرُ مَن يخبِرُك عنه بعلم ، قال : أنا جارُه في بيته ، وجليسه في مجلسه ، و أعلم أهل البصرة به ، قال : هاتِ ما عندك - هل هناك ثروة أعظم من أن يكون لك أخبار طيِّبة بين الناس ، وسمعة عطرة ، هل هناك ما هو أعظم من أن يثنيَ عليك الناسُ في غيبتك ، أمّا في حضرتكف المديح لا قيمة له ، لأن هناك من يخافك ، وهناك من يطمع في عطائك ، فيكيل لك المديح جُزافا ، لكن البطولة أَنْ يمدحك الناسُ في غيبتك ، هذا هو المدح الحقيقي ، وأنت غائب ، مرة سمعتُ عن رجلٍ استلم وظيفة ، طبعا شديد وقوي ، بحضرته يحترمونه أشدَّ الاحترام ، فإذا غاب " أبو بريز " مثلا ، البطولة ما يُقال في غيبتك ، لا ما يقال في حضرتك ، في غيبتك ، أما في حضرتك فنفاق في نفاق ، قد يقول قائل كلاما ليس مقتنعا به ، وقد يقول قائل كلاما مبنيًّا على خوف ، أو على طمع ، قال : هاتِ ما عندك - الآن اسمعوا الوصفَ - قلتُ : إنه امرؤٌ - و اللهِ هذه الكلمات تُكتب بماء الذهب - قلتُ إنه امرؤٌ سريرته كعلانيته - لا توجد ازدواجية ، موقف معلَن ، وموقف حقيقي ، شيء يقال ، وشيء لا يقال ، شيء نفعله في العلن ، ونفعل عكسه في السرِّ ، هذه الازدواجية المقيتة ، وهذا النفاق الحسنُ البصري بريء منه - قال له : إنه امرؤ سريرته كعلانيته - واحدة - و قوله كفعله ، إذا أمر بمعروف كان أَعْمَلَ الناس به ، وإذا نهى عن منكر كان أَتْرَكَ الناس له ، ولقد رأيتُه مستغنيا عن الناس ، زاهدا بما في أيديهم ، ورأيت الناس محتاجين إليه ، طالبين ما عنده " فقال مسلمةُ : حسبُك يا خالد كيف يضلُّ قومٌ فيهم مثلُ هذا " ، احفظوها سريرته كعلانيته ، قولُه كفعله ، إذا أمر بمعروف كان أعملَ الناس به ، وإذا نهى عن منكر كان أتْركَ الناس له ، يستغني عن دنيا الناس ، ويحتاج الناس علمَه ، سأله واحد : بِمَ نِلتَ هذا المقام ؟ قال : باستغنائي عن دنيا الناس ، وحاجتهم إلى علمي "، فكيف إذا كان العكسُ ؟ الناسُ مستغنون عن علمه ، وهو محتاج إليهم ، واللهِ هذا شأنُ بعضِ مَن لم يُوفَّق في دعوته إلى الله عزوجل ، الناسُ مستغنون عن علمه ، وهو في أشدِّ الحاجة إلى أموالهم ، وإلى قوتهم .

ولما وليَ الحجَّاجُ بن يوسف الثقفي العراقَ ، وطغى في ولايته وتجبَّر ، كان الحسنُ البصري أحدَ الرجال القلائل الذين تصدَّوا لطغيانه ، وجهروا بين الناس بسوء أفعاله ، وصدعوا بكلمة الحق في وجهه ، فعَلِمَ الحجَّاجُ أن الحسن البصري يتهجَّم عليه في مجلس عام ، فماذا فعل؟ دخل الحجَّاجُ إلى مجلسه ، وهو يتميَّز من الغيظ ، وقال لجلاَّسه : تبًّا لكم ، سُحقا ، يقوم عبدٌ من عبيد أهل البصرة ، و يقول فينا ما شاء أن يقول ، ثم لا يجد فيكم من يردُّه ، أو ينكر عليه ، واللهٍ لأسقينَّكم من دمه يا معشر الجبناء ، ثم أمر بالسيف والنطع - إذا كان يُريد قطعَ رأس إنسان بمكان فيه أثاث فاخر حتى لا يلوِّث الدمُ الأثاثَ يأتون بالنطع ، والنطع قطعة قماش كبيرة ، أو قطعة جلد ، إذا قُطع رأسُ من يُقطع رأسُه ، لا يلوِّث الدمُ الأثاث ، ثم أمر بالسيف والنطع فأُحضِر ، ودعا بالجلاد فمَثُل واقفا بين يديه ، ثم وجَّه إلى الحسن بعضَ جنده ، وأمرهم أن يأتوا به ، ويقطعوا رأسه ، وانتهى الأمرُ ، وما هو إلا قليل حتى جاء الحسنُ ، فشخصتْ نحوه الأبصارُ ، ووجفت عليه القلوبُ ، فلما رأى الحسنُ السيفَ والنطع والجلادَ حرَّك شفتيه ، ثم أقبل على الحجاج ، وعليه جلالُ المؤمن ، وعزة المسلم ، ووقارُ الداعية إلى الله ، فلما رآه الحجاجُ على حاله هذه هابه أشدَّ الهيبة ، وقال له : ها هنا يا أبا سعيد ، تعالَ اجلس هنا ، فما زال يوسع له و يقول : ها هنا ، والناس لا يصدَّقون ما يرون ، طبعا طُلب ليقتل ، والنطع جاهز، والسيَّاف جاهز ، وكلُّ شيء جاهز لقطع رأسه ، فكيف يستقبله الحجَّاج ، ويقول له : تعال إلى هنا يا أبا سعيد ، حتى أجلسَه على فراشه ، ووضَعَه جنبه ، ولما أخذ الحسنُ مجلسه التفت إليه الحجَّاجُ ، وجعل يسأله عن بعض أمور الدين ، والحسنُ يجيبه عن كلِّ مسألة بجنان ثابت ، وبيان ساحر ، وعلم واسع ، فقال له الحجاج : أنت سيدُ العلماء يا أبا سعيد ، ثم دعا بغالية - نوع من أنواع الطيب - وطيَّب له بها لحيته ، وودَّعه ، ولما خرج الحسنُ من عنده تبعه حاجبُ الحجاج ، وقال له : يا أبا سعيد ، لقد دعاك الحجاجُ لغير ما فعل بك ، دعاك ليقتلك ، والذي حدث أنه أكرمك ، وإني رأيتك عندما أقبلت ، ورأيتَ السيفَ والنطعَ قد حرَّكتَ شفتيك ، فماذا قلت ؟ فقال الحسن : لقد قلت : يا وليَ نعمتي ، وملاذي عند كربتي ، اجعل نقمته بردا و سلاما عليَّ ، كما جعلت النارَ بردا وسلاما على إبراهيم ، قال تعالى :


[سورة النمل]

لقد علَّمنا اللهُ في القرآن شيئًا أصعب من قطع الرأس ؛ أنْ يكون الإنسان في بطن حوت ، وفي الليل ، وفي البحر ، قال تعالى :


[سورة الأنبياء]

إخواننا الكرام ؛ مَن هاب اللهَ هابه كلُّ شيء ، ومَن لم يهب اللهَ أهابه اللهُ مِن كل شيء ، حتى يصبح خائفًا من ظله .

مِن هذه المواقف البطولية أنه بعد أن انتقل الخليفةُ الزاهد عمر بن عبد العزيز إلى جوار ربِّه، وآلت الخلافةُ إلى يزيد بن عبد الملك ، ولَّى على العراق عمر بن هبيرة الفزاري ، ثم زاده بسطةً في السلطان ،فأضاف إليه خراسان أيضا ، وسار يزيد سيرةً غير سيرة سلفه العظيم ، يزيد لم يكن على سيرة عمر بن عبد العزيز ، فكان يرسل إلى عمر بن هبيرة بكتاب تلوَ الكتاب يأمره بإنفاذ ما فيه ، ولو كان مجافيا للحقِّ ، أحيانا يزيد يرسل كتبا وأوامرَ وتوجيهات لواليه على البصرة و خراسان ، هذه الأوامر مجافيةٌ للحق ، أي فيها ظلم ، فدعا عمرُ بن هبيرة كلاًّ من الحسن البصري وعامر بن شرحبيل ، المعروف بالشعبي ، وقال لهما : إن أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك قد استخلفه اللهُ على عباده ، وأوجب طاعته على الناس ، وقد ولَّاني ما ترون من أمر العراق ، ثم زادني فولاَّني فارسا ، وهو يرسل إليَّ أحيانا كتبا يأمرني فيها بإنفاذ ما لا أطمئن إلى عدالته ، فهل تجدان لي في متابعتي إياه ، وإنفاذ أمره مخرجا في الدين ؟ أي هل هناك فتوى ؟ فأجاب الشعبي جوابا فيه ملاطفة للخليفة ، ومسايرة لل- يا ابن هبيرة خفِ اللهَ في يزيد ، ولا تخف يزيدَ في الله ، واعلم أنّ الله جلَّ وعزَّ يمنعك من يزيَد ، وأنّ يزيدَ لا يمنعك من الله ، يا ابن هبيرة إنه يوشك أن ينزل بك ملكُ غليظ شديد ، لا يعصي اللهَ ما أمره ، فيزيلُك عن سريرك ، وينقلك من سَعة قصرك إلى ضيق قبرك ، حيث لا تجد هناك يزيد ، وإنما تجد عملك الذي خالفتَ فيه ربَّ يزيد ، يا ابن هبيرة إنك إن تكُنْ مع الله تعالى في طاعته يكفِك ضائقةَ يزيد في الدنيا والآخرة ، وإنْ تكُن مع يزيد في معصية الله تعالى فإنّ الله يكِلُك إلى يزيد ، واعلم يا ابن هبيرة أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق والي ، والحسن ساكت ، فالتفت عمرُ بن هبيرة إلى الحسن ، وقال : وما تقول أنت يا أبا سعيد ؟ فقال : يا ابن هبيرة - واللهِ هذا كلام يُكتب بماء الذهب اسمعوا " فبكى ابن هبيرة حتى بلَّت دموعُه لحيته ، ومال عن الشعبي - تركه - إلى الحسن ، وبالغ في إعظامه و إكرامه ، فلما خرجا من عنده - الشعبي والحسن - توجَّها إلى المسجد ، فاجتمع الناسُ عليهما ، وجعلوا يسألونهما عن خبرَيْهِما مع أمير العراقين - مثل الآن العراق وإيران ، والي العراق وإيران ، هذا ملِك - فالتفت الشعبي إليهم وقال : - كذلك الشعبي منصِف - أيها الناسُ من استطاع منكم أن يؤثر اللهَ عزوجل على خلقه في كل مقام فليفعل ، فوالذي نفسي بيده ما قال الحسنُ لعمر بن هبيرة قولا أجهله - الذي تحدَّث به أعرفه أنا - و لكنني أردتُ فيما قلت وجهَ ابن هبيرة ، وأراد فيما قاله وجهَ الله ، أنا سايرتُ ، ولكني أردتُ فيما قلته وجهَ ابن هبيرة ، وأراد فيما قاله وجهَ الله ، فأقصاني اللهُ من ابن هبيرة و أدناه منه و حبَّبه إليه " ، فمَن أرضى الناسَ بسخط الله سخِط عنه اللهُ ، وأسخطَ عنه الناسَ ، ومَن أرضى اللهَ بسخط الناس رضيَ عنه اللهُ ، وأرضى عنه الناسَ .

ومن أقوال الحسن :"إن مثل الدنيا والآخرة كمثل المشرق والمغرب ، متى ازدَدْتَ من أحدهما قربا ازدَدْتَ من الآخرة بعدا " ، وقال له أحدُهم : صِف لي هذه الدارَ - دار الدنيا - قال : ماذا أصف لك من دارٍ أولها عناء ، وآخرها فناء ، وفي حلالها حساب ، وفي حرامها عقاب ، مَن استغنى فيها فُتِن ، ومَن افتقر فيها حزن " ، وسأله آخر أيضا : ماذا فعلنا بأنفسنا ؟ قال : لقد أهزلنا ديننا ، وسمَّنا دنيانا ، وأخلقنا أخلاقنا ، وجدَّدنا فرشَنا وثيابنا ، يتَّكئُ أحدنا على شماله ، ويأكل من مالٍ غير ماله ، طعامه غصبٌ ، و خدمته سُخرة ، يدعو بحلوٍ بعد حامض ، وبحارٍّ بعد بارد ، وبرطبٍ بعد يابس ، حتى إذا أخذته القِظَّةُ تجشَّأ من البشم ، ثم قال : يا غلام هات هضوما - أي " كازوزا " - يهضم الطعام ، يا أُحَيْمق واللهِ لن تهضم إلا دينك ، أين جارُك المحتاج ؟ أين يتيمُ قومك الجائع ؟ أين مسكينُك الذي ينظر إليك ؟ أين ما وصَّاك به اللهُ عزوجل؟ ليتك تعلم أنك عددٌ ، وأنه كلما غابت عنك شمسٌ نقص شيءٌ من عددك ، ومضى بعضُه معك ".

في ليلة الجمعة من غُرَّة رجب سنة (110هـ ) لبَّى الحسنُ البصري نداءَ ربِّه ، فلما أصبح الناسُ ، وشاع الخبرُ فيهم ارتجَّت البصرةُ بموته رجًّا ، فغُسِّل وكُفِّن و صُلِّيَ عليه بعد الجمعة ، في الجامع الذي قضى في رحابِه حياتَه عالما ومعلِّما و داعيا إلى الله ، ثم تبِع الناسُ جميعا جنازته ، فلم تُقَمْ صلاةُ العصر في ذلك اليوم بجامع البصرة ، لأنه لم يبق فيها أحدٌ يقيم الصلاة ، ولا إنسان ، وقد قيل : ولا يعلم الناسُ أن الصلاة عُطِّلت في جامع البصرة منذ أن بُنِيَ إلى ذلك اليوم ، يوم انتقال الحسن البصري إلى جوارِ ربِّه .

هذا أحد التابعين ، فإذا سمعتم الحسنَ البصري فهذا هو الحسن البصري ، طبعا هذه بعضُ قصصه ، وله قصص أخرى .

و الحمد لله رب العالمين
***

ابو عمر المصرى
12-13-2007, 11:41 AM
محمد بن سيرين









بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ


أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس التاسع من سير التابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ، والتابعيّ الجليل اليوم هو محمد بن سيرين .

نقف وقفة متأنية عند من وصفه فقال : ما رأيت رجلاً أفقه في ورعه ولا أورع في فقهه من محمد بن سيرين .

معنى هذا القول أن هناك من الرجال من هو فقيه ، لكنه ليس ورعاً ، ومَن هو ورع ، لكنه ليس فقيهًا ، فأنْ تجمع بين الفقه والورع هذه صفة جليلة في الإنسان .

أيها الإخوة ، التطرف سهل ، لكن أن تجمع بين النقيضين فهذا يحتاج إلى بطولة ، مثلاً أن تكون ليناً فالقضية سهلة ، أنْ تكون قاسيًا أسهل ، لكن أن تجمع بين القساوة واللين ، هنا البطولة ، أن تكون مرهوباً فقضية سهلة ، أن تكون مرغوباً أسهل ، أمّا أن تكون مرهوباً مرغوباً .. فهذا مِنَ البطولة بمكانٍ .

لذلك المربون دائماً لو أنهم تطرفوا إلى إحدى الصفتين لسقطوا ، فلا تكن ليناً فتعصر ، ولا قاسياً فتكسر .

إنّ الله عز وجل وصف الأنبياء بأنهم يعبدون الله رغباً ورهباً ، خوفاً وطمعاً . فكما قلت قبل قليل الحالة المتطرفة سهلة ، لكن أن تجمع بين اللين والقسوة ، وبين الرهبة والرغبة ، وأن يرجوك الإنسان ، وأن يخافك في وقت واحد .

أنْ تكون فقيهاً فقضية سهلة ، تحتاج إلى ذكاء ، وإلى مطالعة ، وإلى قراءة ، وإلى حفظ، لكن أن تجمع بين الفقه والورع ، أو أن تجمع بين الورع والفقه فهنا البطولة ، لذلك قالوا : الفضيلة وسط بين طرفين .

ترك الدنيا سهل ، وترك الآخرة سهل ، ولكنَّ البطولة أن تجمع بينهما ، " ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته ، ولا آخرته لدنياه ، حتى يصيب منهما جميعا ، فإن الدنيا بلاغ إلى الآخرة ، ولا تكونوا كلا على الناس *

[ذكره السيوطي في الجامع الصغير عن أنس]

أنْ توحِّد .. أيقنت أنه لا إله إلا الله ، ربما حمَلك التوحيد على أن تكون قاسياً مع الناس، وأنْ تغرق في الحُبِّ على حساب التوحيد فهذا منزلق أيضاً ، لكن أن تجمع بين التوحيد والحب.. فهذه بطولة الأبطال .

لا يوجد رجل على وجه الأرض أحبَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كالصِّدِّيق ، لكن حينما مات النبي عليه الصلاة والسلام ما حمله حبه له أن يخرج عن قواعد التوحيد ، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ فَأَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَرَجَ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُكَلِّمُ النَّاسَ فَقَالَ اجْلِسْ فَأَبَى فَقَالَ اجْلِسْ فَأَبَى فَتَشَهَّدَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَمَالَ إِلَيْهِ النَّاسُ وَتَرَكُوا عُمَرَ فَقَالَ أَمَّا بَعْدُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ إِلَى الشَّاكِرِينَ وَاللَّهِ لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهَا حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ فَمَا يُسْمَعُ بَشَرٌ إِلَّا يَتْلُوهَا*

[متفق عليه]

أحياناً يوَحِّد الإنسان مع قسوة ، أخي أنا رزقي على الله ، ولستُ بحاجةٍ إليك ، أمَا سمِع بحديثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ لاَ يَشْكُرُ النَّاسَ لاَ يَشْكُرُ اللَّهَ*

[رواه الترمذي]

أحياناً التوحيد يحمل الإنسان على مواقف فظّة ، غليظة ، وأحياناً الحبّ الشديد يحمل الإنسان على الشرك ، تحبُّه حتى تعبده من دون الله ، فالبطولة أن تجمع بين التوحيد والحبّ ، بين الدنيا والآخرة ، بين الرجاء والخوف ، بين الرهبة والرغبة ، بين أن تكون ورعاً ، وبين أن تكون فقيهاً .

هناك أشخاص عندهم ورع ، كل شيء عندهم حرام ، كلما سئل أحدُهم قال هذا حرام ، حرام ، حرام ، حتى عطل بذلك الحياة ، ليس هذا هو الفقه ، أنْ تدرأ المسؤولية بالتحريم ، هذا ليس فقهاً ، يجب أنْ تعطي الفتوى التي أنت منها واثق مع الدليل ، أنْ تعطي الرخصة ، إذا كان هناك رخصة ، فالفقهاء الكبار يفتون لأنفسهم بالعزائم ، وللمسلمين بالرخص رحمةً بهم ، خذ نفسك بالعزيمة ، هذا فضيلة فيك ، أما أنْ تحمل الناس على العزائم ، وأن ترهقهم ، وأن تهلكم ، فليس هذا هو الورع .

إذاً أيها الإخوة ـ أعجبتني كلمة الذي وصف هذا التابعي الجليل : ما رأيت رجلاً أفقه في ورعه ، ولا أورع في فقهه .. ورع مع فقه ، فقيه مع ورع ، ولا تنسوا أن " ركعتين من ورع ، خير من ألف ركعة من مخلط *

[الجامع الصغير عن أنس]

عزم سيرين ـ الحديث عن محمد بن سيرين ، فإذا قلنا : عزم سيرين ، فهو أبوه ـ عزم سيرين على أن يستكمل شطر دينه بعد أن حرّر أنسُ ابنُ مالكٍ رضي الله عنه رقبَتَه .

إذاً والد محمد بن سيرين كان مملوكاً لسيدنا أنس بن مالك ، وبعد أن غَدَتْ حرفته تدرُّ عليه الربح الوفير ، والخير الكثير ، فقد كان نحّاساً ماهراً ، يتقن صناعة القدور .

سيدنا عمر يقول : إني أرى الرجل لا عمل له فيسقط من عيني ، وقيمة كل امرئ ما يحسنه.

أنا لا أنسى هذه القصة التي رواها أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُهُ فَقَالَ أَمَا فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ قَالَ بَلَى حِلْسٌ - بساط - نَلْبَسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ وَقَعْبٌ - إناء - نَشْرَبُ فِيهِ مِنْ الْمَاءِ قَالَ ائْتِنِي بِهِمَا قَالَ فَأَتَاهُ بِهِمَا فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ وَقَالَ مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ قَالَ رَجُلٌ أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ قَالَ مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا قَالَ رَجُلٌ أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ - المزايدة واردة - فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ وَأَعْطَاهُمَا الْأَنْصَارِيَّ وَقَالَ اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ وَاشْتَرِ بِالْآخَرِ قَدُومًا فَأْتِنِي بِهِ فَأَتَاهُ بِهِ فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُودًا بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ وَبِعْ وَلَا أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْبًا وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ نُكْتَةً فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِثَلَاثَةٍ لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ أَوْ لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ *

[رواه أبو داود]

فكل إنسان له حرفة ، تجارة ، صناعة ، فهذا شرف ، والإنسان يكتسب شرفه مِن عمله ، ومِن حرفته ، ومِن صنعته ، وكان أصحاب رسول الله رهباناً في الليل ، فرساناً في النهار .

أنا واللهِ أعجب لهذا المؤمن المتفوق في عمله ، المتقن لعمله ، الذي يكسب قوت يومه ، ويده عليا ، وهو في الصف الأول في مجالس العلم ، وهو في مقدمة المؤمنين ، والعار أنْ ترتكب العار ، والعار ألاّ تعمل ، فالعمل مقدس .

وسيدنا عمر يقول لأحد الولاة : إن هذه الأيدي خُلقت لتعمل ، فإن لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً ، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية .

إنّ العمل عبادة ، وهذا يضطرني مرةً بعد مرة إلى أن أقول لكم : إن حرفة الإنسان إذا كانت في الأصل مشروعة ، وتعامل معها الرجلُ بطريقة مشروعة ـ بلا كذب ، ولا غش ، ولا تدليس ، ولا احتيال ، ولا استغلال ، ولا إيهام إلى آخره ـ إذا كانت مشروعة ومارسَتها بطريقة مشروعة ، وابتغيتَ بها كفايَةَ نفسك وأهلك ، وابتغيت بها كفاية نفسك وأهلك ، وابتغيت بها خدمة المسلمين ، ولم تشغلك عن فريضة ولا عن طلب علم ، انقلبتْ هذه الفريضةُ إلى عبادة .

فأنت في دكانك ، أو في مكتبك ، أو في حقلك ، أو في وظيفتك ، أو في عيادتك أنت من عباد الله عز وجل .

ومرةً بعد مرة أقول لكم : النبي رأى رجلاً يصلي في المسجد في غير أوقات الصلاة ، قال : من يطعمك ؟ قال : أخي ، قال : أخوك أعبد منك.

والصحابة الكرام أثنوا على رجل ثناءً طيباً ، قال عليه الصلاة والسلام : من يطعمه ؟ قالوا : كلنا يطعمه ، قال : كلكم أفضل منه .

اليد العليا ..

والمسلمون لا يتقدمون إلا بالعمل المخلص الجاد .

بصراحة أقول لكم : لا أحد يحترمك ، ولا يحترم دينك إلا إذا كنت متفوقاً في عملك .

ويمكن أن تكون أكبر داعية في عملك ، وأنت ساكت ، من خلال إتقانك للعمل ، وإحسانك في المعاملة ، والصدق والأمانة .

طيب أكبر دولـة إسلامية الآن ما هي ؟ إندونيسيا ، بها مائة وخمسون مليون مسلم ، هذه أكبر دولة إسلامية في العالم ، إنما دخلها الإسلام عن طريق التعامل التجاري ، لا عن طريق الجهاد ، ولا عن طريق السيف ، وهذا مصداق ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام ، كما في حديث أَبِي سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ *

[ رواه الترمذي]

لا لأنه ربح المال الوفير ، واستمتع به ، بل لأنه أعطى نموذجاً كاملاً للمسلم .

رجل يبيع البيض ، جاءه زبون ، فقال له : عندك بيض ، قال له : نعم ، قال له : طازج، قال : لا والله ، ليس طازجًا ، الطازجُ عند جاري ، هذا المسلم لا يكذب أبداً ، والله يرزقه .

فعزم سيرين على أن يستكمل شطر دينه بعد أن حرَّر أنسُ ابنُ مالك رضي الله عنه رقبَتَه، وبعد أن غدَتْ حرفتُه تدُرُّ عليه الربحَ الوفير ، والخير الكثير ، فقد كان نحّاساً ماهراً ، يتقن صناعة القدور .

لو لبس الإنسانُ لباساً متبذلاً في أثناء العمل (بذلة العمل) ، ولو كان عمله مع الزيوت والشحوم ، ومع الوحول ، فهذا عمل نظيف ، قال لي رجل مرةً يعمل عملاً أساسه إيقاع الأذى بالآخرين ، ما رأيت مكتبًا أفخم من مكتبه ، قال لي بالحرف الواحد : أنا عملي قذر ، قال لي عملي ديرتي ورك ، قذر ، لحكمة بالغة في اليوم التالي ذهبت لأصلح مركبتي عند أخ كريم ، أيام شتاء ، والطريق وحل ، وهو يلبس ثياب العمل ، أزرق على أسود ، كله شحم وزيت ، واستلقى تحت المركبة وفكَّ الجهاز ، واللهِ ما شعرتُ إلا وهو يقوم بأنظف عمل ، في العين الظاهرة العمل فيه وحل وزيت وشحم ، ولكنّه يقوم بأنظف عمل ، لأنه عمل شريف، لقد قدّم خدمة ، وأخذ أجرها بشكل معتدل .

كلمة نظيف عميقة جداً ، لا تعني أن المكان نظيف ، تعني طريقة الكسب نظيفة .

أكثر أماكن اللهو فيها أناقة ما بعدها أناقة ، رخام على تزيينات ، على ... لكنها أماكن قذرة ، مبنية على تحطيم الإنسان ، وعلى إفساده ، والمرأة هناك سلعةٌ محتقرة ، أما محل متواضع في سوق شعبي ، بيع وشراء ، فهذا عمل شريف ونظيف ، فابحثْ عن النظافة في التعامل .

وقد وقع اختياره على مولاة لأمير المؤمنين أبي بكر الصديق رضي الله عنه تُدعى صفية لتكون زوجة له .

والده مملوك عند سيدنا أنس ابن مالك ، تزوج مولاة سيدنا الصديق اسمها صفية ، كانت صفية جارية في بواكير الشباب ، وضيئة الوجه ، ذكية الفؤاد ، كريمة الشمائل ، نبيلة الخصائل ، محبَّبة إلى كل من عرفها من نساء المدينة ، وكانت أشدَّ النساء حباً لها زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولا سيما السيدة عائشة .

تَقدَّم سيرين إلى أمير المؤمنين فخطب منه مولاته صفية ، فبادر الصديق رضي الله عنه إلى البحث عن دين الخاطب وخلقه ، كما يبادر الأب الشفيق للبحث عن حال خاطب ابنته .

بالمناسبة ، أنا الذي أراه أنه إذا كان لصحابي مولى ، فهذا المولى لا يختلف إطلاقاً عن الابن، بل أن يكون الإنسان مولى لمؤمن القصدُ من ذلك أن يرى الإسلام عملياً ، فهذا الذي أغلق عقله عن أن يفهم الإسلام ، ربما فهِمَه بالتعامل الإنساني ، هذا أصل أن يكون الإنسان مولى أو مولاة .

مضى يستقصي هذا الصحابي الجليل الصديق أحوال سيرين أشد الاستقصاء ، ويتتبع سيرته أدق التتبع ، وكان في طليعة من سألهم عنه أنس ابن مالك ، فقال له أنس : زوِّجها منه يا أمير المؤمنين ، ولا تخش عليها بأساً ، فما عرفته إلا صحيح الدين ، رضي الخُلُق موفور المروءة ، ولقد ارتبطت أسبابه بأسبابي منذ سباه خالد بن الوليد .

وافق الصديق على تزويج صفية من سيرين ، وعزم على أن يبرهما كما يبرّ الأب الشفيق ابنتـه الأثيرة ، فأقـام لإملاكهما حفلاً قلمـا ظفرت بمثله فتاة من فتيات المدينة ، وقد شهد إملاكها طائفة كبيرة من كبار الصحابة ، كان فيهم ثمانية عشر بدرياً .

فإذا كان الإنسان ميسور الحال ، وزوج ابنته ، أو زوج ابنه ، وأقام حفلاً كريماً فيه مديح لرسول الله ، وقدّم الطعام ، وقدّم الضيافة فهذه فرحة لا تُنسى ، أنا من أنصار أن يُعلن

الإنسان النكاح ، ومن سنة النبي عليه الصلاة والسلام إخفاء الخطبة ، وإعلان النكاح ، وأن يُقام عقدُ قران يُدعى له أقرباء الزوجين العروسين ، وتُقدم فيه الضيافة ، وتُلقى كلمات تُعرِّف الناس بربهم ، وبنبيهم ، هذا عمل طيب ، ولكن لا يكلف الله نفساً إلا وسعها .

أحياناً بعض الآباء يحب أن يوفِّر ، هي فرحة في العمر ، تبقى غصّة في قلب الفتاة طوال حياتها ، ويبقى عدم الاحتفال غصّة في قلب العروس طوال حياته ، يعني كلما قام يده عن رجله يقول : أهلك ما أقاموا لك حفلة كتاب ، طول عمره ، فيا أيها الأب ، ويا أيها الأخ أقيموا حفلة .

فقد شهد إملاكها طائفة كبيرة من كرام الصحابة ، فيهم ثمانية عشر بدرياً ودعا لها كاتب وحي رسول الله أبي بن كعب ، وأمّن على دعائه الحاضرون ، وطيَّبتها وزيَّنتها حين زُفت إلى زوجها ثلاثٌ من أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عليهم أجمعين ، والنكاح من سنة النبي عليه الصلاة والسلام .

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ أَحَدُهُمْ أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي *

[متفق عليه]

وكلكم يعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الْأَدَاءَ وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ *

[رواه الترمذي]

ما مِن شاب يغض بصره ، ويحفظ فرجه ، فهذا الإنسان حقٌّ على الله أنْ يعينه إذا طلب العفاف ، وهناك آلاف القصص التي تؤكد هذه الحقيقة .

ولد محمد بن سيرين لسنتين بقيتا من خلافة سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه ، ورُبِّيَ في بيت يتبوَّأ الورع والتقى من كل ركن من أركانه ، ولما أيفع الغلامُ الأريبُ اللبيبُ وجدَ مسجدَ رسول الله ..

إنّ رواد المساجد مبارَكون ، رواد المساجد وطلاب العلم تضَع الملائكة تضع أجنحتها لهم رضى بما يصنعون ، رواد المساجد مؤمنون وربِّ الكعبة ، قال تعالى:


[سورة التوبة الآية 18]

رواد المساجد هم المباركون ؛ لأنه خير البلاد مساجدها ، وشرها أسواقها ، فلا يضن الإنسان على نفسه بساعتين في الأسبوع أو ثلاث ساعات ..

الأسبوع كم ساعة ، أتعرفون ؟ مائة وثمان وستون ساعة ، فإذا خصّص الإنسان منها أربع ساعات لمعرفة الله ومعرفة الدار الآخرة ، وأربع ساعات مواصلات ، فهذه ثمان ساعات ، فلا مانع من أجل أن تعرف الله ، من أجل أن يرضى الله عنك ، من أجل أن يُبنى الإيمان لبنة لبنة .

لا يوجد إنسان عظيم إلا إذا ارتاد المساجد ، وجلس على ركبه ليطلب العلم ، لا يوجد إنسان متألق إلا وتتلمذ ، وأخذ العلم عن الرجال ، إنسان يتألق بالعلم ، ولا يرتداد المساجد هذا مستحيل .

هذا التابعي تلقى العلم عن كبار الصحابة والتابعين ، تلقى العلم عن زيد بن ثابت ، وأنس ابن مالك ، وعمران بن حصين ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن الزبير ، وأبي هريرة .

حدثني أحد إخواننا الكرام وكان له دعوة إلى الله ، عنده طالب تركي ، فوكّل بعض إخوانه بتعليمه ، تعلم وأخذ شهادة ، وعاد إلى بلده ، وبعد عدة سنوات طُرق باب الشيخ ، فإذا بمركبتين كبيرتين سياحيتين تُقِلاَّنِ مائة طالب علم ، كلهم تلامذة هذا الطالب الذي درس العلم على يد هذا العالم ، يقول هذا العالم وهو يبكي : يا رب أنا علمت واحداً ، وكان من آثار هذا الواحد كل هؤلاء .

فكان تلاميذ الشيخ يمزحون معه ، وهم قد علموه ، يسألونه حينما تذهب إلى تركيا إذا سُئلت : مَن شيخك ، من تقول ؟ فأغفل أسماءهم وذكر اسم شيخه الكبير ، قال : أنتم لا أحد يعرفكم ، أنا تلميذ فلان .

هي طرفة ، الإنسان يفخر بأستاذه ، فكيف بزيد بن ثابت ، وأنس ابن مالك ، وعمران بن حصين ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن الزبير ، وأبي هريرة ، هؤلاء أساتذة هذا التابعي الجليل ، الذين أقبل عليهم إقبال الظامئ على المورد العذب ، فنهل من علمهم بكتاب الله ، وفقههم بدين الله ، وروايتهم لحديث رسول الله ، فما أفعم عقله حكمة وعلماً ، وأترع نفسه صلاحاً وهداية ، ثم انتقلت الأسرةُ مع فتاها إلى البصرة واتّخذتْها لها موطناً .

أتلاحظون البصرة كيف جذبت لها طلاب العلم ، كانت البصرة يومئذ مدينة بكراً ، اختطَّها المسلمون في أواخر خلافة الفاروق عمر ، وكانت تمثل جُلَّ خصائص الأمة الإسلامية ، ومركزًا من مراكز التعليم والتوجيه للداخلين في دين الله ، وصورة للمجتمع الإسلامي الجاد الذي يعمل لدنياه ، كأنه يعيش أبداً ، ويعمل لآخرته كأنه يموت غداً .

الآن اسمعوا .. محمد بن سيرين سلك في حياته الجديدة في البصرة طريقين متوازيين ، فجعل شطراً من يومه للعلم والعبادة ، وشطراً آخر للكسب والتجارة .

أحياناً ألتقي بأخ في عمله ، في دكانه منتج ، ومساءً في المسجد ، واللِه شيء جميل أن تجمع بين الكسب الحلال ، واليد العليا ، وبين طلب العلم .

فهذا التابعي الجليل جعل شطراً من حياته من يومه للعلم والعبادة ، وشطراً آخر للكسب والتجارة ، فكان إذا انبلج الفجر ، وأشرقت الدنيا غدَا إلى المسجد يعلِّم ويتعلَّم ، حتى إذا ارتفع النهار مضى إلى السوق يبيع ويشتري ، فإذا جاء الليل صفَّ في محراب بيته ، وانحنى على أجزاء القرآن يبكي ، ويتلو كتاب الله في صلاته ، واللهِ شيء جميل .

من لم تكن له بداية محرقة ، لم تكن له نهاية مشرقة ، والبابُ مفتوح ، وربنا هو هو ، والعطاء مبذول لكل إنسان .

وكان يطوف في السوق في النهار للبيع والشراء ، ومع ذلك لا يفتأ يذكِّر الناس بالآخرة .

وأنت تاجر ، وأنت عامل ، وأنت صانع ،و أنت في عيادتك ذكِّر الناسَ بالله ، كن داعية في أثناء العمل ، هناك أشخاص ليس عندهم إمكانية .. تتداخل معه الأمور ، هذا الزبون انصحه، فيه خير ، سمته حسن ، دُلَّه على الله ، ادْعُه إلى المسجد ، أعطِه شريطًا ، لعل هذا الزبون يصير من كبار المؤمنين عن طريقك ، قمْ بتجارتين ، تجارة مع الله ، وتجارة مع البضاعة ، فإذا دعوت إلى الله تاجرت مع الله ، لقد سمَّاها الله تجارة ، قال تعالى :


[سورة الصف]

أحياناً يقول لي أخ : واللهِ فلانٌ قدَّر اللهُ هدايتَه على يدي ، هو كان زبونًا من زبائننا ، أقول له بشكل عفوي : هذه هي التجارة الحقيقية .

التجارة المادية جمعت الأموال ، وقد تنفقها ، وقد تتحول إلى غيرك ، لكن هذا الذي دلَلْته على الله من خلال التجارة أنت الآن تاجر حقاً ، حتى انتهى بك السعي إلى هداية هذا الإنسان.

كان يطرفهم ويرشدهم إلى ما يقربهم إلى الله ، ويفصل فيما يشجر بينهم من خلاف ، وكان يطرفهم بين الحين والحين بالملحة التي تمسح الهمِّ عن نفوسهم المكدودة ، من غير أن ينقص ذلك من هيبته ، ووقاره عندهم شيئاً.

فإذا مع الإنسان شيء من الدعابة ، لطيف ، مرح ، فهذا جاز وضروري ، وقد كان النبي يمزح ، فأحياناً المزاح اللطيف يجدد النشاط ، والمعلمون الذين يتخيّرون بعض الطرف اللطيفة الأديبة ، هؤلاء يجدِّدون نشاط طلابهم .

لا يكن الأب عبوسًا قمطريرًا ، فلا بد أنْ يمزح الأب مع أولاده مزاحاً لطيفاً ، فآنسهم وابتسم لهم ، كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل بيته بساماً ضحاكاً ، وكان يمزح ، ولا يمزح إلا حقاً ، وإنّ الدعابة من صفات المؤمنين .

كان الناسُ إذا رأوه في السوق ، وهم غارقون غافلون انتبهوا ، وذكروا الله عز وجل ، وهلَّلوا وكبروا .

بالمناسبة ، يقول عليه الصلاة والسلام :

" أولياء أمتي إذا رؤوا ذُكر الله بهم " .

وكان في سيرته العملية خير مرشد للناس ، فما عرض له أمران في تجارته إلا أخذ بأوثقهما في دينه ، ولو كانت فيها خسارة تصيب دنياه .

وإنْ كان فيها شبهة تركها ، فهو دائماً مع الحلال ، ترك شبهة الربا ، بيع بسعرين تركه ، بيع لأجل مع زيادة الثمن تركه ، فأيّ قضية فيها شبهة تركها ، واستوثق لدينه .

له مواقف غريبة ، ولكنها ليست غريبة .

لقد ادّعى رجل عليه كذباً أنّ له في ذمته درهمين ، فأبى أن يعطيه إياهما ، فقال له الرجل: أتحلف ، وهو يظن أنه لا يحلف من أجل درهمين ، فقال : نعم ، وحلف له ، فقال له الناس : يا أبا بكر أتحلف من أجل درهمين ، وأنت الذي تركت أمسِ أربعين ألف درهم في شيء رابك مما لا يرتاب منه غيرك ؟ فقال : نعم ، أحلف .

فما التعليل ؟ لأنه لو لم يحلف لأكَل هذا الإنسان الدرهمين حراماً من الإثم .

قال : نعم ، أحلف ، فإني لا أريد أن أطعمه حراماً ، وأنا أعلم أنه حرام .

أنت مؤمن ، ادّعى رجلٌ عليك زوراً وبهتاناً مبلغًا من المال ، فقلت : لكن ليس لك عندي شيء ، ولو تساهلتَ معه لأطعمته حرامًا ، وكنتَ أنت السبب ، لأنك أفسدته ، وفتنته في دينه.

إنّ المسلم دقيق ، العطاء عطاء ، الحق حق ، تريد مساعدة ، فهذه مساعدة ، أو صدقة فهي صدقة ، لكن ليس لك عندي شيء ، هذا موقف دقيق ، تتساهل أنا لا أحلف ، فتطعمه مالاً حرامًا ، وأنت السبب ، المؤمن أمره دقيق ، مضبوط ، عنده حسابات دقيقة ، ليس : وكان أمره فرطاً ، وأموره كلها مسيّبة .

أجمل ما في هذا التابعي الجليل أنّ مجلسه كان مجلس خير وبرٍّ وموعظة ، فإذا ذُكر عنده رجلٌ بسوء بادرَ فذَكَره بأحسن مما يعلم من أمره .

تعرفون القصة ، عندما كان النبي بغزوة ، فتفقَّد أحد الصحابة كان متخلفاً ، فغمز رجل ، قال : يا رسول الله شغله بستانه عن الجهاد معك ، فانبرى صحابي جليل ، وقال : لا والله يا رسول الله ، لقد تخلف عنك أناس ما نحن بأشد حباً لك منهم ، ولو علموا أنك تلقى عدوا ما تخلفوا عندها سُر النبي كثيراً ..

فإذا ذُكِر عندك رجلٌ بسوء ، وتعرف عنه خلاف ذلك فدافع عنه .

مرةً سمع رجلٌ يسبُّ الحجاجَ بعد وفاته ، فقال له : صه يا ابن أخي ، إنّ الحَجَّاج مضى إلى ربه .

الحجاج كان ظالماً ، لكن مضى إلى ربه .

انظروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، حينما أسلم عكرمة بن أبي جهل لم يكن إنسان أعدى من أبيه ، أبي جهل للإسلام ، فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما أسلم عكرمة قال لأصحابه : يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنا مهاجرا فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت *

(كنز العمال عن عبد الله بن الزبير)

فأمام هذا التابعي الجليل رجلٌ سبَّ الحَجَّاج ، فقال له : صه يا ابن أخي إنَّ الحجاج مضى إلى ربه ، وإنك حين تقدمُ على الله عز وجل ستجد أنّ أحقر ذنب ارتكبته في الدنيا أشدُّ على نفسك من أعظم ذنب اجترحه الحجاج " ، هذا من شأن الله عز وجل ، فدعك من هذا كلِّه .

طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِي*

[رواه الترمذي]

فلكل منكما يومئذ شأن يغنيه ، واعلم يا ابن أخي أن الله جل وعز سوف يقتص من الحجاج لمن ظلمهم ، كما سيقتص لحجاج ممن يظلمونه .

فإذا ظلم اقتصّ الله منه ، لكن إذا كنتَ أيضاً ظلمته فسوف يقتص الله منه ، فلا تشغلن نفسك بعد اليوم بسبِّ أحد .

ورد في الأثر القدسي : أنا ملك الملوك ، ومالك الملوك ، قلوب الملوك بيدي ، فإن أطاعني العبادُ حوَّلتُ قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة ، وإن هم عصوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالسخط والنقمة ، فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك ، وادعوا لهم بالصلاح ، فإن صلاحهم من صلاحكم .

والإمام مالك إمام دار الهجرة يقول : لو أن لي دعوة مستجابة لادخرتها لأولي الأمر لأن في صلاحهم صلاح الأمة .

عود نفسك على الدعاء لا على السباب .

لهذا التابعي الجليل مواقف مِن ولاة بني أمية ، مِن ذلك أن عمر بن هبيرة الفزاري رجل بني أمية الكبير ، وواليهم على العراقين بعث إليه يدعوه إلى زيارته ، فمضى إليه ومعه ابن أخيه ، فلما قدِم عليه رحّب به الوالي ، وأكرم وفادته ، ورفع مجلسه ، وسأله عن كثير من شؤون الدين والدنيا ، ثم قال له : كيف تركت أهل مصرك يا أبا بكر ؟ قال : تركتهم والظلم فيهم فاش ، وأنت عنهم لاه ، فغمزه ابن أخيه بمنكبه ، فالتفت إليه ، وقال : إنك لستَ الذي تُسأل عنهم ، وإنما أن الذي أسأل ، ومن أمانة العلم تبيينه ، وإنها لشهادة ، ومن يكتمها فإنه آثم قلبه .

يعني إذا سُئلت فأجب ، ولا تكتم الحقيقة .

لما انفض المجلس وَدَّعه عمر بن هبيرة بمثل ما استقبله به من حفاوة وإجلال ، وبعث إليه بكيس فيه ثلاثة آلاف دينار فلم يأخذها ، قال له ابن أخيه : ما يمنعك أن تقبل هبة الأمير ؟ قال : إنما أعطاني لخير ظنه بي ، فإن كنتُ من أهل الخير كما ظن ، فما ينبغي لي أن أقبل، وإن لم أكن كما ظن فأحرى بي ألاّ أستبيح قبول ذلك .

له مشكلة صعبة ، ولكن هكذا فعل .

اشترى مرةً زيتاً بأربعين ألفًا مؤجلة ، فلما فتح أحد زقاق الزيت وجد فيها فأراً ميتةً متفسخة ، فقال في نفسه : إن الزيت كله كان في المعصرة في مكان واحد ، وإن النجاسة ليست خاصة بهذا الزق دون سواه ، وإني إن رددته للبائع بالعيب فربما باعه للناس ، ثم أراقه كله ، فأصبح عليه دين أربعين ألف دينار .

إنها محاكمة دقيقة ..

وطالبه صاحب الزيت بما له ، فلم يستطع سداده ، رُفع أمره إلى الوالي فأمر بحبسه حتى يسدِّد ما عليه ، فلما صار في السجن ، وطال مكوثه فيه أشفق عليه السجّان لِمَا عَلِمَ من أمر دينه ، وما رأى من شدة ورعه وطول عبادته .

واللهِ إنّه لموقف صعب ، تشتري زيتًا نجسًا ، إن رددته باعه صاحبُه للناس.

مرةً قال لي رجل بائع كنت أتعامل معه : أخذنا ألف بيضة ، فإذا كلها فاسدون ، فبسرعة بعناهم بسوق الجمعة يوم الجمعة ، لقد قضى غرضه وحاجته .. ولم يعرف أين وضع ربَّه ، بل لم يقِم لربِّه وزنًا ، ولم يقدر له قدرًا ..

دخل السجن خوفاً من الله ، وخوفاً من أن يُحرق في النار يوم القيامة ، فصاحب السجن عرف قصته ، إنه رجل ورع جداً ، قال : أيها الشيخ إذا كان الليل فاذهب إلى أهلك وبت معهم ، فإذا أصبحت فَعُدْ إلي .

أنت إنسان عظيم ، دخلت هذا السجن من شدة ورعك ، واستمرْ على ذلك حتى يُطلق سراحك ، كل يوم نَمْ عند أهلك ، فقال : لا واللهِ ، لا أفعل ، قال : ولِمَ ، أنا أسمح لك ؟ قال : حتى لا أعينك على خيانة ولي الأمر ، أنت تخون ولي الأمر بهذا العرض ، فإذا قبلتُ هذا العرض أعنتُك على خيانة ولي الأمر .

لما احتضر أنس ابن مالك أوصى بأن يغسله محمد بن سيرين ، ويصلي عليه ، وكان ما يزال سجيناً ، فلما توفي جاء الناس إلى الوالي بوصية صاحب رسول الله وخادمه ، واستأذنوه أن يخلي سبيل محمد بن سيرين لإنفاذ الوصية ، فقال لهم محمد بن سيرين : لا أخرج حتى تستأذنوا صاحب الدين ، والإذن ليس من الوالي ، بل من صاحب الدين .

إذا أراد الرجلُ أن يحج بمال ، وعليه دين فلا يُقبل حجُّه إلا إذا استأذن صاحب الدين ، والذي عليه دين يحرم عليه أن يأكل لونين من الطعام ، ونوعين من الفاكهة .

رجل مدين لك بمبلغ من المال ، وأنت تأكل نوعين أو ثلاثة من الطعام ، وأربعة أنواع فواكه ، وخير إن شاء الله ، لا يوجد معنا الآن .. هذه قلة مروءة .

فأذن له الدائن ، عند ذلك خرج من سجنه ، فغسل أنساً ، وكفنه وصلى عليه ، ثم رجع إلى السجن كما هو ، ولم يذهب لرؤية أهله ؛ لأن الإجازة فقط لتغسيل الميت ، لأهله لم يذهب .

عمّر محمد بن سيرين حتى بلغ السابعة والسبعين ، فلما أتاه اليقين وجده خفيف الحمل من أعباء الدنيا ، كثير الزاد لما بعد الموت .

إخواننا الكرام ، من حاسب نفسه حساباً عسيراً في الدنيا ، كان حسابه يوم القيامة يسيراً ، ومن حاسب نفسه في الدنيا حساباً يسيراً ، كان حسابه يوم القيامة عسيراً .

هذه حالة نادرة جداً ، إنسان يدخل السجن وهو تابعي جليل ورعاً ، أما عندما مات فلم يوجد عليه شيء .

حدثت حفصة بنت راشد ، وكانت من العابدات ، قالت : كان مروان بن المحملي لنا جاراً، وكان ناصباً في العبادة ، مجتهداً في الطاعة ، فلما مات حزنّا عليه حزناً شديداً ، فرأيته في المنام ، قلت : يا أبا عبد الله ما صنع الله بك ؟ قال : أدخلني الجنة ، قلت ثم ماذا ؟ قال : رُفعت إلى أصحاب اليمين ، قلت : ثم ماذا ؟ قال : رُفعت إلى المقربين ، قال : فمن رأيت هناك ؟ قال : الحسن البصري ومحمد بن سيرين .. من المقربين .

كله بثمنه .. ورع ، مجتهد ، صائم ، مُصَلٍّ ، دخلُك حلال ، إنفاقك حلال ، بيتك إسلامي ، عملك إسلامي ، فأنت من المقربين .


[سورة الواقعة]



والحمد لله رب العالمين

ابو عمر المصرى
12-13-2007, 11:42 AM
بن شرحبيل الشعبي






بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس الحادي عشر من دروس سير التابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ، والتابعيُّ اليوم عامر بن شرحبيل الشَعبي ..

كان واسع العلم ، عظيم الحلم ، وإنه من الإسلام بمكان .

أيها الإخوة ... ننطلق في هذه السيَر من قول النبي عليه الصلاة والسلام :

خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ *

(متفق عليه عن أبي هريرة )

كلام النبي لا ينطق عن الهوى ، فأصحابه من القرن الأول ، والتابعون ، وتابعوا التابعين ، هؤلاء خِيرةُ خلق الله عزَّ وجل ، لذلك فالاقتداء بهديهم ، وبسيرتهم ، والوقوف عند بطولاتهم ، وشمائلهم جزءٌ من الدين ، أي إنك إذا رأيتَ ديناً نظرياً فعُدْ إلى الكتاب والسُنَّة ، وإنْ أردتَ ديناً عملياً فتقدَّم بقراءة سير الصحابة والتابعين .

فلستِّ سنواتٍ خَلَتْ مِن خلافة الفاروق رضوان الله عليه ، وُلِد للمسلمين مولودٌ نحيل الجسم ، ضئيل الجِرم .

من حكمة الله عزَّ وجل أن الأبطال متفاوتون في أجسامهم ، ترى بطلاً ضخماً عملاقاً ، وترى بطلاً نحيلاً رقيقاً ، وترى بطلاً وسيم الطلعة ، وترى بطلاً غير وسيم الطلعة ، ترى رجلاً مربوعاً ، وآخر قصيراً ، ورجلاً أبيض ، وآخر غير أبيض ، فالبطولة لا علاقة لها بالشكل إطلاقاً ، هذه حقيقة ، أنت كرجل كل قيمتك تنبع من مبادئك ، وعلمك ، وأخلاقك .

لذلك يُروى عن بعض التابعين أنه كان قصير القامة ، أسمر اللون ، مائل الذقن ، ناتئ الوجنتين ، غائر العينين ، ليس شيءٌ من قبح المنظر إلا وهو آخذٌ منه بنصيب - هكذا يصفه الواصفون - وكان مع ذلك سيد قومه ، إنْ غضِبَ غضِب لغضبته مائة ألف سيف ، لا يسألونه فيما غضب .

فالإنسان يحقِّق أعلى درجات البطولة في أي شكلٍ كان ، وقد قال الشاعر :

***

جمال الجسمِ مع قُبْحِ النفُوسِ كقنْديلٍ على قَبرٍ المَجُوس

***

لكن الإنسان إذا آتاه الله عزَّ وجل شكلاً مقبولاً فهذا من نعمه عزَّ وجل ، فالنبي علَّمنا إذا نظر في المرآة يقول :

" اللَّهُمَّ أَحْسَنْتَ خَلْقِي فَأَحْسِنْ خُلُقِي "*

( من مسند أحمد : عن " ابن مسعود " )

لماذا كان هذا التابعي نحيل الجسم ، ضئيل الجرم ؟ قيل : لأن أخاه زاحمه على رحم أمه، فلم يَدَعْ له مجالاً للنمو ، إذاً هو شقيق ـ أي توأم ـ لكنه لم يستطع بعد ذلك أن يزاحمه ، لا هو ولا غيره في مجالات العلم ، والحلم ، والحفظ ، والفهم ، والعبقريَّة .

بصراحة أيها الإخوة أقلُّ شيء عندك شكلك ، وأقلّ شيء تملكه العمُرُ الزمني ، لأنّ العمر لا يقاس بمدَّته ، بل يقاس بأعماله البطولية ، والإنسان لا يقاس بشكله ، بل يقاس بإيمانه وخُلُقه .

مرة أحد الصحابة يبدو أنه وقف في مَهَبِّ رياح شديد فرفعت ثوبَه ، فبدت دقَّة ساقيه ، فتبسَّم الصحابة الكرام ، فقال عليه الصلاة والسلام :

" مِمَّ تَضْحَكُونَ قَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ فَقَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ "*

( من مسند أحمد : عن " أبي مسعود " )

فالإنسان إذا كان نحيفَ البُنية ، قصيرَ القامة ، أسمرَ اللون ، هذه أشياء لا تقدِّم ولا تؤخِّر، ولا يُعنى بها إلا النساء ، لذلك فمجتمع الرجال مجتمعٌ الإيمان والعمل .

بالمناسبة : من هو حِبُّ رسول الله ؟ إنّه سيدنا أسامة ، كان أسود اللون ، أفطسَ الأنف ، عيَّنه قائد جيش ، وهو في السابعة عشر من عمره ، على جيشٍ فيه أبو بكرٍ ، وعمر ، وعثمان، وعلي ، أرأيت الإسلام ؟ هذا الدين.

ذلكم هو عامر بن شرحبيل الحِمْيَرِيّ المعروف بالشعبي ، نابغة المسلمين في عصره .

وفائدة القراءة عن التابعين وسيرهم أنّ هذه الأسماء ترِدُ كثيراً في كتب الدين ، وفي كتب الحديث ، وفي كتب السيرة ، وفي كتب الفقه ، وهذه الأسماء كلُّها أعلام .

وُلد الشعبي في الكوفة ، وفيها نشأ ، لكن المدينة المنورة كانت مهوى فؤاده ، ومطمح نفسه، كان يؤمُّها من حينٍ لآخر ليلقى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، وليأخذ عنهم ، كما كان الصحابة الكرام يؤمّون الكوفة ليتخذوها منطلقاً للجهاد في سبيل الله ، أو داراً لإقامتهم ، إذاً كان طلاب العلم يقدمون على المدينة ليلتقوا بأصحاب رسول الله رضوان الله عليهم ، وأصحاب النبي رضوان الله عليهم ينطلقون إلى الكوفة ، ليجعلوها قاعدةً لانطلاقهم لفتوح الهند والصين ، إذاً هؤلاء تعلَّموا ، فعليهم أن يجاهدوا ، وأولئك عليهم أن يتعلَّموا .

أُتيح لهذا التابعي الجليل أن يلقى نحواً من خمسمائةٍ من الصحابة الكرام ، وأن يروي عند عددٍ كبير من جلتهم .

الحقيقة ـ ولا أبالغ ـ ليس في الأرض متعةٌ أعظم من أن تجلس إلى عالم تُذاكره في العلم، لأن العلم حياة الإنسان ، والعلم حياة القلب ، وهو الذي يناسب شأن الإنسان ، وغير العلم يناسب ما دون الإنسان .

يروي هذا التابعي عن عددٍ كبير من أصحاب النبي ، من أمثال علي بن أبي طالب ، وسعد بن أبي وقَّاص ، وزيد بن ثابت ، وعبادة بن الصامت ، وأُبيّ ، وأبِي موسى الأشعري ، وأبي سعيد الخدري ، والنعمان بن البشير ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عبَّاس ، وعدي بن حاتم، وأبي هريرة ، وعائشة أم المؤمنين ، وغيرهم ، وغيرهم .

أما عائشة فكما قال الله عزَّ وجل :



( سورة الأحزاب : من آية " 53 " )

وقد كان الشعبي فتىً متوقِّد الذكاء ، يقظَ الفؤاد ، مرهفَ الذهن ، دقيقَ الفهم ، آيةً في قوة الحافظة والذاكرة ، ولي هنا وقفة :

إنّ الله عزَّ وجل يعطي إنساناً هذه القدرات العقليَّة العالية ، ويحرم منها آخرين ، فقد يقول قائل : ما ذنب الذي حُرم هذه القدرات ؟ هناك إجابات كثيرة ، منها أنّ الإنسان يُعطَى من القدرات على قدر مطالبه ، فكلَّما ارتفعت مطالبُه ، واتسعت ، وسمت ، وكبُر حجمها قدَّر الله له من الملكات والقُدرات ما يوازي هذه المطالب العالية .

نحن في مجتمع البشر ، إذا كلَّفتَ الإنسان بمهمة كبيرة ، تعطيه صلاحيات كبيرة ، وإذا كلَّفته بعقد صفقةٍ لإطعام الجيش تعطيه اعتمادًا بمائة مليون ، فكلَّما كلَّفته بعملٍ كبير أعطيتَه إمكانات كبيرة ، فأحد الأجوبة أن هذه القدرات الفائقة التي يتمتع بها هؤلاء العلماء الأعلام ، في رأيٍ من الآراء أنها نتيجة مطالبهم العالية التي علِم الله بها .

وعندنا شيءٌ آخر ، وهو أن هذا الذكاء ، وقوة الحافظة ، وحدّة الذهن ، والإدراك العميق ، وقوّة التفكير هذا حظٌّ من حظوظ الدنيا ، والإنسان يُمتَحَن به ، فإمّا أن يرقى به ، وإمّا أن يهوي، فالجهاز الذي يرفعك هو نفسه الذي يهوي بك ، الآن الطائرة مِيزةٌ كبيرة ، لأنها تنتقل بسرعة عالية ، لكن لو أنها تعطَّلت في الجو لم يكن ثمّة حلٌ وسطٌ ، ولا وقت للنزول ، ولا لمخاطبة الركاب بالذهاب إلى بيوتهم ، حتى يتسنّى إصلاح الطائرة ، لا يوجد هذا ، فميزة تحليقها في الجو، ونقل الركاب بوقـت قصيـر جداً ، في مقابلها سيئة إذا أصابها عطب ، ويُنشَر الخبر البسيط : لقد مات جميع ركَّابها ، وبتعبير آخر : وقد لقي جميع الركاب حتفهم ، أما السيارة فتتعطَّل ، وسرعتها أبطأ ، لكن لو تعطَّلت لوُجِد لها حلّ آخر .

أردت من هذا المثل أن الإنسان إذا أُوتي الذكاء ، والقدرات الفائقة ، هذه ترقى به ولا شك، لكن لو أنه استخدمها على خلاف ما أراد الله عزَّ وجل لَهَوَتْ به ، فالقدرات العالية كما أنها ترقى فإنها تُهلك ، فمثلاً : يكون الشخصُ يسير بسيارة ، وأغلب الظن أنْ لا مشلكة ، فلو سار بسرعة مائة وعشرين ، ثمّ سها سهوة ، ماذا يحدث ؟ أحياناً الإنسان يعطس وهو يقود السيارة ، هذه العطسة فيها تغميض العينين ثانية واحدة ، فيشعر بالخطر ، لأنه يسير بسرعة كبيرة ، فكلَّما أسرعت يجب أن تكون أكثر يقظةً ونباهةً ، وكلُّ شيء فيه ميزة في مقابلها مغرم ، وكل مغنمٍ يقابله مغرم ، فالذي أوتي حظاً من الذكاء هذا امتُحِن بالذكاء ، لكن فيما لو لم يؤمن بالله عزَّ وجل، لكان هذا الذكاء وبالاً عليه .

إذن كان الشعبي متوقد الذكاء ، يقظ الفؤاد ، مرهف الذهن ، دقيق الفهم ، آيةً في قوة الحافظة والذاكرة ، وقد روي عنه أنه قال : " ما كتبت سوداء في بيضاء قط " . ماذا يعني هذا الكلام ؟ أنه لشدة حافظته ، لاتقاد ذهنه ، لقوة ذاكرته ما احتاج أن يكتب كلمةً سوداء على ورقةٍ بيضاء .

قد يقول أحدكم : ما هذه الذاكرة ؟ أنا أجيبكم : لو أنك تهتم بموضوعٍ ما ، لوفِّقت إلى ذاكرةٍ كهذه الذاكرة ، فأحياناً تدخل على بائع قطع تبديل ، يكون عنده عشرة آلاف نوع ، أي سؤال تطرحه عليه يقول لك : يوجد ، أو بقي منها قطعة واحدة ، اصعدْ يا ابني على الرفِّ الثالث ، على اليمين هناك واحدة فأحضِرْهَا . معنى هذا أنّ ذاكرته محلّ ، لأنه مهتم ، ولأن في ذلك ربح له .

فالذاكرة قانونُها الاهتمامُ ، حينما تهتم بالشيء تحفظه ، لذلك يشكو الإنسانُ ضعفَ ذاكرته في موضوعات لا يهتم لها ، ويعتدّ بذاكرته التي لا تخطئ في الموضوعات التي يهتم بها ، فأكاد أقول لكم : إن الاهتمام الشديد هو الذي يجعل الإنسان يحفظ .

فمن شدّة اهتمام النبي صلى الله عليه وسلَّم بكتاب الله ، كان إذا نزل عليه يحفظه لأول مرة، مرة واحدة .. وقد قال تعالى :




( سورة الأعلى )

فما معنى " إلا ما شاء الله " ؟ أي إلا ما شاء الله لك أن تنساه ، ولكن لماذا أنساه الله ؟ لحكمةٍ بالغة ، كي يشرِّع .

مرَّة عليه الصلاة والسلام صلَّى الظهر ركعتين ، كما روى ذلك البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِحْدَى صَلَاتَيْ الْعَشِيِّ قَالَ مُحَمَّدٌ وَأَكْثَرُ ظَنِّي الْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا وَفِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ فَقَالُوا أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ وَرَجُلٌ يَدْعُوهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتْ فَقَالَ لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ - أي لا قصرت ولا نسيت ، فهذا الصحابي جريء - فقَالَ بَلَى قَدْ نَسِيتَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ *

( متفق عليه)

لو أنّ النبي عليه الصلاة والسلام لم ينس قط ، فكيف سَيَسُنُّ لنا سجود السهو ؟ هذا معنى قول الله عزَّ وجل :




( سورة الأعلى )

قال الشعبي : ما كتبت سوداء في بيضاء قط ، ولا حدثني رجلٌ بحديثٍ إلا حفظته، ولا سمعت من امرئٍ كلاماً ثم أحببت أن يعيده علي " ، إنها قوة ذاكرة عجيبة .

وقد كان الفتى مولعاً بالعلم ، أيهما أصح مولَعاً أم مولَّعاً ؟ مولَع ، إياكم أن تقولوا مولَّع ، المولَّع في اللغة العربية هو الثور الأحمر ، الصواب مولَع ، قل : أنا مولعٌ بكذا ، ولا تقل : مولَّعٌ بكذا .

وقد كان الفتى مولعاً بالعلم مشغوفاً بالمعرفة ، يبذل في سبيلهما النفس والنفيس ، ويستسهل من أجلهما المصاعب ، إذ كان يقول : " لو أن رجلاً سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن ، فحفظ كلمةً واحدةً تنفعه فيما يستقبل من عمره ، لرأيت أن سفره لم يضع " .

الآن أكثركم بارك الله بكم يأتي من أماكن متعددة ، طبعاً هناك إخوان بيتهم إلى جانب المسجد ، وإخوان أبعد بالمهاجرين ، بالشيخ محي الدين ، بالعدوي ، آخرون يأتون من الغوطة ، ومن دوما ، بل من محلات بعيدة ، فيقول الشعبي : " لو أن رجلاً سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن ، فحفظ كلمةً واحدةً تنفعه فيما يستقبل من عمره ، لرأيت أن سفره لم يضع " .

كلمة واحدة تتعلَّمها ، تنفعك في حياتك ، هذا الجهد الكبير الذي بذلته من أجلها لم يضع سُدًى ، وأشرف عملٍ تفعله أن تطلب العلم ، لأنك بالعلم تصل إلى الله ، وبالعلم تصل إلى طاعته، وبالعلم تصل إلى القرب منه ، وبالعلم توفَّق في أمورك الدنيويَّة ، وبالعلم تسعد في بيتك، وبالعلم تسعد في عملك ، فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم .

تأكد أنه ما مِن عملٍ أشرف عند الله عزَّ وجل من أن تطلب العلم ..

" إِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ *

( من سنن الترمذي : عن " قيس بن كثير " )

" مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ " *

( مسلم عن أبي هريرة )

" إن بيوتي في الأرض المساجد ، وإن زوارها هم عمَّرها فطوبى لعبدٍ تطهر في بيته ثم زارني، وحُقَّ على المزور أن يكرم الزائرِ " .

ومرَّة ثانية وثالثة أقول لكم : كما أنه ينبغي أن تؤدي زكاة مالك ينبغي أن تؤدي زكاة وقتك ، وزكاة المال تعني أن تنفق جزءاً منه في سبيل الله ، وزكاة الوقت تعني أن تنفق جزءاً منه في طلب العلم ، وحينما تؤدي زكاة وقتك يحفظ لك اللهُ عزَّ وجل وقتك ، كما حفظ لك مالك.

أحياناً يكون الإنسان يجمِّع محركًا ، وينسى شيئًا يجب أن يضعه في أول الأمر ، وقد قضى أربع ساعات ، ثم يقول لك : القشرة نسيناها ، فيرجع ليفُكَّه من أول ، فاللهُ عزَّ وجل قادر أن يتلف لك عشرين ساعة من دون مبرر ، فأحياناً تتوهَّم شيئًا فتجري تحاليل ، واختبارات ، ويظهر لك في الأخير أن لا شيء معك ، دفعت أموالاً ، وبذلت جهدًا ، وتعطَّلت ، وانتظرت .

وأحياناً يتعطَّل شيء بآلة عندك ، فتبعث لتحضره من بلد آخر فيأتيك ناقصًا ، فلا تشتغل ، واعلَمْ أن الله عزَّ وجل قادر على أن يضيّع لك عشرات الساعات ، بل مئات الساعات بلا طائل، في موضوعات سخيفة جداً، ولا حول لك ولا قوة ، لذلك كما أنه ينبغي أن تؤدي زكاة مالك ، ينبغـي أن تؤدي زكاة وقتك ، كما أن زكاة المال تحفظ المال من الضياع والإتلاف ، فإنّ زكاة الوقت تحفظ وقتك من الهدر .

إنّ الإنسان الموفَّق يقوم في وقت قصير بأعمال كبيرة جداً ، يقول لك : لقد بارك الله له في وقته ، فتجده موفَّقًا في كل أموره ، وأعماله دائماً هادفة ، ليس عنده محاولات فاشلة ، ولا إحباط، ولا بعثرة ، ولا ضياع في الوقت ، مثلما قال بعض الصالحين : " هم في مساجدهم ، واللهُ في حوائجهم " .

يجب أن تعرف أن في بالقرآن آية واحدة لا يوجد غيرها ، هذه الآية تؤكِّد أنه ما من عملٍ على وجه الأرض يمكن أن يحقَّق إلا بتوفيق الله ، فإنْ لم يوفِّقْ لم يقع الشيء ، فإنّ الله يمكنه أنْ يشغلك ببضاعة معينة - بزرة - عشرة أشهر ، أو عشرين شهرًا ؛ شراء ، وبيع ، وشحن ، ومطالبة بالمبالغ ، وبالتحقيق وجدتَ خسارة مائتي ألف ، فيمكن أنْ تضيع أوقات طويلة ولا تجد معها ربحًا ، فالله عزَّ وجل بيده كل شيء ، إنّه مالك المُلك ، فعلى المؤمن أنْ يؤدي زكاة ماله كما أنّه عليه أنْ يؤدي زكاة وقته بطلب العلم .

قال : " لو أن رجلاً سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن ، فحفظ كلمةً واحدة تنفعه فيما يستقبل من عمره ، لرأيت أن سفره لم يضع ".

قالوا : " ما ضاعت عَبرةٌ كانت لصاحبها عِبرة " . الحياة كلها دروس ، والإنسان كما قال النبي الكريم : " أُمرت أن يكون صمتي فكراً ، ونطقي ذكراً ، ونظري عبرةً " .

وقد بلغ من علمه أنه كان يقول : " أقل شيءٍ تعلَّمته الشعرُ ، ولو شئت لأنشدتكم منه شهراً دون أن أعيد شيئاً مما أنشدته " ، ينشد الشعر شهرًا كاملاً دون أن يعيد شيئاً مما أنشده ، وهذا أقل شيءٍ تعلَّمه !!.

قال لي أحدهم : لو كنا مع رسول الله والله لكان أحسن ، قلت له : اشكر الله بأن جعلك في آخر الزمان ، إذا الواحد منا اجتهاده ضعيف أو وسط ، و لوضعوه في شعبة الكسالى لكان الأول فيهم ، ولو وضعوه مع الأوائل لكان آخرهم ، فهؤلاء الصحابة الكرام قدَّموا شيئًا لا يصدِّقه العقل.

وكانت تعقد للشعبي حلقةٌ في جامع الكوفة ، فيلتفُّ الناسُ حوله زمراً زمرا ، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أحياءٌ ، يروحون ويغدون بين أظهر الناس .

بل إن عبد الله بن عمر رضي الله عنه سمعه ذات مرةٍ يقصُّ على الناس أخبار المغازي ، بخفاياها ودقائقها ، وما أدراك ما عبد الله بن عمر !! صحابيٌ جليل عاش مع النبي عليه الصلاة والسلام ، جلسَ مرةً إلى درس يلقيه هذا التابعي الجليل الشعبي عن مغازي رسول الله ، فأصغى السمع ، وأرهف سمعه ، وقال : " لقد شهدتُ بنفسي بعض ما يقصُّه بعيني ، وسمعته بأذني ، ومع ذلك فهو أروى منـي لما شهدت " ، لم يشهد الشعبي هذه الوقائع ، ولكن سيدنا عبد الله شهدها ، ومع ذلك قال :" هذا التابعي أروى مني لما شهدتُ بعيني ، وسمعت بأذني " .

وشواهد سعة علم الشعبي وحضور ذهنه غزيرةٌ وفيرة ، والحقيقة هناك آية قرآنية تقول :



( سورة فاطر : من آية " 1 " )

أحياناً ربنا عزَّ وجل يُري من آياته الدالة على عظمته ، فيعطي إنسانًا قوة ذاكرة تفوق حدَّ الخيال ، ويعطي إنسانًا آخر أحياناً قوة عضليَّة ، يَحمِل لك بها أربعمائة كيلو ، وهناك بعض الإخوة يحمل صندوق حديد أربعمائة كيلو ، ويصعد به الدرج ، وإنسان آخر يقول لك : حملت كيلو تفاح فانتابني ألمُ الظهر ..


( سورة فاطر : من آية " 1 " )

لكن بالمناسبة ، إذا افتخر الإنسان بقدرات آتاه الله إيَّاها ، وكانت هذه القدرات غير علمية، فأيّ حيوان يفوق بقدراته الإنسانَ ، وإذا قال الإنسان : أنا عندي دقة بالبصر ، فالصقر يرى ثمانية أضعاف الإنسان ، وإذا قال : أنا شمي مرهف ، فإنّ بعض الكلاب تشمّ مليون ضعف ، فما في صفة ماديَّة في الإنسان - ولحكمةٍ أرادها الله عزَّ وجل - إلا وفي المخلوقات ما يفوقه في هذه الصفة ، إلا أنّ الإنسان ميّزه الله عزَّ وجل بالعلم والعقل .

استمعوا لهذه القصة ...

روى الشعبي عن نفسه فقال : " أتاني رجلان يتفاخران ؛ أحدهما من بني عامر ، والآخر من بني أسد ، وقد غلب العامريُّ صاحبَه ، وعلا عليه ، وأخذه من ثوبه ، وجعل يجرُّه نحوي جرًّا ، والأسدي مخذولٌ أمامه ، ويقول له : دعني دعني ، وهو يقول له : واللهِ لا أدَعُك حتى يحكم الشعبي لي عليك ، فالتفتُّ إلى العامري وقلت له : دع صاحبك حتى أحكم بينكما ".

والظاهر من القصة أنهما كانا في منافسة ملاسنة ، مفاخرة بين رجل عامري ، ورجل من بني أسد ، فقال هذا التابعي الجليل : " دع صاحبك حتى أحكم بينكما ، ثم نظرت إلى الأسدي وقلت : ما لي أراك تتخاذل له ؟ لقد كانت لكم مفاخر ست لم تكن لأحدٍ من العرب ، أولها أنه كانت منكم امرأةٌ خطبها سيد الخلق محمد بن عبد الله ، فزوَّجه الله إيَّاها من فوق سبع سماوات ، وكان السفير بينهما جبريل عليه السلام ، إنها أم المؤمنين زينب بنت جحش ـ هذه خطبها النبي ، والسفير كان بهذه الخطبة جبريل ـ فكانت هذه المأثُرة لقومك ولم تكن لأحدٍ من العرب . قال : والثانية أنه كان منكم رجلٌ من أهل الجنة، يمشي على الأرض هو عكاشة بن محصِن ـ عكاشة من بني أسد ـ هذه لكم الثانية ، والثالثة ..... والرابعة أن أول مغنمٍ قسم في الإسلام كان مغنمه ، والخامسة أن أول من بايع بيعة الرضوان كان منكم ، فقد جاء صاحبكم أبو سنان بن وهبٍ إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال : " يا رسول الله ابسط يدك أبايعك . قال : " على ماذا ؟ ، قال : على ما في نفسك ، قال : وما في نفسي ؟ قال فتحٌ أو شهادة ، قال: نعم ، فبايعه فجعل الناس يبايعون على بيعة أبي سنان " .

( من كنز العمال )

و السادسة أن قومك بني أسد كانوا سُبُعَ المهاجرين يوم بدر ، فبهت العامري وسكت " ، و لا ريب أن الشعبي أراد أن ينتصر للضعيف المغلوب على القوي الغالب ، وهذه حالات نادة ذكرها الشعبي لهذين المتخاصمين ، فإذا بالمنتصر يصغر ، وإذا بالضعيف يكبُر.

بعضهم قال :"ولو كان العامري هو المخذول لذكر له من مآثر قومه ما لم يحط به خُبْرَ" .

وعنده أخبار أيضاً دقيقة جداً عن بني عامر ، لكنه أراد أن ينتصر لهذا الضعيف .

ولمَّا آلت الخلافة إلى عبد الملك بن مرون كتب إلى الحجَّاج عامله على العراق : " أن ابعث إليَّ رجلاً يصلح للدين والدنيا ، أتخذه نديماً أو جليساً " ، فبعث إليه بالشعبي فجعله من خاصَّته ، وأخذ يفزع إلى علمه في المُعضلات .

والحقيقة أنّ الإنسان إذا وُفِّق أنْ يستشير أولي العلم ، فهذه نعمة كبيرة ، لكن السؤال مفتاح العلم ، ومن استشار الرجال استعار عقولهم .

أنت يمكن أنْ تأخـذ خبرات خمسين سنة متراكمة بسؤال واحد ، فعوِّد نفسك أن تستشير ، فإنّ الله عزَّ وجل وصف المؤمنين بأن أمرهم شورى بينهم ، وأمر النبي المعصوم الذي يوحى إليه أن يشاور أصحابه ، فقال تعالى :



( سورة آل عمران : من آية " 159 " )

ولا يوجد إنسان موفَّق إلا يستشير ، وأحياناً يكون على الإنسان ضغط ، والضغط يعمي ويصم ، ولو أنك استشرتَ إنسانًا ليس عليه هذا الضغط لأعطاك الرأي السديد ، والرؤية الصحيحة ، والفكر الثاقب ، والسلوك الحكيم ، فعوِّد نفسك أن تستشير ، ولو أن الذي تستشيره - فيما يبدو لك - هو دونك ، لكنه قد يتفوَّق في هذه النقطة ، ولذلك أخرج الطبراني في الأوسط عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار"

الاستشارة - دققوا - لأولي الخبرة من المؤمنين ، والاستخارة لله عزَّ وجل ، فعوِّد نفسك أن تستخير الله ، وأن تستشير أولي الخبرة من المسلمين ، والسؤال مفتاح العلم ، وإنك بالاستشارة تستعير عقول الرجال .

فأخذ هذا الخليفة يفزع إلى علمه في المعضلات ، ويعوِّل على رأيه في الملمَّات ، ويبعثه سفيراً بينه وبيـن الملوك ، فقد أرسله مرةً في مهمةٍ إلى جستنيان ملك الروم ، فلما وفد عليه ، واستمع إليه أُخذ بذكائه ، ودهش من دهائه ، وأُعجِب بسعة اطلاعه ، وقوة بيانه ، فاستبقاه عنده أياماً كثيرة على غير عادته مع السفراء ، فلما ألحَّ عليه بأن يأذن له بالعودة إلى دمشق سأله الملك الرومي : " أمن أهل بيت الملك أنت ؟ . قال : " لا ، إنما أنا رجلٌ من جملة المسلمين " ، فلما أذن له بالرحيل قال له : " إذا رجعت إلى صاحبك ـ يعني عبد الملك بن مروان ـ وأبلغته جميع ما يريد معرفته ، فادفع إليه هذه الرُقعة " ، أعطاه كتابًا مختومًا .

فلما عاد الشعبي إلى دمشق بادر إلى لقاء عبد الملك ، وأفضى إليه بكل ما رآه وسمعه ، وأجابه عن جميع ما سأل عنه ، ولما نهض لينصرف قال : " يا أمير المؤمنين إن ملك الروم حمَّلني لك هذه الرُقعة " ، ودفعها إليه وانصرف ، فلما قرأها عبد الملك قال لغلمانه : " ردوه عليَّ " ، فردوه ، فقال له : " أعلمت ما في هذه الرقعة ؟ " ، قال : " لا يا أمير المؤمنين " فقال عبد الملك : " لقد كتب إليَّ ملك الروم يقول : عجبت للعرب كيف ملَّكت عليها رجلاً غير هذا الفتى !! " ، فبادره الشعبي قائلاً : " إنما قال هذا لأنه لم يرك ، ولو رآك يا أمير المؤمنين لما قاله " . فخلَّص نفسَه بهذه الحيلة ، فقال عبد الملك : " أفتدري لمَ كتب إلي ملك الروم هذا ؟ " ، قال له : " لا " ، قال عبد الملك : " إنما كتب إليَّ بذلك لأنه حسدني عليك ، فأراد أن يغريني بقتلك والتخلُّص منك " .

عجبت كيف تولي العرب رجلاً غير هذا الفتى ، أي : تخلَّصْ منه ، إنه أذكى منك ، وأقوى منك ، فبلغ ذلك ملك الروم فقال : " لله أبوه ، واللهِ ما أردت غير ذلك " .

الحقيقة أنّ الإنسان إذا وفَّقه اللهُ فإنه يوفِّقه لاتخاذ أعوان مخلصين ، أصحاب فطانة ، أذكياء ، يحسنون التصرُّف ، فأحياناً تكون الآفة من الأعوان ، والنبي دعا بالبطانة الصالحة التي تدلُّ على الخير ، وتعين عليه ، واستعاذ بالله من بطانة السوء التي تدلّ على الشر ، وتعين عليه، والإنسان إذا اتّخذ صديقًا ، أو اتخذ معينًا ، إنْ كان مدير معمل ، مدير دائرة ، مدير مستشفى ، مدير مدرسة ، فيتخذ إنسانًا أخلاقه عالية ، وذكيًا حصيفًا ، وإلا فالمعين السيئ يدمِّره .

لقد بلغ الشعبي في العلم منزلةً جعلته رابع ثلاثةٍ في عصره ، فقد كان الزهري يقول : "العلماء أربعة ؛ سعيد بن المسيِّب في المدينة ، وعامر الشعبي في الكوفة ، والحسن البصري في البصرة ، ومكحولٌ في الشام " ، لكن الشعبي كان بتواضعه يخجل إذا ألبَسه أحد لقب العالِم ، فقد خاطبه أحدهم قائلاً : " أجبني أيها الفقيه العالِم " ، قال : "ويحك لا تُطْرِنَا بما ليس فينا ، الفقيهُ من تورَّع عن محارم الله ، والعالِمُ من خشيَ الله ، وأين نحن من ذلك " .

كان في الشام عالِم من العلماء ، وهو الشيخ بدر الدين الحسني ، هذا علَّم العلماء كلهم ، وكان هذا العالم الجليل إذا غضب تغضب له كل البلاد ، مرَّة سأله واحد فضولي فقال له : سيدي لفَّتك ليست بيضاء ، أي لماذا لا تضع لفَّة بيضاء يا سيدي ؟ فقال له : " يا ابني هؤلاء الذين يضعون اللفة البيضاء علماء " ، وسأله مرة واحد : ما مذهبك ؟ فقال له : " يا بني العوام لا مذهبَ لهم ، العوام يقلدون تقليدًا ، وليس لهم مذهب " ، لقد كان متواضعًا ، حتى إنه لم يُصَلِّ بالناس أبداً ، ولا سمح لأحد أن يقبِّل يده ، ولو وزنته بالعلم لكان سيد العلماء .

كان مرَّة يمشي في الغوطة مع إخوانه ـ هكذا سمعت ـ فجاء شخص أرعن ، أحمق ، عدواني المزاج ، والأرض طين ، يركب بغلاً - أي بغل على بغل - ويبلِّل الناس بهذا الطين ، وهم يقولون : على مهلك ، على مهلك ، أبداً لم يستجب ، حتى بلَّل الشيخ ، فهؤلاء المريدين مؤدبون جداً ، ولكن أحدَهم لم يتحمَّل الوضع ، فأوجعه ضربًا حتى كاد يهلكه ، فإذا سكتَ الشيخ فثمة مشكلة ، وإن تكلَّم فمشكلة ، فقال كلمة رائعة وذكية جداً ، قال : " ما أفلح قومٌ لا سفيه لهم"، أي : هذا العمل سفاهة ، لكنه ضروري ، أحياناً تجد سفيهًا ، لكنه لسفيه آخر دواء ، قال : " ما أفلح قومٌ لا سفيه لهم ".

على كلٍ من التواضع ألاّ يقول : أنا عالم ، نصيحة ، قل : أنا طالب علم ، والله أسمعها من كبار العلماء ، أنا طالب علم ، ويظلُّ المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه قد علِم فقد جهل .

في اللحظة التي تتوهَّم أنك عالِم فأنت جاهل ، فإذا تكلم الإنسانُ عن نفسه فليقل : أنا طالب علم ، أرجو من الله التوفيق .

قيل لأحدهم : يا سيدي هذا الحديث الذي ذكرته موضوع ، فقال له : لمجرَّد أني قلته فهو صحيح ، هناك جبابرة في العلم .

مرَّة سأله شخص عن مسألة فأجاب ، فقال : " قال فيها عمر بن الخطاب كذا ، وقال فيها علي بن أبي طالب كذا " ، فقال له السائل : "وأنت ماذا تقول يا أبا عمرو ؟ ـ ما قولك أنت ؟ ـ فابتسم في استحياء ، وقال : " وما تصنع بقولي بعد أن سمعت مقالة عمر وعلي ؟! من أنا حتى يعتدَّ برأيي ؟! .

وسيدنا الشافعي له كلمة رائعة أنه : "إذا وجدتم الحديث الصحيح يخالف قولي فاضربوا بقولي عُرض الحائط " ، لو فرضنا أنّ للشافعي رأيًا ، وعثرت على حديثٍ صحيح خلاف كلام الشافعي ، فالشافعي نفسه قال لك : اضرب بكلامي عرض الحائط " ، ولا تعبأ به ، وكن مع الحديث الشريف ، مَن أنا أمام الحديث ؟ العالِم متواضع ، وانتهى الأمر .

كان الشعبي يكره المراء ، ويتصاون عن الخوض فيما لا يعنيه ، فقدْ كلَّمه أحد أصحابه ذات يومٍ فقال : يا أبا عمرو ، فقال : لبيك ، قال : " ماذا تقول فيما يتكلَّم فيه الناس من أمر هذين الرجلين ، قال : أي الرجلين تعني ؟ قال : عثمان وعلي ، قال :" إني والله لفي غنىً عن أن أجيء يوم القيامة خصيماً لعثمان بن عفَّان ، أو لعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما جميعاً"، مَن أنا حتى أكون حكمًا بينهما ؟ أنا غني عن أن أكون خصمًا لأحد هذين الصحابيين الكبيرين ، والنبي قال :

" إذا ذُكر أصحابي فأمسكوا ... " .

( من الجامع الصغير : عن ابن مسعود )

أي إذا اختلف طبيبان جراحا قلب ، وهناك ممرض صغير قاعد ، فسألته : ما قولك ، الحق مع مَن ؟ فماذا فهِمَه هذا الممرِّض من هذا الخلاف بين جراحي قلب ؟ وإذا اختلف مثلاً ركنان في الجيش ، فسألنا مجنَّدًّا غرّا : ما قولك ، الحق مع من ؟ ما هذا الكلام ؟ إنه كلام ليس له معنى إطلاقاً ، صحابيان جليلان اختلفا ، فلا مانع ، ونحن لا دخل لنا .

ولقد جمع الشعبي إلى العلم الحلم ، فقد روي أن رجلاً شتمه أقبح الشتم ، وأسمعه أقذع الكلام ، فلم يزِدْ عن أن قال له : " إن كنت صادقاً فيما تقول فغفر اللهُ لي ، وإن كنت غير صادق فغفر اللهُ لك " ، انتهى الأمر .

لم يكن الشعبي على جلالة قدره ، وجذالة فضله يأنف أن يأخذ المعرفة ، أو يتلقَّى الحكمة مِن أهونِ الناس شأناً ، فلقد دَأَبَ أعرابيٌ على حضور مجالسه ، غير أنه كان يلوذ بالصمت دائماً، فقال له الشعبي مرةً : " ألا تتكلَّم ؟ ، فقال : " أسكت فأسلم ، وأسمع فأعلم ، وإن حظ المرء من أذنه يعود عليه ، أما حظه من لسانه فيعود على غيره " ، فظل الشعبي يردِّد كلمة الأعرابي ما امتدَّت به الحياة ، والمؤمن الصادق ، لا يأنف أن يأخذ الحكمة مِن أي إنسان .

أوتي الشعبي من بلاغة الكلام ، وحسن التصرُّف ما لم يؤتَهُ إلا القلةُ النادرة من الفصحاء، فقد كلَّم مرةً أمير العراقَيْن عمرَ بن هبيرة الفزاري في جماعةٍ حبسهم ، فقال :"أيها الأمير إن كنت حبستهم بالباطل فالحق يخرجهم ، وإن كنت حبستهم بالحق فالعفو يسعه "

هناك آية قرآنيَّة تحل ألف مشكلة ... قال تعالى :


( سورة النحل : من آية " 90 " )

فإذا لم تتوافق القضيَّة على العدل فإنَّ الإحسان يسعها ، وإذا كان معك الحق وأنت منصف، لكن الشخص يحتاج لإحسانك ، فلا تبخل به عليه .

وعلى الرغم من مروءة الشعبي ، وعلو منزلته في الدين والعلم ، فقد كان عذب الروح ، حلو المفاكهة ، لا يفوِّت الطُرفة إذا لاحت له ، والإنسان ..

" روحوا القلوب ساعةً بعد ساعة ، فإن القلوب إذا كلَّت عميت " .

( من الجامع الصغير )

دخل عليه رجل وهو جالسٌ مع امرأته فقال : أيكما الشعبي ؟ فقال : هذه .

مرة قال لي أحدهم : أي يوم تخطبون يا أستاذ الجمعة ؟ قلت له : يوم الأحد ، قال : ما هذا الأحد ، هل هناك خطبة يوم الأحد ؟ تسألني متى أخطب ؟ سؤال ليس له معنى ، طبعاً أخطب الجمعة .

سأله مرة واحد : مَن تكون زوجة إبليس ؟ قال له : واللهِ هذا عرسٌ ما شهدته .

مرة قال : "والله ما حللتُ حبوتي إلى شيءٍ مما ينظر إليه الناس ، ولا ضربتُ غلاماً لي قط ، وما مات ذو قرابةٍ لي وعليه دينٌ إلا قضيته عنه " .

إخواننا الكرام ؛ الشهيد يغفر له كل ذنب إلا الدين ؛ شهادته ، أدى ماله ، أدى نفسه ، أثمن ما يملك إلا الدَّين ، عَنْ الحَارِثِ بْنِ رِبْعِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِرَجُلٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ - ولو كان شهيدًا - فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ فَإِنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا قَالَ أَبُو قَتَادَةَ هُوَ عَلَيَّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْوَفَاءِ قَالَ بِالْوَفَاءِ فَصَلَّى عَلَيْهِ*

( من سنن الترمذي )

لأن الله عزَّ وجل يغفر ما كان بينه وبين العبد ، لكن ما كان بين العباد فلا بد من الأداء ، لأنّ حقوق العباد مبنيةٌ على المشاححة ، وحقوق الله مبنيةٌ على المسامحة .

عُمِّر الشعبي حتى نيَّف على الثمانين ، وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ قَالَ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ قَالَ فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ قَالَ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ*

( من سنن الترمذي)

فلما لبَّى نداء ربه ، ونُعِيَ إلى الحسن البصري قال : " يرحمه الله فقد كان واسعَ العلم ، عظيمَ الحلم ، وإنه من الإسلام بمكان " ، هذا كلام الحسن البصري عندما نعاه .

* * *

والحمد لله رب العالمين

_______

ابو عمر المصرى
12-13-2007, 11:43 AM
عمر بن عبد العزيز






بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الثالث عشر من سير التابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ، والتابعيّ اليوم هو سيدنا عمر بن عبد العزيز ، الذي عدَّه المؤرخون من أهل العلم العاملين ، ومن الخلفاء الراشدين ، وما أروعها أن تلتقي الخصائص الدينية بالخصائص الزمنية كما يقولون ، وما أروع الإنسان أن يكون عالماً ، وأن يكون عاملاً ، وأن يتفوق في الدنيا ، وأن يتفوق في الآخرة .

يقول هذا الخليفة العظيم : تاقت نفسي للإمارة ، فلما بلغتها تاقت نفسي للخلافة ، فلما بلغتها تاقت نفسي إلى الجنة .

معنى ذلك : أن ليس في حياة المؤمن إثنينية ، أعماله ، مناصبه ، تجارته ، بيته ، دخله ، إنفاقه ، طاقاته ، أفكاره ، أدبه ، قلمه ، مطالعاته ، ثقافته ، لهوه ، كلها تَصُبُّ في هدف واحد ، "تاقت نفسي للإمارة ، فلما بلغتها تاقت نفسي للخلافة ، فلما بلغتها تاقت نفسي إلى الجنة " ، يغلب على الظن أنه تاقت نفسه للإمارة ليصل بها إلى الجنة ، وتاقت نفسه للخلافة ليصل بها إلى الجنة ، والدنيا مطيّة المؤمن ، يتخذها وسيلة للتقرب من الله عز وجل .

بالمناسبة هذه الحظوظ التي أتحدث عنها كثيراً ، كلما نِلْتَ منها قسطاً أوفر اتَّسعتْ قدرتُك على العمل الصالح ، واتَّسعتْ بالتالي مسؤوليتُك .

أوضِّح هذا الكلام بمثال ، مخروط ، فكلما صعدت إلى مستوى من الجبل اتسعت دائرة النظر، نحن إذا صعدنا إلى جبل قاسيون نرى الشام ، لكن حينما نركب طائرة ، وترتفع الطائرة أربعين ألف قدم ترى مسافة تزيد عن مائتي كيلو متر بنظرة واحدة ، ورواد الفضاء الذين ركبوا مركبتهم رأوا الأرض بأكملها من هناك ، هذه قاعدة .

كلما ارتفعت في مستوى الحظ الذي منحك الله إياه ، ازدادتْ قدرتك على العمل الصالح ، وازدادتْ مسؤوليتك ، فأحياناً الإنسان القوي بتوقيع يلغي منكرًا ، وبتوقيع يقيم المعروف ، بتوقيع واحد .

تصور معلمَ مدرسةٍ ، أو مدير مدرسة ، أو مدير تربية ، أو وزير تربية ، كلما ارتفعت السلطة اتَّسعت القدرة على الخير ، وبالتالي ازدادت المسؤولية ، فالإنسان الغني بإمكانه أن يحلّ مشاكل عدد كبير من الفقراء ، وكل فقير يرقى به ، فالمال حينما تمتلكه بإمكانك أن تصل به إلى الجنة ، لكن بالمقابل أنت مسؤول عن هذا المال الوفير ، ومسؤولية الغنيِّ أشدُّ من مسؤولية الفقير، وهذا حظ المال .

أمّا حظ السلطة ، فكلما ازددتَ قوةً ازدادتْ قدرتُك على خدمة الخلق ، وازدادتْ بالتالي مسؤوليتك .

العلم : كلما ازداد علمُك ، ازدادتْ قدرتُك على إقناع الناس الدين ، فإن قصَّرتَ ازدادتْ مسؤوليتُك .

العلم قوة ، والمال قوة ، والسلطة قوة ، هذه القُوى الثلاث في الأرض .

عن أبي هُريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأحَبُّ إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ *

[ أخرجه مسلم ]
أنـت حينما تتفوق في جانب من جوانب الحياة ، إّما في العلم ، وإمّا في السلطة ، وإمّا في المال ، تزداد قدرتك على العمل الصالح في أشياء غير متاحة لك ، لأنه قد أُتيح لك شيء لا ينافسك عليه أحد ، وهو العلم ، يمكن أنْ يكون كسب المال صعبًا ، ففي الظروف صعبة ليتك تحصل على قوت يومك ، وبالمقابل .

عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه *

[ رواه أبو يعلى والبزار وزاد : وحسن الخلق ]

ربما كان تحصيل المال شيئًا صعبًا ، وربما كان الوصول إلى مركز قوي صعبًا أيضًا ، أما الشيء المتاح أنْ تطلب العلم ، ولا تنسوا أيها الإخوة أنّ قوة العلم هي أقوى قوة ، والدليل : أقوى أقوياء العالم لا يتحركون إلا باستشارة الخبراء ، ليس هناك إنسان قوي في العالم يتخذ قرارًا إلا بعدما يأخذ رأي الخبراء ، فالذين يحكمون في الحقيقة هم الخبراء ، لذلك الإمام الشافعي حينما فسر قوله تعالى :


( سورة النساء : 59 ) .

قال : أولي الأمر هم الأمراء والعلماء ، العلماء يعرفون الأمر ، والأمراء ينفذِّون الأمر ، فأن تجمع بين التفوق في الدنيا والتفوق في الدين شيءٌ رائع جداً ، والتفوق في الدنيا ليس للدنيا إطلاقاً، بل من أجل أن تزداد قدرتك على العمل الصالح.

العوام يقولون : ضربة المعلم بألف لو شلفها شلف ، يعني أنت حينما تطلب العلم بإمكانك أن تنقذ آلاف مؤلفة من الشقاء ، وأنت حينما تطلب العلم بإمكانك أن تنقذ الضالين ، وحينما تكون غنيًّا بإمكانك أن تمسح دموع البائسين ، وحينما تكون قوياً بإمكانك أن تنصف المظلومين ، فشيء جميل جداً أنك بإمكانك أن تنصف المظلوم ، إذا قنعت به ، لذلك علوُّ الهمة من الإيمان ، وباب العلم مفتوح على مصراعيه .

وقد قال بعض خلفاء أمية ينصح أولاده ، قال لهم :

يا أبنائي تعلموا العلم ، فإن كنتم سادة ، في الأصل ، فقتم ، وإن كنتم وسطاً سُدْتُم ، وإن كنتم سوقةً عِشْتم " ، من السوقة ، أيْ من عامة الناس تعيش بالعلم ، من الطبقة الوسطى تصبح سيداً، وإن كنت في الأصل سيداً تصبح متفوقاً .

أيها الإخوة : العلم أساس أيِّ تقدم ، والحديث عن هذا الخليفة الذي يعد من أهل العلم ، مَن يشبهه ؟ سيدنا صلاح الدين الأيوبي ، كان من العلماء العاملين ، عامل عالم قبل أن يكون قائدًا ، وفاتحً ، وردَّ الصليبيين ، إنه عالم فقيه ، يقرأ القرآن ، ويفهم تفسيره ، ويقرأ الحديث ، وله باع طويل في العلم ، فالحديث عن هذا الخليفة الزاهد خامس الخلفاء الراشدين حديث أطيب من نشر المسك ، وأزهى من قطع الروض ، وسيرته الفذَّة واحة معطارة ، أينما حللت منها ألْفَيْتَ نبتاً طريا ، وزهراً بهيا ، وثمراً جنيا ، وإذا لم يكن في وسعنا أن نستوعب الآن تلك السيرة التي ازدان بها التاريخ ، فإنّ هذا لا يمنعنا أن نقطف من روضها زهرة ، وأن نقبس من نورها ومضة، ذلك لأنه : ما لا يُدرَك كلُّه لا يُتْرَك بعضُه .

هناك صور ثلاثة منتزعة من حياة هذه الخليفة الراشد .

أول صورة : رواها لنا سلمة بن دينار، عالم المدينة ، وقاضيها ، وشيخها ، قال : قدمتُ على خليفة المسلمين عمر بن عبد العزيز ، وهو بقرية من أعمال حلب ، وكانت قد تقدّ‍متْ بيَ السنُّ، وبَعُد بيني وبيـن لقائه العهدُ ، يعني منذ أمد طويل لم يره ، فوجدتُه في صدر البيت ، غير أني لم أعرفه ، لتغيُّر حاله عما عهدتُه عليه يوم كان والياً على المدينة "، ما عرفه لتغيُّر حاله.

عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال قال عليه الصلاة والسلام : لو تعلمون ما أنتم لاقون بعد الموت ما أكلتم طعاما على شهوة أبدا ، ولا شربتم شرابا على شهوة أبدا ، ولا دخلتم بيتا تستظلون به ، ولمررتم إلى الصعدات تلدَمون صدوركم وتبكون على أنفسكم *

(الجامع الصغير)

أحيانًا الإنسان يقال له : تعال إلينا بعد يومين ، لنسألك عن بعض الموضوعات ، لا ينام الليل ، ولا يأكل ، ولا يشرب ، إنسان سيسألك ، وأنت بريء ، ولم تقترف إثماً ، ولم ترتكب جرماً ، ولك صفحة بيضاء ناصعة جداً ، ومع ذلك لا تنام الليل ، ولا تأكل ، تقول : ماذا يريدون مني ، يا ترى ما السؤال ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام لو تعلمون ما أنتم لاقون بعد الموت ما أكلتم طعاما على شهوة أبدا ، ولا شربتم شرابا على شهوة أبدا ، ولا دخلتم بيتا تستظلون به، ولمررتم إلى الصعدات تلدَمون صدوركم وتبكون على أنفسكم *

(الجامع الصغير)

أيها الإخوة : قال : قدمت على خليفة المسلمين وهو بقرية من أعمال حلب ، وكانت قد تقدمت بي السن ، وبَعُدَ بيني وبين لقائه العهدُ ، فوجدته في صدر البيت ، غير أني لم أعرفه لتغيُّر حاله عما عهدته عليه ، يوم كان والياً على المدينة ، فرحّب بي ، وقال : أدنُ مني يا أبا حازم ، فلما دنوتُ منه قلت : ألستَ أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ، قال بلى ، هذا يعني أنّه تَغَيَّر تغيُّرًا شديدًا ، وهذا أيها الإخوة الحزن المقدس ، وهذا هو القلق المقدس ، وهذا هو الخوف المقدس ، هناك قلق على الدنيا ، وخوف من الفقر ، وخوف من زوال بعض النعم ، وحزن على ما فات من الدنيا .

سيدنا الصديق رَضِي اللَّه عَنْه قرأت عنه كلمة لا أنساها : ما ندم على شيء فاته من الدنيا قط ، والنبي عليه الصلاة والسلام يعلِّمنا من خلال بعض أدعيته ، أن الدنيا لا قيمة لها ، فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ *

(رواه الترمذي)

ماذا دعا ؟ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يَنْفَعُنِي حُبُّهُ عِنْدَكَ اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ اللَّهُمَّ وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ *

(رواه الترمذي)

يعني بالنهاية زوجته ليست كما يريد ، وبيته ليس كما يريد ، ودخله ليس كما يريد ، وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ ، الدنيا مشغلة ، ومجبنة ، ومبخلة ، فربما لا تدري أن هذا الوضع المتوسط هو أنسب وضع لك أيها المؤمن ، وأن هذه المشكلة هي التي دفعتك إلى الله ، وأن هذه المصيبة هي التي حفزتك إلى باب الله ، فلذلك أنا متأثر جداً بقول الإمام الغزالي : ليس في الإمكان أبدع مما كان " ، فحينما أُخِذَ عليه هذا القولُ فَسَّره بعضهم وقال : أيْ ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني .

ألست أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ؟ قال : بلى ، فقلت : ما الذي حل بك ، ألم يكن وجهك بهيًّا ؟ وإهابك طريًّا ؟ وعيشك رخيا ؟ قال : بلى ، أنت خليفة الآن ، كنتَ واليًّا وكان وجهك بهيًّا ، وجلدك طريًّا ، وعيشك رخيًّا ، فما بالك ؟ يروون أنّ زوجتك مرة دخلت عليه ، وإنْ شاء آتيكم بالنص الكامل في وقت آخر ، فرأته يبكي ، استغربت ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!! أمير المؤمنين يبكي ! وهو في مصلاه ، سألته فلم يجب ، فلما ألَّحت عليه ، قال : يا فلانة إنَّ الله ولاّني أمر هذه الأمة، نظرت في الفقير الجائع ، وفي ابن السبيل الضائع ، وفي المقهور ، وفي الذليل ، والشيخ الكبير ، وصاحب العيال الكثيرة ، والدخل القليل ، ذكر أصناف من المعذبين ، فعلمت أن الله سيسألني عنهم جميعاً ، وأن حجيجي يوم القيامة هو رسول الله ، فلهذا أبكي ، لقد أدرك عظم المسئولية .

أحيانًا هناك كلمات فَقَدت مدلولها ، يقال : فلان مسؤول كبير ، يظن أنّ هذا مدح مسؤول كبير ، أيْ سوف يُسْأَل .


( سورة الصافات : 24 ) .

فقلت فما الذي غيَّر ما بك بعد أن غدوتَ تملك الأصفر والأبيض ، وأصبحتَ أمير المؤمنين، فقال : وما الذي تغيّر بي يا أبا حازم ، لم شعر ، فقلت : جسمك الذي نحل ، وجلدك الذي اخشوشن ، ووجهك الذي اصفر ، وعيناك اللتان خبتا ، أو خبا وميضهما ، فبكى ، وقال : فكيف لو رأيتني في قبري بعد ثلاث ، وقد سالت حدقتاي على وجنتي ، وتفسخ بطني وتشقّق ، وانطلق الدود يرتع في بدني ، إنك لو رأيتني آنذاك يا أبا حازم لكنتَ أشدَّ إنكاراً لي من يومك هذا .

أحد الإخوة الأكارم ، رويَ أن له صديقاً حميمًا ، من أقرب الناس إليه ، وكان غنياً منعماً، ويعيش حياةً تفوق حدَّ الخيال ، توفِّي له زوجتان ، وبعدها بأيام نُمِيَ إلى بعض السلطات أنه مات مسموماً ، فلا بد من فتح القبر ، وأخذ عينة من معدته ، ليتأكد المحققون من صحة هذه الدعوى ، يقول هذا الصديق : فلما فُتِح القبر ، فإذا المنظر لا يصدق ، منتفخ ، فلما بقر بطنه صدر صوت رهيب ، منتفخ ، مسود أزرق على أسود ، يقول : واللهِ بقيت أسبوعين ، وقد عزفتْ نفسي عن الطعام ، لهول هذا المنظر .

قال له : كيف لو رأيتني في قبري بعد ثلاث ، وقد سالت حدقتاي على وجنتي ، وتفسخ بطني وتشقق ، وانطلق الدود يرتع في بدني ، إنك لو رأيتني آنذاك يا أبا حازم لكنتَ أشدَّ إنكاراً لي من يومك هذا ، وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ لا أغبط أحداً في الدنيا إلا رجلاً عرف ربَّه فجهد في طاعته ، والعمل الصالح ، هذا الذي أراه ذكياً ، وأراه عاقلاً ، وأراه يستحق الإعجاب والتقدير ، بل هذا الذي عرف حقيقة الدنيا ، وتفاهتها ، وعمل للساعة الحرجة التي لا بد منها ، لساعة نزول القبر.

ورد في بعض الآثار أنه أول ليلة يدفن فيها الإنسان في قبره يقول الله عز وجل : عبدي رجعوا وتركوك ، وفي التراب دفنوك ، ولو بقوا معك ما نفعوك ، ولم يبق لك إلا أنا ، وأنا الحي الذي لا يموت .

ثم رفع بصره إلي ، وقال : أما تذكر حديثاً كنت حدَّثتَني به في المدينة يا أبا حازم ؟ فقلت : لقد حدَّثتُك بأحاديث كثيرة يا أمير المؤمنين ، فأيها تقصد ؟ فقال : إنه حديث رواه أبو ذر ، فقلت: نعم أذكره يا أمير المؤمنين ، فقال أعده علي ، فإني أريد أن أسمعه منك ، فقلت :

عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أبا ذر إن أمامك عقبة كؤودا لا يقطعها إلا كل مخف قال: يا رسول الله أمنهم أنا ؟ قال : إن لم يكن عندك قوت ثلاثة فأنت منهم*

[ الجامع الصغير ] .

فبكى عمر بكاءً شديداً ، خشيتُ معه أن تنشق مرارته ، ثم كفكف دموعه والتفت إلي ، وقال : فهل تلومني يا أبا حازم ، إذا أنا أهزلت نفسي لتلك العقبة رجاء أن أنجو بها ، وما أظنني ناجٍ ، هذا الخوف المقدس ، هذا القلق المقدس ، هذا الحزن المقدس ، هذا أرقى أنواع الحزن ، أن تبقى خائفاً من الله ، قلقاً على مصيرك الأخروي ، هذه الصورة الأولى .

الصورة الثانية : من صور حياة عمر بن عبد العزيز ، يرويها الطبري عن الطفيل بن مرداس ، يقول : إن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز حين ولي الخلافة كتب إلى سليمان بن أبي السري واليه على الصغد كتاباً قال فيه : اتخذْ في بلادك فنادقَ لاستضافة المسلمين ، فإذا مرَّ بها أحد منهم فاستضيفوه يوماً وليلة ، مجاناً ، وأصلحوا شأنه ، وتعهدوا دوابه ، فإذا كان يشكو نصباً ، السبب أنه في عهد هذا الخليفة العظيم جمعت أموال الزكاة ، وكأن الفقر قد انتهى ، لذلك لم يجد هذا الخليفة مصرفاً للزكاة ، فبدا له أن يفيَ عن الغارمين دَيْنَهم ، ثم أمر بهذه المرافق الحيوية كي تكون في خدمة المسلمين ، فإذا كان يشكو نصباً فاستضيفوه يومين وليلتين ، وواسوه ، فإذا كان منقطعاً لا مؤنة عنده ، ولا دابة تحمله ، فأعطوه ما يسدّ حاجته ، وأوصلوه إلى بلده ، فصدع الوالي بأمر أمير المؤمنين ، وأقام الفنادق التي أمره بإعدادها ، فَسَرَتْ أخبارُها في كل مكان ، وطفِق الناسُ في مشارق البلاد الإسلامية ومغاربها يتحدثون عنها ، ويشيدون بعدل الخليفة وتقواه.

فما كان من وجوه أهل سمرقند - هذه البلاد الآن تابعة للجمهوريات الإسلامية التي كانت تابعة للاتحاد السوفيتي - فما كان من وجوه أهل سمرقند إلا أن وفدوا على واليها ، سليمان بن أبي السري ، وقالوا : - الآن دققوا - إن سلفك قتيبة بن مسلم الباهلي قد دهم بلادنا ، من غير إنذار ، ولم يسلك في حربنا ما تسلكونه معشر المسلمين ، فقد عرفنا أنكم تدعون أعداءكم إلى الدخول في الإسلام ، فإن أبوا دعوتموهم إلى دفع الجزية ، فإن أبوا أعلنتم عليهم القتال ، هؤلاء أهل سمرقند بَلَغهم أن هذه هي الطريقة الشرعية لفتح البلاد ، أمّا هم فلم يُعرَض عليهم الإسلام ، ولم يُدعَوا إلى دفع الجزية ، بل حوربوا مباشرة ، فاشتكوا إلى الوالي الذي كان عليهم ، اشتكوا سلفه الذي داهم بلادهم ، وهو قتيبة بن مسلم الباهلي ، يقولون : وإنا قد رأينا من عدل خليفتكم وتقواه ما أغرانا بشكوى جيشكم إليه ، فقدَّم أهل سمرقند شكوى ، والاستنصار بكم على ما أنزله بنا قائد من قوادكم ، فأْذَنْ أيها الأمير لوفد منا بأن يَفِد على خليفتكم ، وأن يرفع ظلامتنا إليه ، اسمح لنا أن نرسل وفدًا إلى دمشق نرفع ظلامتنا على قتيبة بن مسلم الباهلي الذي داهمنا ، ولم يسلك الطريقة التي شرعها نبيُّكم ، فإذا كان لنا حق أعطيناه ، وإن لم يكن لنا حق عدنا من حيث ذهبنا ، فأذن سليمان لوفد منهم بالقدوم على الخلفية في دمشق ، فلما صاروا في دار الخلافة ، رفعوا أمرهم إلى خليفة المسلمين عمر بن عبد العزيز ، فكتب الخليفةُ كتاباً إلى واليه سليمان بن أبي السري ، يقول فيه : أما بعد ؛ فإذا جاءك كتابي هذا فأجلِسْ إلى أهل سمرقند قاضياً ينظر في شكواهم ، يكفي قاضٍ من عندك ، فإن قضى لهم ، فأمر جيش المسلمين بأنْ يغادر مدينتهم ، وادعُ المسلمين المقيمين بينهم إلى النزوح عنهم ، وعودوا كما كنتم ، ويعودون كانوا قبل أن يدخل ديارهم قتيبةُ بن مسلم الباهلي .

بلدة فتحت عن طريق الحرب ، ويعلم أهلها أن هذا الفتح فيه خلل شرعي ، يذهب وفدٌ منهم إلى خليفة المسلمين ، وبكل بساطة يقول للوالي عليهم : أَجلِسْ إليهم قاضياً يحكم بينهم وبين طريقة فتح بلادهم ، فإن كانوا على حق فأْمر جيشك أن يخرج من بلدتهم ، وأْمر المسلمين المقيمين بأن ينزحوا عنهم ، وعودوا كما كنتم قبل فتح البلدة ، تلك التي فتحها قتيبة بن مسلم الباهلي ، وهناك تفصيلات أدق من ذلك ، لقد أعطاهم كتاباً على شكل قصاصة صغيرة ، فما صدقوه ، هل هذا معقول ؟! جيش بكامله ينسحب بهذه القصاصة أو بهذه الكلمة !! .

فلما قدم الوُفد على سليمان بن أبي السري ، ودفع إليه كتاب أمير المؤمنين ، بادر ، أَجْلَسَ إليهم قاضي القضاة جميع بن حاضر الناجي قاضي القضاة ، أعلى قاض ، فنظر في شكواهم ، واستقصى أخبارهم ، واستمع إلى شهادة طائفة من جند المسلمين وقادتهم ، فاستبان له صحة دعواهم ، وقضى لهم عند ذلك ، الآن صدر قرار مِن قاضٍ مسلم يحكم على جيش إسلامي بالخروج من سمرقند ، لأن فتحها لم يكن شرعياً ، عند ذلك أمر الوالي جندَ المسلمين أن يُخلُوا لهم ديارهم ، وأن يعودوا إلى معسكراتهم ، وأن ينابذوهم كرّة أخرى ، فإما أن يدخلوا بلادهم صلحاً بالجزية ، وإما أن يظفروا بها حرباً ، وإما ألاّ يكتب لهم الفتح لو انهزموا ، لم يصدَّقْ أهل سمرقند لما جرى ، فما سمع وجوه القوم حكمَ قاضي القضاة لهم ، حتى قال بعضهم لبعض : وَيْحَكُم ، لقد خالطتُم هؤلاء القوم ، وأقمتم معهم ، ورأيتموهم من سيرتهم ، وعدلهم ، وصدقهم ما رأيتم فاسْتَبْقوهم عندكم ، وطِيبُوا بمعاشرتهم نفساً ، وقرُّوا بصحبتهم عيناً .

أذكر لكم قصة هامشية ربما ذكرتها مرة ، أنّ فلاحًا أعطوه أرض عشرين دُنُمًا ، حسب الأنظمة الإقطاعية النافذة سابقاً ، ففرح بها ، وسأل شيخه ، فقال له : يا بني هذا حرام ، هذا المال ليس لك ، لا بد أن تشتري هذه الأرض ، فقال له : ليس معي ثمنها ، قال له : أَعْرِضْ هذا على صاحب الأرض ، على أن يأخذ ثمنها منك تقسيطاً ، فذهب إليه ، يا سيدي : أنا أعطوني أرضًا من أراضيك الواسعة ، وسألت شيخي ، فأجاب بأنه لا أنْ أشتريها منك ، فما العمل ؟ وعندي هذا المبلغ اليسير ، ويعني أساورَ زوجته ، فقال له هذا الإقطاعي : واللهِ أنا ذهب مني أربعمائة دُنُمٍ فما رأيت واحدًا جاءني بهذه المقولة إلا أنت ، فهذه الدُّنُمات هي لك عن طيب نفس مني ، هدية لك فتمَلَّكْها ، وازرعها ، وانتفع بها ، وبارك الله لك فيها .

إنها قضية ورع ، فالجماعة رأوا من عدلهم ، ورحمتهم ، وإنصافهم فقالوا : ما لنا ولإخراجهم ، طيبوا بهم نفساً ، وقروا بهم عيناً ، هذه الصورة الثانية .

الصورة الثالثة من صورة حياة هذا الخليفة العظيم يرويها لنا ابن عبد الحكم ، في كتابه النفيس المسمى (سيرة عمر بن عبد العزيز) ، فيقول : لما حضرت عمرَ الوفاةُ ، دخل عليه مسلمة بن عبد الملك ، وقال : إنك يا أمير المؤمنين قد فطمت أفواه أولادك عن هذا المال ، فحبذا لو أوصيت بهم إليك ، أو إلى من تفضله من أهل بيتك ، فلما انتهى من كلامه قال عمر : أجلسوني، فأجلسوه ، فقال : قد سمعتُ مقالتك يا مسلمة ، أمَا إنّ قولك : قد فطمت أفواه أولادي عن هذا المال ، فإني واللهِ ما منعتهم حقاً هو لهم ، ولم أكن لأعطيهم شيئاً ليس لهم ، أما قولك : لو أوصيت بهم إلي ، أو إلى من تفضله من أهل بيتك ، فإنما وصيي وولي فيهم الله الذي نزل الكتاب بالحق ، وهو يتولى الصالحين ، واعلمْ يا مسلمة أن أبنائي أحدُ رجلين ؛ إما رجل صالح متقن فسيغنيه الله من فضله ويجعل له من أمره مخرجا ، وإما رجل طالح مكبٌّ على المعاصي فلن أكون أول من يعينه بالمال على معصية الله تعالى ، ثم قال ادعوا لي بنيّ ، موقف مؤثر جداً، أولاد سيدنا عمر ، ما أعطاهم شيئاً ، فدعوهم وهم بعضة عشر ولداً ، فلما رآهم ترقرقت عيناه ، وقلتُ - القائل مسلمة - في نفسي : فتية تركهم عالة لا شيء لهم ، وهو خليفة ، وبكى بكاءً صامتاً ، ثم التفت إليهم ، وقال أي بنيّ إني لقد تركت لكم خيراً كثيراً ، فإنكم لا تمرون بأحد من المسلمين ، أو أهل ذمتهم ، إلا رأوا أن لكم عليهم حقاً ، هذه السمعة الطيبة ، كيفما مشى ابن الرجل الصالح يقال له : رحمة الله على والدك ، هذه ثروة كبيرة جداً ، قال : إنكم لا تمرون بأحد من المسلمين أو أهل ذمتهم ، إلا رأوا أن لكم عليهم حقاً ، يا بنيّ إن أمامكم خياراً بين أمرين ، فإما أن تستغنوا ، أي أن تصبحوا أغنياء ، ويدخل أبوكم النار ، وإمّا أن تفتقروا ويدخل الجنة ، ولا أحسب إلا أنكم تؤثرون إنقاذ أبيكم من النار على الغنى ، كذلك ربّاهم تربية عالية ، ربّاهم على محبته ، ومحبة الحق ، ثم نظر إليهم في رفق وقال : قوموا عصمكم الله ، قوموا رزقكم الله، مسلمة ، يعني شيء أحد قواد بني أمية الكبار ، فالتفت إليه مسلمة ، وقال : عندي يا أمير المؤمنين ما هو خير من ذلك فقال : وما هو ؟ قال لدي ثلاثمائة ألف دينار - من ماله الشخصي - لدي ثلاثمائة ألف دينار ، وإني أهبها لك ففرِّقها عليهم ، أو تصدّق بها إذا شئت، فقال له عمر: أَوَ خير من ذلك يا مسلمة ؟! قال : وما هو يا أمير المؤمنين ؟ قال تردُّها لمن أخذتها منه ، أنى لك بهذا المبلغ الضخم ؟ تردّها إلى من أخذتها منه ، فإنها ليست لك بحق ، فترقرقت عينا مسلمة، وقال : رحمك الله يا أمير المؤمنين حياً وميتاً ، فقد ألَنْتَ منا قلوباً قاسية، وذكّرتها ، وقد كانت ناسية ، وأبقيت لنا في الصالحين ذكرا ، ثم تتبع الناسُ أخبارَ أبناء عمر من بعده ، فرأوا أنه ما احتاج أحد منهم ولا افتقر ، وصدق الله العظيم إذ يقول :


( سورة النساء : 9 ) .

ورد في الأثر أن الله سبحانه وتعالى يسأل عبداً أعطاه مالاً وفيراً يوم القيامة ، يقول له : عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ، يقول يا رب لم أنفق منه شيئاً على أحد مخافة الفقر على أولادي من بعدي ، فيقول الله عز وجل : ألم تعلم بأني أنا الرزاق ذو القوة المتين ، إن الذي خشيت على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم ، أي جعلتهم فقراء ، ويسأل عبداً آخر فيقول : عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ، يقول : يا رب أنفقته على كل محتاج ومسكين ، لثقتي بأنك خيرٌ حافظاً ،وأنت أرحم الراحمين ، فيقول الله عز وجل : عبدي أنا الحافظ لأولادك من بعدك .

يعني موضوع مستقبل أولادك منوط باستقامتك أنت ، ولو تركت لهم مئات الملايين ربما أصبحوا متسولين ، ربما أتلف المال كله ، ربما أنفق المال كله على المعاصي ، فلذلك سيدنا عمر بن عبد العزيز وقف هذا الموقف ، فهذه ثلاث صور .

أول صورة : نحوله وشدة خوفه من الله .

الصورة الثانية : موضوع سمرقند ، والشيء الذي لا يصدَّق .

الصورة الثالثة : كيف أنه لم يبق لأحد من أولاده شيئاً ، لكن الله أغناهم من فضله .

ومن الطُّرَف التي كانت تُرْوَى أن رجلاً من بني أمية بعدما توفي سيدنا عمر بن عبد العزيز قال له للخليفة الذي من بعده : إن جدك قد أقطعني أرضاً ، وإن عمر رحمه الله تعالى قد أخذها مني فعجب هذا الخليفة ، وقال له : الذي أقطعك الأرض لم تترحم عليه ، أما الذي أخذها منك ترحمت عليه !

كن مع الله ولا تبالي ، من أرضَى الله بسخط الناس رضي اللهُ عنه و أرضى عنه الناسَ .

هذه السيرة تعني أنْ تكون وقافاً عند كتاب الله ، تكون مع الحق ، صورة معاكسة ، شاب توفي أبوه منذ يومين ، فرأوه متجهاً إلى مكان لا يليق به ، إلى ملهى ، إلى أين ؟ فقال : أريد أن أشرب الخمر على روح والدي ، فإذا كان الإنسان قد ترك أموالاً طائلة ، ولم يعلِّم أولاده ، فكل هذا المال الذي ينفقه الأولاد في المعاصي يتحمل الأبُ إثمَه ، لذلك أندمُ الناس يوم القيامة رجلان - استمعوا - غنيٌّ دخل أولادُه بماله الجنة ، ودخل هو بماله النار ، جمعه من حرام فورِثه أولاده، الذين لو عرفوا الله لأنفقوه في طاعته ، فدخلوا بماله الجنة ، ودخل هو بماله النار ، وعالم دخل الناسُ بعلمه الجنة ، ودخل هو بعلمه النار ، لذلك الدعاء : اللهم إني أعوذ بك أن يكون أحد أسعد بما علمتني مني ، إنها مصيبة كبيرة أن توضِّح حديثًا ، أن توضح آية ، ثم يأتي إنسان فيفهمها ، ويعقلها ، ويطبقها ، فيسعد بها ، ويرقى بها ، والذي علَّمها لا يستفيد منها ، اللهم إني أعوذ بك أن أقول قولاً فيه رضاك وألتمس به أحد سواك ، اللهم إني أعوذ بك أن أتزيّن للناس بشيء يشينني عندك ، اللهم إني أعوذ بك أن أكون عبرة لأحد من خلقك ، فلا يكن الإنسان قصةً ، فإذا عصى وطغى ، وبغى ، عاقبه اللهُ عقابًا أليمًا ، وصار قصة يتناقلها الناس في مجالسهم ، وفي ندواتهم ، ولقاءاتهم ، اللهم إني أعوذ بك أن أكون عبرة لأحد من خلقك ، الله قال:


( سورة المؤمنون : 44 ) .

صاروا قصصًا وعِبرًا .

أيها الإخوة الكرام : دققوا في هذه السِّيَر ، هؤلاء التابعون مِن الذين ذكر عنهم النبي صلى الله عليه وسلم الشيء الكثير ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ *

(متفق عليه)

فهُم من القرن الذي تلا قرن النبي عليه الصلاة والسلام .

والحمد لله رب العالمين

***

_______

ابو عمر المصرى
12-13-2007, 11:44 AM
عمر بن عبد العزيز 2






بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الواعد الأمين ، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم ، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا ، وانْفعنا بما علَّمتنا ، وزِدنا علمًا ، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطلا وارزقنا اجْتِنابه ، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس التاسع عشر من سِيَر التابعين رِضْوان الله تعالى عليهم أجمعين ، وتابعيّ اليوم هو سيّدنا عمر بن عبد العزيز ، ولعلَّه الموضوع الثاني عن هذا الخليفة ، الذي عُدَّ بحَقٍّ خامس الخلفاء الراشدين ، فالحديث عن هذا التابعيّ الجليل عمر بن عبد العزيز حديث ذو شُجون ، فأنت لا تكاد تُلِمّ بِصُورة من صُوَر حياته الفذَّة حتى تُسْلمك إلى أخرى أكثر بهاءً .

مرَّةً كنتُ في تَشْيِيع جنازة ، دخلنا إلى المسجد لِنُصلِّي على الجنازة ، وقام أحد العلماء يريد أن يؤبِّن المُتَوفَّى ، الذي لا أنساهُ أبدًا ؛ قال : كان أخوكم مؤذِّنًا ترحَّموا عليه ، وانتهى التَّأْبين ! وأنا أعرف المُتوفَّى رحمه الله تعالى إنسانًا حياتهُ غنِيَّة مُتْرفةٌ ، وفي بيته ما لذَّ وطاب ، له دخْلٌ كبير ، وجالَ في أوروبا كلَّها ، مُتمتِّع بالحياة في أعلى درجة ، ولكن اسْتوْقفَتْني كلمة المؤبِّن أنَّه ما استطاع أن يقول مِن كلمتين ، كان أخوكم مؤذِّنًا ، ترحَّموا عليه فقلتُ في نفسي ؛ الإنسان عليه أن يدَعَ أعمالاً صالحةً يتحدَّث الناس عنه خمس دقائق أقلّ شيء ، عشر دقائق ، فكلَّما عظم الإنسان يصبح الحديــث عنه ذا شُجون ، يمكن أن نتحدَّث عن الصحابة الكرام سنوات ، وعن التابعين سنوات ، وتؤلَّف الكتب والمجلَّدات ، وتُحلَّلُ الشَّخصِيات ، تُدْرس المواقف، وتوصف الملامح ، فالإنسانُ العظيم هناك مَن يتحدّث عنه إلى أمدٍ طويل .

فهذا الخليفة الراشد ، كتُبٌ مؤلَّفة عن حياته ، وتحليلات لِشَخصِيَّاته ، ووصْفٌ لبيانه ، فالإنسان سيَمْضي ، بقيَت بطولته أن يدعَ أثرًا في الحياة ، والدليل قول الله عز وجل :


[ سورة يس ]

أيها الأخ الكريم ، دقِّقْ في حياتك الدنيا ، الحديث عن بيْتك لا يُقال عند الموت ؛ عن مساحته وتَزْييناته ، الحديث عن دَخلَك ، والحديث عن ملاذَّك ، وهذا كلّه لا يمكن يُقال عند الموت ، لا يُقال عند الموت إلا الأعمال الطيّبة التي تركتها ، الآثار الإيجابيّة التي حقَّقْتها ، الخدمات الجلّة التي قدَّمتها للإنسانيَّة ، وهذا ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ؛ صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له *

[رواه مسلم]

فالمؤمن العاقل يبحث ، ويسعى لِتَرْك أثرٍ يُخلِّدُه بعد الموت ، ومَن ترك أثرًا طيِّبًا إيجابيًّا كأّنه ما مات .

قبل حين تُوفِّيَ أحد علماء دمشق ، وكانت التَّعزيَة في الجامع الأموي ، وأذكر أنَّ وزير الأوقاف وقتها قدَّمَ بِشارة للمُعزِّين ، أنَّ ابن هذا العالم عُيِّن خطيبًا لهذا المسجد ، فلمّا ألقى ابنهُ كلمةً ، قلتُ : واللهِ ، الأب ما مات ! ما دام قد تركَ عالمًا ، وخطيبًا ، وداعِيَةً إلى الله عز وجل ، معنى ذلك أنّ الأب لم يمُت ، فأنت أيها الأخ الكريم إذا تركْت عملاً طيِّبًا فما مِتَّ ، ولا تموت ، يقول سيّدنا عليّ كرَّم الله وجهه : يا بنيّ ماتَ خُدَّام المال وهم أحياء ! التخطيط جيّد ، والقلب جيّد والبسَّامات جيِّدة ، والعضلات والأسيد أوريك ، والنِّسَب من أعلى النِّسَب ، قال : مات خزَّان المال، وهم أحياء ، والعلماء باقون ما بقيَ الدَّهر ، أعيانهم مفقودة ، وأمثالهم في الثلوب موجودة، معنى ذلك أنَّ الإنسان عليه أن يدَعَ أثرًا في حياته .

نحن بعد أربعةً عشرة قرْنًا نتحدَّث عن هذا الخليفة العظيم بكلّ طيبٍ ، إذًا هو لمْ يمُتْ ، مرَّةً سألتُ طُلاَّبي عن اسم تاجرٍ عاش سنة ألف وثمانمئة وثلاثة وثمانين في دمشق ، وله عندي علامة تامَّة ؟ فما تذكَّر أحد إطلاقًا ‍! فقلت لهم : وأنا معكم لا أعرف !! العلماء باقون ما بقي الدَّهر ، القوَّاد العظام ، والفاتحون ، والذين تركوا بصماتٍ على الإنسانيّة ، هؤلاء ما ماتوا ، لذلك اِجْهَدوا أن تعملوا عملاً يُخلِّدُكم إلى أبد الآبدين ، وما من عملٍ أعظم من أن تضع علمًا نافعًا ، أو ولدًا صالحًا ، أو صدقةً جاريَة .

هناك ثلاث صُوَرٍ عن هذا الخليفة العظيم ؛ الأولى يَرْويها دُكَيْم بن سعيد الدارمي أحد الشعراء الرجاز البداة ، وهذا شاعر تعامل مع هذا الخليفة يروي هذه القصَّة ، قال : امْتدَحْتُ عمر بن عبد العزيز يوم كان واليًا على المدينة ، فأمر لي بِخَمس عشرة ناقةً من كرائم الإبل ، فلمَّا صِرْن في يدي تأمَّلْتهنّ فراعني منظرهنّ ، وكرهْتُ أن أمْضي بهنّ وحدي في فِجاج الأرض خوْفًا عليهِنّ ، ولم تَطِبْ نفسي بِبَيْعِهِنّ ، مدحَ هذا الشاعر سيّدنا عمر بن عبد العزيز بِقَصيدة رائعة أعطاهُ عليها خمس عشرة ناقة من كرائم الإبل ، قال : ، فلمَّا صِرْن في يدي تأمَّلْتهنّ فراعني منظرهنّ ، وكرهْتُ أن أمْضي بهنّ وحدي في فِجاج الأرض خوْفًا عليهِنّ ، ولم تَطِبْ نفسي بِبَيْعِهِنّ ، وفيما أنا كذلك قدِمَت علينا رُفْقةٌ تبتغي السَّفر نحْوَ دِيارنا في نَجد ، فسألتهم صحبةً ، فقالوا : مرحبًا بك، ونحن نخرج الليلة فأعِدَّ نفسك للخروج معنا ، فمَضَيْت إلى عمر بن عبد العزيز مُوَدِّعًا ، فألْفَيْتُ في مجلسهِ شيخَين لا أعرفهما ، فلمَّا هَمَمْتُ بالانصراف ، الْتفتَ إليّ ، وقال : يا دُكَين : إنَّ لِيَ نفسًا توَّاقة ، فإذا عرفْت أنِّي بلغت أكثر مِمَّا أنا فيه الآن فأْتِني ، ولك منِّي البرّ والإحسان ، إن عرفت أنَّني سأصلُ إلى مرتبةٍ أعلى فأتنِي ، ولك منِّي البرّ والإحسان ، نفسهُ توَّاقة وطموحة .

أيها الإخوة الكرام ، أتظنّ أنّ المؤمن غير طَموح ؟ والله الذي لا إله إلا هو لطموح المؤمن الواحد يعْدل طموح ملايين من أهل الدنيا ، لأنَّ أهل الدنيا يطْمحون إلى الدنيا ، والدنيا زائلة ، ولكنَّ المؤمن يطْمحُ لِحَياةٍ أبدِيَّة بعد الموت ، فأيُّهما أشدُّ طموحًا ؟ المؤمن مُتَوَقِّتْ ، كالمِرْجَل ، نفسهُ توَّاقة وطموحة ، وهِمَّتُهُ عالِيَة ، وعزيمتهُ صلبة ، المؤمن لا يشيخُ أبدًا ؛ شابّ دائمًا ، ولو بلغَ من الكِبَر عِتِيًّا ، نفسهُ شابَّة ؛ لأنَّ هدفهُ كبير ، وطموحهُ كبير ، ونفسيَّتُهُ عالِيَة جدًّا ، لِدَرجة أنَّه لا يرضى بالأكل والشرب فقط كعامَّة الناس ، يريد أن يُحقِّق مبدأً ، ويعيشُ لِهَدفٍ نبيل ، له رسالة يحملها سيّدنا عمر بن عبد العزيز ، قال له : إنَّ لِيَ نفسًا توَّاقة ، فإذا عرفْت أنِّي بلغت أكثر مِمَّا أنا فيه الآن فأْتِني ، ولك منِّي البرّ والإحسان ، فقلتُ : أشْهِدْ لي بذلك أيها الأمير ؟ يبْدو أنَّ الشاعر كان ذا دُعابة ؛ أيْ طلب منه أن يحضر شاهدًا لأنَّ العرْض خطير جدًّا ، فأنت الآن والي ، وما الذي هو فوق الولاية ؟ أن تكون خليفة ، فإذا أشْهَدْت لي من يقول هذا الكلام وقْتَها فلي منك العطاء الكثير ، فقلتُ : أشْهِدْ لي بذلك أيها الأمير ؟ فقال : أُشْهِدُ الله تعالى على ذلك ‍، أيْ إذا أتَيْتني وأنا في مرتبةٍ أعلى من هذه المرتبة لك مِنِّي البرّ والإحسان ، هذا الكلام كان لمَّا كان واليًا، فقلتُ : من خلقهِ ؟ أيْ أريد شاهدًا من خلْقه ، فقال : هذين الشَّيْخَين ، فأقْبلْتُ على أحدهما ، وقلتُ: بأبي أنت وأمِّي : قلْ لي ما اسْمك حتى أعْرفك ؟ فقال : سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب ‍! فالْتَفَتُّ إلى الأميــر ، وقلتُ : لقد اسْتسْمَنْتُ الشاهد !! أي هذا الشاهد جيّد ، ثمَّ نظرْتُ إلى الشيخ الآخر وقلتُ : ومن أنت جُعِلْتُ فداك ؟ فقال : أبو يحيى مولى الأمير ، فقلْت: وهذا شاهدٌ من أهله، كان شاعرًا ذو دعابة .

قال : ثمَّ حيَّيْت ، وانْصرفْتُ بالنُّوق إلى ديار قومي في نَجْد ، إذًا سيّدنا عمر نفسهُ توَّاقة، فهل هذا منْقصَةٌ في حقّ المؤمن ؟ لا ، كُنْ توَّاقًا ، إلا أنَّ المؤمن طموحهُ يتَّصِل إلى الآخرة ، ولكنَّ طموح أهل الدنيا ينتهي عند الدنيا ، طموح المؤمن يسْتمرّ إلى الآخرة .

قال : فرمى الله فيهنّ البرَكة حتى اقْتَنَيْتُ من نِتاجهنّ الإبل والعبيد ، أي هذه الخمس عشرة ناقة طرحَ الله فيهنّ البرَكة ، ثمَّ دارَت الأيَّام دوْرتها ، فبَين أنا بِصَحراء ثلجٍ من أرض اليَمامة في نجْد ، إذْ ناعٍ ينعي أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك - الذي قبل سيّدنا عمر - فقلْتُ للناعي : ومَن الخليفة الذي قام بعدَهُ ؟ فقال : عمر بن عبد العزيز ، - تحقَّق طموحه - فما إن سمعْتُ مقالتهُ حتَّى شدَدْتُ رحالي نحو بلاد الشام ، فلمَّا بلغْتُ دمشق لقيتُ جريرًا منْصرفًا عند الخليفة فحيَّيْتُهُ ، وقلــتُ : من أين يا أبا حمزة ؟ فقال : من عند خليفة يعطي الفقراء ، ويمنعُ الشعراء ! اِرْجِعْ من حيث أتَيْتَ فذلك خير لك ، فقلتُ : ليَ شأنٌ غير شأنِكم ، أنا لي وضْع خاصّ، لي معه شاهدين ، وعهْد ، فقال : أنت وما تريد ! فانطلقتُ حتى بلغتُ دار الخليفة ، فإذا هو في باحة الدار، وقد أحاط به اليتامى والأرامل وأصحاب الظلمات ، فلم أجِد سبيلاً إليه من تزاحمهم عليه فرفعْتُ صوتي مرتفعًا :

يا عمر الخيرات والمكارم وعمر الدسائع العظائم
الدسائع جمعُ دسيعة ، وهي الجفنة العظيمة ، والقدر الذي يُقدَّم فيه الطعام .

قال :

إنِّي امرؤٌ من قطنٍ من دار طلبْتُ دَيني من أخي المكارم
فنَظَرَ إليّ مَولاه أبو يَحيى نظْرة طويلة ، ثمَّ الْتفتَ إليه وقال : يا أمير المؤمنين : إنَّ عندي لهذا البدويّ شهادةً عليك ! كان أحد شهوده مولاه أبو يحيى ، فقال : أعرفها ! ثمَّ الْتفتَ إليّ وقال : اُدْنُ مِنِّي يا دُكَين ، فلمّا صِرْت بين يديه مال عليّ وقال : أتَذْكرُ ما قلتهُ لك في المدينة من أنَّ نفسي ما نالَت شيئًا قطّ ، إلا أنَّها تاقَتْ إلى ما هو أعلى منه ؟ فقلتُ : نعم ، يا أمير المؤمنين ! فقال : وهذا أنا ذا نِلْتُ غايَةَ ما في الدنيا ، وهو المُلك ، فنَفْسي الآن تتُوقُ إلى غايَة ما في الآخرة، وهي الجنَّة!

ومرَّةً قال : تاقَت نفسي إلى الإمارة فلمَّا بلغْتُها ، تاقَت نفسي إلى الخلافة ، فلمَّا بلغتها تاقَت نفسي إلى الجنَّة ، وتسعى إلى الفَوْز بِرِضْوان الله عز وجل ، ولئن كان الملوكُ يجعلون الملك سبيلاً لِبُلوغ عزِّ الدنيا ، فلأجْعلنَّهُ - أي المُلك - سبيلاً إلى بلوغ عزّ الآخرة ! هؤلاء حجَّة على من سِواهم ، يمكن أن تكون ملكًا ، ويمكنُ أن ترقى إلى الجنَّة ، الجنَّة لا تغلقُ أمام أحد ، ولو كان ملكًا.

ثمَّ قال : يا دُكَين ، إنّي والله ما رزأْتُ - أخذْتُ - المسلمين في أموالهم درهمًا ولا دينارًا منذ وُليتُ هذا الأمر ، وإنِّي لا أملكُ إلا ألف درهمٍ فَخُذْ نصفها ، واتْرُك ليَ نصْفها ! فأخذْتُ المال الذي أعْطانيه ، فوالله ما رأيْتُ أعظمَ منه بركةً ! هذه أوَّل صورة ، شاعر أعْطاه يوم كان أميرًا خمس عشرة ناقة ، فلمَّا صار خليفةً أعطاه خمسمئة دينار من ماله الشَّخصي ، وهو يُقسمُ أنَّه ما أخذ دينارًا واحدًا من مسلمٍ من رعِيَّتِهِ .

سيّدنا عمر بن الخطّاب قال هذا ، قال : أيّها الناس ، لكم عليّ خمسُ خِصال خُذوني بهنّ ؛ لكم عليّ أن لا آخذ من أموالكم شيئًا إلا بِحَقِّها ، ولكم عليّ أن لا أنفقَ هذا المال إلا بِحَقِّه ، وإذا غِبْتُ في البعوث ، فأنا أبو العيال حتى ترجعوا ، ولكم عليَّ أن أزيد عطاياكم إن شاء الله تعالى ، ولكم عليَّ أن لا أُجمِّركم في البعوث .

الصورة الثانيَة يرْويها قاضي الموصِل يحيى بن يحيى الغسَّاني ، يقول : بينما عمر يطوف ذات يومٍ في أسواق حمص يتفقَّد الباعة ، ولِيَتَعَرَّف على الأسعار - سيّدنا عمر بن الخطَّاب ما اسْتقْدمَ واليًا إلا وسألهُ كيف الأسعار عندكم ؟ - إذْ قام إليه رجلٌ عليه برْدان أحمران قطريَّان وقال: يا أمير المؤمنين ، لقد سمعتُ أنَّك أمرْت من كان مظلومًا أن يأتِيَك ؟ فقال : نعم ، وها أنا قد أتَيْتُكَ ، وها قد أتاك رجل مظلومٌ بعيد الدار ، فقال عمر : وأين أهلك ؟ فقال : في عَدَن ، جاءه من عدن إلى حمص ، فقال عمر : إنَّ مكانك من مكان عمر لبعيدٌ ، ثمَّ نزل عن دابَّتِهِ ووقفَ أمامه وقال : وما ظلامتُكَ ؟ فقال : ضَيْعَةٌ لي - بستان - وثَبَ عليها رجل مِمَّن يلوذون بك ، وانْتَزَعَها مِنِّي ، فكتَبَ عمر كتبًا إلى عروة بن محمَّد واليه على عَدَن يقول فيه : أما بعد ، فإذا جاءك كتابي هذا فاسْمَع بيِّنَة حامِلِه فإن ثبتَ له حقّ فادْفَعْ له حقَّه ، ثمَّ ختَمَ الكتاب ، وناولَهُ الرجل، فلمَّا همَّ الرَّجل بالانصراف قال له عمر : على رِسْلِك ، إنَّك قد أتَيْتنا من بلدٍ بعيد ، ولا ريْبَ في أنَّك اسْتنفذْتَ في رحلتك هذه زادًا كثيرًا ، وأخلقْتَ ثيابًا جديدة ، ولعلَّه نفقَت لك الدابة ، ثمَّ حسب ذلك كلَّه فبلغَ ذلك أحدَ عشر دينارًا ‍! مبلغٌ ضخمٌ جدًّا ، فدَفَعَها إليه ، وقال : أَشِعْ هذا في الناس ، قلْ للناس : إنّ عمر أعطاني نفقة السَّفَر ، حتى لا يتثاقلَ مظلومٌ عن رفْعِ ظُلامتِهِ بعد اليوم مهما كان بعيد الدار.

النقطة أنَّه مظلوم ، وسوف يأخذ حقَّهُ ، ولكن أراد أنَّ المظلوم الذي يقْبع في أماكن نائيَة ، يُشَجِّعه لأن يأتي إلى الخليفة ، ويعرض عليه ظلامته ، ويأخذ نفقَة السَّفَر ، حتى لا يتثاقلَ المظلوم في أن يأتي إلى عمر ، هذه الصورة الثانيَة التي نقلها أحد القضاة .

وأما الصورة الثالثة ، هذه الصـورة يرويها العابد الزاهد زِياد بن ميْسَرَة المخزومي بِالولاء ، فيقول : أرسلني موْلاي عبد الله بن عياش من المدينة إلى دمشق للِقاء أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز في حوائج له ، وكانت بيني وبين عمر صِلَةٌ قديمة ترجعُ إلى عهْد ولايتِهِ على المدينة ، فدخلْت عليه فإذا عندهُ كاتبٌ يكتب له ، فلمَّا صرْتُ في عتبة الحجرة قلْتُ : السلام عليكم، فقال : وعليكــم السلام ورحمة الله يا زِياد ‍! ثمَّ مضَيْتُ نحْوهُ خَجِلاً ، لأنّي لم أُسلِّمْ عليه بإمرة المؤمنين ، هو أمير المؤمنين الخليفة ، وقال له : السلام عليكم ! فلمَّا انْتَهيْتُ إليه قلتُ : السَّلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله تعالى وبركاته ، عدَّلَ ! فقال : يا زِياد إنَّني لمْ أُنْكرْ عليك السَّلام الأوّل ، فما الحاجة إلى الثاني ؟! المؤمن يتعلَّق بالحقائق ، وبِجَوْهر الحياة .

أيها الإخوة الكرام ، المؤمن إذا أحْكم اتِّصالهُ بالله عز وجل يسْتغني عن ثناء الناس ، وعن تعظيمهم ، وعن تبْجيلهم ، وعن توْقيرهم ، لا يتعلَّق بهذا إلا من أقصى قلبه من الاتّصال بالله عز وجل ، وأساسًا أكبر نقطة ضَعْف في الإنسان اسْتِجداء المديح ، طبْعًا فقْرُهُ الداخلي يحملُهُ على اسْتِجداء المديح ، لو أنَّه وصلَ إلى شيءٍ من الله عز وجل ، إلى السكينة التي أخبر الله عنها ، إلى الصَّلوات التي ذكرها الله تعالى في القرآن الكريم ، قال تعالى :


[ سورة التوبة ]

لو أنَّ الإنسان أشْرقَت نفسهُ بِنُور الله عز وجل لا يهتمّ بهذه الشَّكْليَّات ، ولا بهذه العبارات ، فهي عندهُ لا تقدِّم ولا تؤخِّر ، فقال : يا زِياد إنَّني لمْ أُنْكرْ عليك السَّلام الأوّل ، فما الحاجة إلى الثاني؟! فكان كاتبُهُ إذْ ذاك يقرأُ عليه مظالمَ جاءتْهُ من البصرة مع البريد ، فقال لي : اِجْلسْ يا زياد حتَّى نفْرغَ لك ، فجلسْتُ على خشبة الباب ! بالمناسبة الإنساني العظيم طبيعي ، والإنسان الصغير إذا عظُمَ فجأةً يتكلَّف ! فلو جلسْت مع النبي صلى الله عليه وسلَّم ، دخل عليه أحدهم فأصابتْه رعدة : فقال : إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة " ، كلَّما الْتقيْت مع العظماء رأيتهم قريبين منك ، حتى إنَّه قيل : ما من أحدٍ خالَطَ النبي صلى الله عليه وسلَّم إلا ظنَّ أنَّهُ أقربُ الناس إليه ‍‍! وهذه من عظمة النبي عليه الصلاة والسلام ، وقيل عنه : ما رآهُ أحدٌ بديهةً إلا هابهُ، وما خالطهُ إلا أحبَّه ، لكنَّك إذا خالطتَهُ ترى نفسكَ قريبةً منه جدًّا ، وتراه قريبًا منك ، فالتَّكَلُّف ليس من صفات المؤمنين، لا تتكلَّف التَّصنّع والكهنوت !! هذا ليس من صفات المؤمنين ، ويتناقض مع الفطرة السليمة ، فأنت عظيمٌ جدًّا إذا كنت طبيعيًّا .

فقال لي : اِجْلسْ يا زياد حتَّى نفْرغَ لك ، فجلسْتُ على خشبة الباب ! والكاتب يقرأ عليه ، وعمر يتنفَّس الصُّعداء من الهمّ ، فلمَّا فرغَ كاتبهُ من قراءة الرِّقاع التي معه ، وانطلقَ إلى شأنه ، قام عمر من مجلسِهِ ومشى إليه ، حتى جلسَ بين يديّ عند الباب ، ووضعَ يديْه على ركبتي ، ثمَّ يقوم سيّدنا عمر بن عبد العزيز بنفسه عند هذا المولى الذي جاءهُ من المدينة ، وقد أرجأهُ قليلاً لِيَحلّ قضايا المظالم ، يبدو أنَّه غفل ، فقال لِزِياد : هنيئًا لك يا زياد ، لقد اسْتدفأْتَ بِمَدْرعتِكَ ، واسْترحْتَ مِمَّا نحن فيه ! الخلافة كانتْ عبئًا ، سيّدنا عمر قال : لسْتُ خيرًا من أحدكم ، ولكنَّني أثقلكم حِمْلاً ، والله لو تعثَّرَتْ بغلةٌ في العراق لحاسبني الله عنها ، لِمَ لمْ تفْسِح لها الطريق ياعمر؟!!!

مرَّةً حرمَ نفسهُ أكلَ اللَّحْم مدّةً طويلة ، فأصبحَ في بطنهِ صوتًا ، فقال : قَرْقِرْ أيُّها البطْن أو لا تُقَرْقِرْ ، فوالله لن تذوق اللَّحْم حتى يشبعَ منه صِبْيَة المؤمنين !!!.

قال : لقد اسْتدفأْتَ بِمَدْرعتِكَ ، واسْترحْتَ مِمَّا نحن فيه ! مرَّةً دخلتْ عليه زوجتهُ فاطمة ، فرأتْهُ يبكي في مُصلاَّه ، قالتْ له : ما لكَ تبكي ، فقال : دعيني وشأني ، فلمَّا ألحَّتْ عليه ، قال : إنِّي وُلِّيتُ هذا الأمْر ، فذكَرْتُ الفقير الجائع ، والضَّعيف ، وذو الحاجة ، والأسير ، والمظلوم ، وذا العِيال فعَلِمْتُ أنَّ الله سيُحاسبني عن هؤلاء جميعًا ، وأنّ حجيجَهـم دوني رسولُ الله ، فلهذا أبكي ، دعيني وشأني !

وكانت عليَّ مدْرعة صوف ، ثمَّ طفقَ يسألني عن صُلَحاء أهل المدينة ؛ رِجالهم ونسائهم واحدًا واحدًا ، فما ترك منهم واحدًا إلا وسألني عنه ، ثمّ سألني عن أشياء كان أمرَ بها في المدينة حينما كان واليًا عليها ، فأخبرتهُ عن كلّ ما سأل ، ثمَّ تنهَّد وقال : يا زياد ألا ترى إلى ما وقع فيه عمر ؟ فقلتُ : إنِّي أرجو لك في ذلك خيرًا ‍وأجْرًا ، فقال : هيهات ‍! ثمَّ بكى حتى رثَيْتُ له ، وقلتُ: اِرْفِق بِنَفسك يا أمير المؤمنين فإنِّي لأرجو لك خيرًا كثيرًا فقال : ما أبْعَدَ ما ترْجوهُ يا زياد!.

الآن اِسْمع أيها الكريم كيف يصِفُ مَنْصِبَ الخلافة ؟ قال: لقد أصْبح في وُسعي أن أشْتِمَ ولا أُشْتَم ، وأن أضْربَ ولا أُضرَب ، وأن أوذِيَ الناس ولا أوذَى بأحد ، مَن بإمكان مجابهة الملك؟ ومن بإمكانه أن يضربهُ ؟ منْصب الملك أعلى منصب ، قال له : لقد أصْبح في وُسعي أن أشْتِمَ ولا أُشْتَم وأن أضْربَ ولا أُضرب ، وأن أوذِيَ الناس ولا أوذَى بأحد ، ثمَّ بكى ، انظروا الخوف من الله عز وجل !! قال : ثمَّ بكى كرَّةً أخرى حتى جعلتُ أرثي له ، ولقد أقمْت عندهُ أيامًا ثلاثة حتى قضى ما أرسلني به مولاي ، فلمَّا هممْتُ بالانصراف زوَّدني بِكتابٍ إلى سيّدي يسألهُ فيه أن يبيعني منه ، ثمَّ أخرج من تحت فراشه عشرين دينارًا ، وقال : اسْتَعِن بهذا المال على دنياك ، ولو كان لك حقّ في الفيء لأعْطَيناك ، فأبيْتُ أن آخذ المال منه ، فقال : خُذْهُ فما هو من مال المسلمين إنَّما هو من نفقتي ، فامْتنعْتُ عن أخذه ، ولكنَّه ما زال بي حتى أخذتهُ منه ، ومضَيْتُ ، فلمَّا بلغْت المدينة دفعْت بكتاب أمير المؤمنين إلى مولاي ، ففضَّه ، وقال : إنَّما سألني أن أبيعك له لِيُعْتِقَكَ ! فلِمَ لا أكون أنا المُعْتِقُ لك ؟ ثمّ أعْتقَهُ .

أيها الإخوة الكرام ، هذا نموذج وهو أنَّه ما من عملٍ على وجه الأرض إلا ويمكن أن يكون طريقًا إلى الجنَّة ، وهذه عظمة الإسلام ، وقد قلتُ لكم سابقًا : الإنسان في عمله ومهنته ، وحرفته ، ووظيفته ، ومنصبهُ ، كرسيّه في الجامعة ، منصبه في الطب ، والتدريس ، تجارته ، صناعته ، العمل الذي ترتزق منه إذا كان في الأصل مشروعًا ، وسلكْت به الأساليب المشروعة التي بيَّنها الله ، أيْ لم تكذب ، ولك تغشّ ، ولم تُدلِّسْ ، ولك تظلِم ، ولم تحْتكِر ، ولم تستغلّ ، إذا كان العمل في الأصل مشروعًا وسلكْت به الأساليب المشروعة ، ولم يشْغلْك عن فريضة أو واجبٍ أو طلب علْم ، وأردْت به كفاية نفسك وأهلك ، وخدمة المسلمين انقلب العمل إلى عبادة ، فهذا الخليفة العظيم جعل من هذا المنصب العالي طريقًا إلى الجنَّة ، وكلّ واحد من سعادته أن يجعل ممَّا أقامه الله فيه ، الله أقامك تاجرًا أو موظَّفًا ، مدرِّسًا ، طبيبًا ، بائعًا ، أيّ عملٍ أقامك الله به بإمكانك أن تجعلهُ طريقًا إلى الجنَّة ، والحياة محدودة ، وقصيرة ، وهذه الحياة مزرعة الآخرة فانتَبِهوا أيّها الإخوة .

أيها الإخوة ، العادات إذا رافقتْها النوايا الطَّيِّبَة انقلبَت إلى عبادات ، فكلّنا نأكل ، ونشرب، وننام ، ونسكن في بيت ، ولنا عمل ، ونتنزَّه أحيانًا ، والله الذي لا إله إلا هو يمكن أن تكون نزهتك مع أولادك عبادة ، إذا نوَيْتَ أن تُكْرمهم ، وأن تمكِّن علاقتهم بك ، وأن تضعَ اللّقمة في فم زوجتك هي لك صدقة ، أن تجلس مع أهلك تؤْنسهم بِحَديثك هو لك صدقة ، فالإنسان إذا عرف الله عز وجل فكلّ ذلك محْسوم ، كلّ شيءٌ يعمله هو عملٌ صالح يرقى به ، فالعِبرة أن تعرف الله تعالى أوَّلاً ، وأن تعرف سرّ وجودك ثانيًا ، وغاية وجودك ، الآن كلّ حركاتك وسكناتك أعمال صالحة ، حتى الأعمال التي تظنّها عاديّة ، أن تشتري بيتًا لابنك ، أطْعم أهله ، ودعا إخوانه إلى طعام ، أخذ أهله إلى نزهة ، ارتدى ثيابًا جديدة ، بصفته مسلمًا ، فالظهور بمظهر أنيق واجب ، فالأعمال العاديّة بالنوايا الطَّيّبة تنتقل إلى عبادات ، والأعمال الجليلة تنقلب إلى عبادات ، خليفة المسلمين قال : الناس يتَّخذون الملك ليكون طريقًا إلى الدنيا ، وأنا أتَّخذه طريقًا إلى الآخرة ، فيمكن لأيّ عملٍ على الإطلاق ، طبعًا إذا كان مشروعًا ، أن يكون لك طريقًا إلى الجنَّة ، فعلى الإنسان مراجعة حساباته ، ويجتهد في معرفة الله ، ومعرفة كتابه ومنهجه ، حتَّى تنقلب حياته إلى مغانمَ لا إلى مغارم ، فهناك مَن يموت ، قال تعالى :


[ سورة الكهف ]

وهناك من أَلْفُهُ كأُفّ ‍! العبرة أن تعرف ربّك ، وأن تعرف منهجه ، وبها تصير حركاتك كلّها صالحة ، عملك ، وبيتك ، وتربية أولادك ، إطعامك لأهلك ، نشاطك الاجتماعي كلّه في سجلاّت الأعمال الصالحة ، فهذا الدرس عن سيّدنا عمر بن عبد العزيز ثلاثة صور ؛ الصورة الأولى والثانية والثالثة تؤكِّد أوَّلاً نفسًا توَّاقة ، فالمؤمن طموح لأعلى درجة ، ولكن طموح المؤمن لا ينتهي عند الدنيا ، بل ينتهي إلى الآخرة ، فالدنيا مَطِيَّة، والحياة جميلة ، لكن لمَن عرف الله ، يقول أحد العارفين بالله تعالى : مساكين أهل الدنيا ، جاؤوا إلى الدنيا ، وغادروها ، ولم يعرفوا أجْمل ما فيها ! يقول أحد العارفين بالله : ماذا يفعل أعدائي بي ؟ بستاني في صدري إن حبسوني فحَبسي خَلوَة ، وإن أبعدوني فإبعادي سِياحة ، وإن قتلوني فقتْلي شهادة ، فماذا يصْنعُ أعدائي ؟!! وهذه دعوة لطيفة من الله عز وجل ، قال تعالى :


[ سورة النحل ]

أنت بِمَعرفة الله تجعل حياتك ذات معنى ، لذلك حياة العظماء عظيمة جدًّا ، هل تصدِّقون أنَّ الله سبحانه وتعالى أقْسمَ بماذا ؟ بِعُمُر النبي ! قال تعالى :


[ سورة النحل ]

خالق الكون يُقْسمُ بِعُمُر النبي ، فالعُمْر قد يكون قصيرًا جدًّا ، فالنبي عليه الصلاة والسلام جاء الدنيا ، وعاش فيها ثلاث وستِّين سنة ، قلبَ وجْه الأرض ، وعمَّت الفضيلة في القارَّات الخمْس ، سمعتُ البارحة عشرة ملايين مسلم في أمريكا ، الآن بفرنسا الدِّين الثاني هو الإسلام ، فأيّ طالب في التعليم من حقِّه أستاذ دِيانة إسلامي ! فالنبي خلال ثلاث وستِّين سنة عمَّ الهدى الأرض ، والإسلام في توسّع ، لذلك الإنسان إذا أراد أن يتْرك شيئًا في الحياة الله عز وجل يعينه على ذلك ، ويكرمه ، فما علينا إلا أن نتحرَّك ، والله معنا والعوام يقولون كلمة أحبّها : عبْدي قُم أقمْ معك ! أنت تحرَّك ؛ اُتْرك عملاً صالحًا ، وأثرًا ، اُدْعُ إلى الله ، دُلَّ الناس على الله ، أتْقِن عملك ، وانْصح المسلمين ، أما الإنسان الذي لا عمل له ، فلا شيء له عند الله تعالى ، فحجْم الإنسان عند الله بِحَجم عمله الصالح .



والحمد لله رب العالمين

ابو عمر المصرى
12-13-2007, 11:45 AM
سعيد بن جبير



بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الخامس عشر من دروس سير التابعين رضوان الله عليهم أجمعين ، والتابعي اليوم هو سعيد بن جبير ، قال عنه الإمامُ أحمد بن حنبل : لقد قتل سعيد بن جبير وما على الأرض أحد إلا ومحتاج إلى علمه .

قصة هذا التابعي تثير تساؤلات كثيرة ، لكن أنا أضع بين أيديكم دقائقها وتفاصيلها، وبإمكانكم أن تستنبطوا أشياء كثيرة ، أحد أكبر الأشياء التي ينبغي أن تستنبط من هذه القصة ، أن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ، ودار ابتلاء .


( سورة الانشقاق : 6 )



الإنسان حينما يوطِّن نفسه على أن هذه الدنيا دار ابتلاء ، ويرضى بكل شيء ، فكان هذا التابعي فتًى وفيق الجسم ، مكتمل الخلق ، متدفقاً حيوية ونشاطاً ، وكان ذكي الفؤاد ، حاد الفطنة، نزّاعاً إلى المكارم ، متأثماً من المحارم ، شديد الخوف أن يقع في الإثم ، لكنه كان أسود اللون ، شعره مفلفل ، لأن أصله حبشي ، هذا الأصل الحبشي ، ولونه الأسود ، وشعره المفلفل ، وأنفه الأفطس ، ما كان لينال من مكانته الرفيعة بين المسلمين ، هذا مجتمع المسلمين ، مجتمع المقياس الواحد ، مقياس التقوى.




( سورة الحجرات : 13 ) .

وما لم يكن هذا المقياس سائداً في المجتمع فالمجتمع متخلف ، وأيّة قيمة يوزن بها الإنسان غير قيمة العلم والعمل والتقوى ، فهذا دليل تخلف المجتمع ، وكان سعيد بن جبير حديثَ السن ، حبشي الأصل ، عربي الولاء ، أدرك أن العلم وحده هو الذي يرفعه ، وأن التقى وحدها هي التي تكرمه ، وتبلغه الجنة ، لذلك قالوا : تعلموا العلم ، فإن كنتم سادةً فُقْتُمْ ، وإن كنتم وسطاً سُدْتُم ، وإن كنْتُم سوقةً عِشْتُم .

لو فرضنا إنسانًا والده شخص عاديّ ، فقير لا في مال ، ولا في جاه ، يا ترى طريق المجد مفتوح أمامه على مصراعيه ؟ من خلال العلم ، فأي إنسان لو كان والده من الطبقة الدنِيا في المجتمع ، لو كان فقير مدقعًا ، من الطبقة التي لا يُؤْبَهُ لها ، لكنه إذا سلك طريق العلم تألّق نجمه ، وعلا اسمُه ، وأصبح يشار إليه بالبنان .

أدرك هذا الفتى أن العلم هو الطريق الوحيد إلى الرفعة ، وأن التقى هي الطريق الوحيدة إلى الجنة ، طبعاً الطريق تذكر وتؤنث ، فجعل التقى عن يمينه ، والعلم عن شماله ، وشدّ عليهما بكلتا يديه ، وانطلق يقطع بهما رحلة الحياة ، غير وَانٍ ولا متمهل، هو أساساً سبب سعادة الإنسان الكبرى أن يتخذ قراراً ناجحاً ، فمنذ نعومة أظفاره كان الناس يرونه إمَّا عاكفاً على كتاب يتعلم ، أو صافًّا في محراب يتعبد ، فهو بين طلب العلم والعبادة ، إما في حالة تعلم ، أو في حالة تعبد ، والتعلم غذاء العقل ، والتعبد غذاء القلب ، والإنسان عقل وقلب وجسم ، لكن الجسم يستوي فيه مع الحيوان ، الجسم غذاؤه الطعام والشراب ، والعقل غذاؤه العلم ، والقلب غذاؤه التعبد ، دَعُونا من الجسم ، لأنه قاسم مشترك مع كل المخلوقات ، وبقي الإنسانُ عقلاً وقلبًا ، فالذكر والعبادة والصلاة والتلاوة تغذِّي القلب ، والعقل العلم والفهم والدليل والحجة والإطلاع والمطالعة والسماع والقراءة تغذيه أيضًا ، فاتخذ قرارًا حكيمًا طريقه للمجد ، العلم والتقوى ، العلم والعمل ، هذا مقياس الله عزوجل .

أخذ هذا الفتى العلم عن طائفة مِن جلّة الصحابة ، مِن أمثال أبي سعيد الخدري ، وعدي بن حاتم الطائي ، وأبي موسى الأشعري ، وأبي هريرة الدوسي ، وعبد الله بن عمر ، وعائشة أم المؤمنين ، رَضِي اللَّه تعالى عَنْهم أجمعين ، لكن أستاذه الأكبر ، ومعلمه الأعظم ، كان عبد الله بن عباس ، حبر الأمة ، وبَحر علمها الزاخر ، لزِم سعيدُ بن جبير عبدَ الله بن عباس لزومَ الظلِّ لصاحبه ، فأخذ عنه القرآن وتفسيره ، والحديث وغريبه ، وتفقّه على يديه في الدين ، وتعلّم منه التأويل ودرس عليه اللغة ، فتمّكن منها أعظم تمكين ، حتى غدا الآن - دققوا - وما على ظهر الأرض أحد من أهل زمانه إلا وهو محتاج إلى علمه ، لقد بلغ القمة ، ثم طاف في ديار المسلمين بحثاً عن المعرفة ما شاء الله أن يطوف ، فلما اكتمل له ما أراد من العلم اتخذ الكوفة له داراً ومقاماً ، وغدا إلى أهلها معلماً وإماما ، وكان يؤم الناس في رمضان ، فيقرأ ليلة بقراءة عبد الله بن مسعود ، وكان جامعًا للقراءات ، وأخرى بقراءة زيد بن ثابت ، وثالثة بقراءة غيرهما ، وهكذا ، وكان إذا صلى منفرداً ربما قرأ السورة الطويلة من القرآن ، وكان إذا مرّ بقول الله عز وجل :


( سورة غافر : 70 ـ 72 ) .

أو مرَّ بنحوها من آيات الوعد والوعيد اقشعر جلده ، وتصدع فؤاده ، وهملتْ عيناه ، ثم لا يزال يبدأ فيها ويعيد حتى يوشك أن يقضي نحبه ، فصلاة الليل أحد أكبر مصارد سعادته ، إلى الآن المواقف رائعة جداً ، وقد دأَب على شدِّ رحاله إلى بيت الله الحرام كل عام مرتين ، مرةً في رجب محرِماً بعمره ، وأخرى في ذي القعدة محرِماً بحج ، وقد كان طلاب العلم والخير والبِّرِّ والنصح يتوافدون على الكوفة لينهلوا من مناهل سعيد بن جبير العذبة ، ويغترفوا من هديه القويم، فهذا يسأله عن الخشية ، ما هي ؟ فيجيبه : الخشية أن تخشى الله عز وجل حتى تحول خشيتك بينك وبين معاصيك ، ومَن هو الذي يخشى الله ؟ هو الذي لا يعصيه ، فإذا حالت الخشية بينك وبين معاصيك فأنت ممَّن يخشى الله ، وإذا سئل عن الذِّكر ما هو ؟ يقول : الذكر طاعة الله عز وجل ، فمَن أقبل على الله ، وأطاعه فقدْ ذكَره ، ومَن أعرض عنه ، ولم يطِعْه فليس له بذاكر ، ولو بات ليلة يسبِّح ويتلو .

لقد وَضَعَ يده على جوهر الدين ، فما دام هناك مخالفات ومعاصٍ ، لو أمضيت ليلة بكاملها تسبح وتتلو وتقرأ ، فهذا لا يعبأ به أحد ، الأصل أن تؤدِّيَ الواجبات ، وأن تعطيَ الحقوق ، وقد كانت الكوفة حينما اتخذها سعيد بن جبير دارَ إقامةٍ له خاضعةً للحجاج بن يوسف الثقفي ، فيجب على أهل العلم أن يكونوا في معزل عن الوحول ، عن وحول الأحداث اليومية ، والصراعات ، والأخذ والرد ، لأنهم إذا اقتربوا من هذه المنطقة الخطرة ربما ضَحَّوْا بعلمهم ، أو ربما قطعَ خيرهم ، فالأَوْلى أن يصون أهلُ العلم علمَهم عن الابتذال ، وكان الحجاج والياً على العراق والمشرق وبلاد ما وراء النهر ، وكان يتربّع حينئذٍ على ذروة سطوته وسلطانه ، وذلك بعد أن قَتَلَ عبدُ الله بنُ الزبير ، وقَضَى على حركته ، وأخْضعَ العراقَ لسلطان بن أمية ، وأخمد نيران الثورات القائمة هنا وهناك ، وأعمل السيف في رقاب العباد ، وأشاع الرعب في أرجاء البلاد ، حتى امتلأت القلوبُ رهبةً منه ، وخشيةً من بطشه ، كلكم درس في الصف العاشر خطبته الشهيرة : أما بعد ؛ فإني قد رأيت رؤوساً قد أينعت ، استوت يعني ، وحان قطافها ، وإني لصاحبها ، له خطبة شهيرة جداً ، ونحن لا يعنينا الحجاج ، فليس من أهل العلم ، لكن يعنينا أن يَحدُث تداخلٌ بين أهل العلم وأهل الحكم ، ثم شاء الله أن يقع صدامٌ بين الحجاج بن يوسف الثقفي وبين عبد الرحمن بن الأشعث ، أحد كبار قوّاده ، فكيف حصل هذا الخلاف ؟.

الآن نحن مضطرون أن ندرس جانباً ممَّا نشب مِن خلافٍ بين الحجاج وبين هذا القائد ، لأنه هناك مداخلة في هذا الموضوع ، بين سعيد بن جبير ، وبين أحداث الخلاف بين الحجاج ، وبين قائده الكبير الأشعث ، أحد كبار قواده .

سيَّر الحجاجُ ابنَ الأشعث بجيش لغزو رتبيل ، ملك الترك على المناطق الواقعة وراء جسستان ، فغزا القائد الباسل المظفر شطراً كبيراً من بلاد رتبيل ، واحتل حصوناً منيعة من ديارهم ، وغنم مغانم كثيرة من مُدُنِه وقُراهُ ، ثم بعث إلى الحجّاج رسلاً زفّوا له البشائر ، بشائر النصر الكبير ، وحملوا معهم خُمس الغنائم لتستقر في خزائن بيت مال المسلمين ، وكتب له كتاباً استأذنه فيه بالتوقف عن القتال مدة من الزمن ، ليختبر مداخل البلاد ومخارجها ، ويقف على طبيعتها وأحوالها .

الحجاج كان واليًا على العراق وفارس وبلاد ما وراء النهر ، أرسل أحد أكبر قواده ابن الأشعث ليفتح بلاد الترك ، ما وراء النهر ، هذا القائد استجاب وقطع شوطاً كبيراً في الفتوحات ، واحتل حصونًا كثيرة ، وأرسل غنائم وفيرة إلى الحجاج ، ثم طلب من الحجاج أن يستأذنه أن يقف قليلاً كي يطّلع على مداخل هذه البلاد ومخارجها قبل أن يعيد الكَرَّة في الغد ، لماذا فعل هذا ؟ خاف أن يتوغل في شعابها القاسية المجهولة ، وخاف أن يعرض جيشه الظافر للمخاطر ، فاغتاظ الحجاج منه ، وأرسل إليه كتاباً يَصِفُه فيه بالجبن والخنوع ، وينذره بالويل والثبور ، ويهدِّده بالتنحية عن القيادة .

تذكُرون أن النبي عليه الصلاة والسلام عطَّل حكم قطع يد السارق في الحرب ! لماذا ؟ والله عز وجل يقول :


( سورة المائدة : 38 )

لكن الجندي إذا سرق في ساحة الحرب لا تُقطع يدُه ، بتوجيه النبي عليه الصلاة والسلام، لأنّ ثمّة إدراكًا بعيدًا جداً ، هذا الجندي وهو في ساحة المعركة لو وقع في جريمة سرقة، ونفّذنا عليه حكم قطع اليد ربّما انتقل إلى صف العدو قبل أن ينفَّذ فيه الحكم ، وانضمّ إليهم، وحارب معهم ، وأعطاهم أسرار المسلمين ، إذاً فحكمُ قطع اليد لا يُؤتِي أُكُلَه في الحرب، وهذا من إدراك النبي عليه الصلاة والسلام ، فلو أن الحجاج عرف أن هذا القائد الذي فتح البلاد، واحتل الحصون ، وأرسل الغنائم ، وقال : سأتوقف قليلاً لأختبر مداخل البلاد ومخارجها وشعابها وأوديتها ، قبل أن أُقْحِم الجيشَ الظافرَ المنتصرَ في المهالك ، فهذا كلام منطقي ، لكن الإنسانَ حينما يصل القمّة ربما لا يرى ، لأنه دائما إذا ما لم يكن الإنسان مع الله في اتصال دائم تضلُّ أعمالُه ، ولو كان ذكياً ، ويؤتى الحَذِرُ مِن مَأْمَنِه ، فالإنسان مهما كان ذكياً ، فقد يرتكب حماقة ربما لا يفعلها الغبيّ ، لأن الإنسان حينما يعتدّ بنفسه ، وحينما يرى قوته ، تكون هذه الرؤية المضلِّلة غشاوةً على عينيه ، فبدَلَ أن يشجعه ، وأن يثنيَ عليه ، وأن يوافق على مقترحه، وصَفَه بالجبن والخنوع ، وأنذَره بالويل والثبور ، وهدّده بالتنحية عن القيادة ، قائد جيشٍ معه جنود ، وبيده قوة في أطراف البلاد ، فجمع عبد الرحمن وجوهَ الجند ، وقادة الكتائب ، وهذه الحكمة مِن الحكمة أيها الإخوة الكرام للمؤمنين فقط ، لأنه لو كان الكافر يتمتع بحكمة ، وفهم ، وإدارك عميق ، وتوازن ، لَوَضَع الأمور في أماكنها ، ووقف الموقف المناسب ، لكن ما دام الإنسان مقطوع عن الله ، أو بعيدًا عن الله ، فلا بد أن يرتكب خطأً فاحشاً ، وحماقة كبيرة ، جمع عبد الرحمن وجوهَ الجند ، وقادة الكتائب ، وقرأ عليهم كتاب الحجاج ، واستشارهم فيه ، فَدَعَوْهُ إلى الخروج عليه ، والمبادرة إلى نبذِ طاعته ، فقال لهم عبد الرحمن : أتبايعونني على ذلك ، وتؤازرونني على جهاده ، حتى يطهِّر اللهُ أرضَ العراق من رجسه ، فبايعه الجند على ما دعاهم إليه ، وسوف ترون بعد قليل حروبًا طاحنة ، وآلاف القتلى ، وفتنًا سببها موقف غير حكيم من الحجاج ، هبَّ عبدُ الرحمن بن الأشعث بجيشه الممتلئ كراهيَةً للحجاج ، ونشبتْ بينه وبين جيوش الثقفي معارك طاحنة ، انتصر فيها نصراً مؤزراً ، فتمّ له الاستلاء على جسستان ، وجلِّ بلاد فارس ، ثم أقبل ابنُ الأشعث يريد انتزاع الكوفة والبصرة من يدي الحجاج ، وفيما كانت نيرانُ الحرب مشتعلة بين الفريقين ، وكان ابن الأشعث ينتقل من ظفرٍ إلى ظفر ، وقع للحجاج خطب زاد خصمه قوةً ، ذلك أن ولاة الأنصار كتبوا إلى الحجّاج كتباً قالوا فيها : إن أهل الذمّة قد طفقوا يدخلون في الإسلام ، ليتخلصوا من دفع الجزية ، وقد تركوا القرى التي يعملون فيها ، واستقرّوا في المدن ، وأنّ الخراج قد اضمحلّ ، وأنّ الجبايات قد أفلست .

هل تذكرون ماذا قال عمر بن عبد العزيز لما أرسل له أحد ولاته كتاباً أن هناك عددًا كبيرًا من أهل الذمة دخلوا في الإسلام ، فقَلَّت الجزية والدخل ، قال : واللهِ أتمنّى أن أعمل راعيَ غنمٍ أنا وأنت ، ويدخلُ الناسُ كلهم في الإسلام ، إنسان من أهل الذمة ، أعلن إسلامه ، وانضم للمسلمين ، لم يَعُدْ حينئذٍ مكلفًا بدفع الجزية ، فماذا فعل الحجاج ؟ كتب إلى ولاته في البصرة وغيرها كتباً يأمرهم فيها أن يجمعوا كل من نزح إلى المدن من أهل الذمة ، وأن يعيدوهم إلى القرى مهما طال نزوحهم عنها ، فصدع الولاة بالأمر ، وأجْلَوْا أعداداً كبيرةً من هؤلاء عن ديارهم ، وأبعدوهم عن موارد أرزاقهم ، وحشدوهم في أطراف المدن ، وأخرجوا معهم نساءهم وأطفالهم ، ودفعوهم دفعاً إلى الرحيل إلى القرى ، بعد أن مضى على فراقهم لها حينٌ من الدهر، فأخذ النساءُ والولدانُ والشيوخُ يبكون ، ويستصرخون ، ويستغيثون ، وينادون : وا محمداه ، وحاروا فيما يفعلون ، وإلى أين يذهبون ، فخرج إليهم فقهاء البصرة ، وقراؤها ليغيثوهم ، ويشفعوا لهم ، فلم يتمكنوا من ذلك ، فطفقوا يبكون لبكائهم ، ويستغيثون لمُصابهم .

الآن اغتنم عبد الرحمن بن الأشعث القائد الذي انشق عنه هذه الفرصة ودعا الفقهاء والقراء إلى مؤازرته ، فاستجابت له كوكبة من جلّة التابعين ، وعلى رأسهم سعيد بن جبير ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، والشعبي ، وغيرهم ، هنا النقطة ، ينبغي على أهل العلم أن يبتعدُوا عن معترك السياسة ، ودارت رحى الحرب بين الفريقين ، وكان النصرُ أولَ الأمر لابن الأشعث ومَن معه على الحجاج وجنوده ، ثم بدأت كفةُ الحجاج ترجح شيئاً فشيئاً ، حتى هزم ابن الأشعث هزيمة منكرة ، وفَرَّ ناجياً بنفسه ، واستسلم جيشه للحجاج وجنوده ، هنا بدأت القصة .

أمر الحجَّاجُ مناديَه أن ينادي في المقاتلين المهزومين ، وأن يدعوهم لتجديد بيعته ، فاستجاب أكثرهم له ، وتوارى بعضهم عنه ، وكان بين المتوارين سعيد بن جبير رَضِي اللَّه عَنْه وأرضاه ، فلما أخذ المسلمون يتقدمون تباعاً لبيعته فوجئوا بما لم يكن في حسبانهم ، فلقد جعل يقول للواحد منهم : أتشهد على نفسك بأنك قد كفرت بنقض بيعتك لوالي أمير المؤمنين ، فيجب أن يشهد على نفسه بالكفر ، فإن قال : نعم ، قَبِلَ منه تجديد بيعته ، وأطلق سراحه ، وإن قال : لا ، قَتَلَه ، فكان بعضهم يخضع له ، ويقرُّ على نفسه بالكفر ، لينقذ نفسه مِن القتل ، وكان بعضهم الآخر يستكبر ذلك ويستنكره ، فيدفع رقبته ثمناً لإبائه واستنكاره ، ولقد ذاعت أخبار تلك الحادثة التي قتل فيها أشخاص كثيرون ، ونجا منها أشخاص بعد أن دمغوا أنفسهم بالكفر ، مِن ذلك أن شيخاً معمَّراً من قبيلة خثعم ، كان معتزلاً للفريقين ، مقيماً وراء الفرات ، سِيق إلى الحجاج مع مَن سيقوا إليه ، فلما ادخل عليه سأله عن حاله ، فقال : مازلت منذ شبَت هذه النار معتزلاً وراء هذا النهر ، منتظراً ما يسفرُ عنه القتال ، فلما ظهرتَ وظفرتَ أتيتك مبايعاً ، فقال : تباً لك ، أتقعد متربصاً ، ولا تقاتل مع أميرك ، ثم زجره قائلاً : أتشهد على نفسك بأنك كافر ، قال : بئس الرجل أنا إنْ كنتُ عبدت الله ثمانين عاماً ، ثم أشهد بعد ذلك على نفسي بالكفر ، ليس الأمرُ معقولاً ، فقال له : إذاً أقتلك ، قال : وإنْ قتلتني ، فوالله ما بقي من عمري إلا ظمأ حمار ، يعني ساعات قليلة ، فإنه يشرب غدوة ، ويموت عشية ، وإني لأنتظر الموت صباحاً ومساء ، فافعل ما بدا لك ، فقال الحجاج لجلاده : اضرب عنقه ، فضرب الجلاد عنقه ، فلم يبق أحد في المجلس من شيعة الحجاج ، أو من عدوه إلا أكبر الشيخ المعمر ، ورثا له ، ثمانين سنة ثم أقول عن نفسي : إنني كافر ، ليس هذا معقولاً ، قال له : افعل ما بدا لك .

دعا كميل بن زياد النخعي ، وقال له : أتشهد على نفسك بالكفر ، فقال : والله لا أشهد ، قال: إذاً أقتلك ، قال : فاقضِ ما أنت قاض ، وإنَّ الموعد فيما بيننا عند الله ، وبعدَ القتل ، فقال له الحجاج : ستكون الحُجَّة يومئذٍ عليك، لا لك ، فقال له : ذلك إذا كنتَ أنت القاضيَ يومئذٍ ، فقال الحجاج : اقتلوه ، فَقَدِّم وقتل ، قُدِّم إليه رجل آخر كان يكرهه الحجاج أشدّ الكراهية ، ويشتهي أن يظفر بقتله ، لِما كان ينقل له من سخريته به ، فبادَره قائلاً : إني أرى أمامي رجلاً ما أظنه يشهد على نفسه بالكفر ، فقال له الرجل : لا تورطني ، وتخدعني عن نفسي ، أنا أكفر أهل الأرض، وأكفر من فرعون ذي الأوتاد ، فخلّى سبيله ، وهو يتحرق ظمأً لقتله .

نحن هنا دخلنا في القصة مرة ثانية ، سعيد بن جبير إذا وقع بين يدي الحجاج فلا بد أن يقتله ، فإما أن تُدَقَّ عنقُه ، وإمّا أنْ يُقِرّ على نفسه بالكفر ، وهما أمران أحلاهما مرٌّ ، فآثر أن يخرج من بلاد العراق ، وأن يتوارى عن الأنظار ، وظلّ يضرب في أرض الله الواسعة مستخفياً عن الحجاج وعيونه ، حتى لجأ إلى قرية صغيرة مِن أراضي مكة ، وبقي على حاله هذه عشر حججٍ كاملات ، عشر سنوات وهو متخفٍّ ، كانت كافيةً أن تطفِئ نيران الحجاج المتّقدة في قلبه ، وأن تزيل ما في نفسه من ضغنٍ عليه ، بَيْدَ أنه حدث ما لم يكن يتوقعه أحد ، ذلك أنه قدم على مكة والٍ جديد من ولاة بني أمية ، هو خالد بن عبد الله القسري ، فتوجّس أصحاب سعيد بن جبير خِيفةً منه ، لِمَا كان يعرفون من سوء سيرته ، وتوقعوا الشرَّ على يديه ، فجاء بعضهم إلى سعيد ، وقال له : إنّ هذا الرجل قدِم مكة ، وإنا واللهِ لا نأمنه عليك ، فاستجبْ لطلبنا ، واخرجْ من هذا البلد ، فقال : واللهِ لقد فررتُ حتى صرتُ أستحي من الله ، ولقد عزمتُ على أن أبقى في مكاني هذا ، وليفعْل اللهُ بي ما يشاء ، لم يكذب خالدًا ظنُّ السوء الذي ظنه الناس به ، فما أنْ علِم بمكان سعيد بن جبير حتى أرسل إليه سرية من جنوده ، وأمرهم أن يسوقوه مقيداً إلى الحجاج في مدينة واسط ، فأطبق الجندُ على بيت الشيخ ، وألقوا القيد في يديه على مرأى من بعض أصحابه، وآذنوه بالرحيل إلى الحجاج ، فتلقاهم هادئ النفس ، مطمئنَ القلب ، ثم التفت إلى أصحابه ، وقال: ما أراني إلا مقتولاً على يد هذا الظالم ، ولقد كنتُ أنا وصاحبان لي في ليلة عبادة ، فاستشعرنا حلاوة الدعاء ، فدعونا الله بما دعونا ، وتضرّعنا إليه بما شاء مِن تضرع ، ثم سألنا الله جل وعز أن يكتب لنا الشهادة ، وقد رزقها اللهُ صاحبيَّ كليهما، وبقيتُ أنا أنتظرها ، ثم إنه ما كاد أن ينتهي من كلامه ، حتى طلعت عليه بُنَيَّةُ صغيرة له، فرأته مقيداً ، والجنودُ يسوقونه ، فتشبثت به ، وجعلت تبكي وتنشج ، فنحاها عنه برفق، وقال لها : قولي لأمك يا بنية إن موعدنا الجنة إن شاء الله تعالى ، ثم مضى ، فبلغ الجندُ بالإمام الحبر العابد الزاهد التقي النقي الورع واسطًا ، وأدخلوه على الحجاج .

فلما صار عنده ، نظر إليه في حقد ، وقال : ما اسمك ؟ قال : سعيد بن جبير ، فقال : بل شقي بن كسير ، قال : بل كانت أُمِّي أعلمَ باسمي منك ، هذا هو اسمي ، قال : ما تقول في محمد ؟ قال : تعني محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه ، قال : نعم ، قال : سيد ولد آدم ، النبي المصطفى ، خير من بقي من البشر ، وخير من مضى ، حمل الرسالة وأدى الأمانة ، ونصح لله ولكتابه ، ولعامة المسلمين ، وخاصتهم ، قال : فما تقول في أبي بكر ؟ قال: هو الصديق خليفة رسول الله ، ذهب حميداً ، وعاش سعيداً ، ومضى على منهاج النبي صلوات الله وسلامه عليه ، لم يغيِّر ، ولم يبدل ، قال : فما تقول في عمر ؟ قال : هو الفاروق الذي فرّق الله به بين الحق والباطل ، وخيرة الله من خلقه ، وخيرة رسوله ، ولقد مضى على منهاج صاحبَيْه ، فعاش حميداً ، وقتل شهيداً ، قال : فما تقول في عثمان ؟ قال : هو المجهِّزُ لجيش العسرة ، الحافرُ لبئر رومة ، المشتري لبيت لنفسه في الجنة ، صهر رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ابنتيه ، ولقد زوَّجه النبي بوحي من السماء ، وهو المقتول ظلماً ، قال : فما تقول في عليِّ ؟ قال: ابن عم رسول الله ، وأول من أسلم من الفتيان ، وهو زوج فاطمة البتول ، وأبو الحسن والحسين، سيدي شباب أهل الجنة ، قال : فأي خلفاء بني أمية أعجب لك ؟ قال : أرضاهم لخالقهم ، قال : فأيُّهم أرضى للخالق ؟ قال : علمُ ذلك عند الذي يعلم سرهم ونجواهم ، تحقيق طويل ، قال : فما تقول فيَّ ؟ قال : أنت أعلم بنفسك ، قال : بل أريد علمك أنت ، قال : إذاً يسوءك ولا يسرك ، قال : لا بد من أن أسمع منك ، قال : إني لأَعْلَمُ أنك مخالف لكتاب الله تعالى ، تُقدِم على أمور تريد منها الهيبة ، وهي تقحمك الهلَكَةَ ، وتدفعك إلى النار دفعاً ، قال : أمَا واللهِ لأقتلنك ، قال : إذاً تفسد عليَّ دنياي ، وأفسد عليك آخرتك ، قال : اختر لنفسك أي قتلة شئت ، قال : بل اخترها أنت لنفسك يا حجّاج ، فوالله ما تقتلني قتلة إلا وقتَلك اللهُ مثلها في الآخرة ، قال : أتريد أن أعفوَ عنك ، قال : إن كان العفو فمن الله تعالى ، أمّا أنت ، فلا أريده منك ، فاغتاظ الحجاج ، وقال : السيف والنطع يا غلام ، فتبَسَّم سعيد ، فقال له الحجاج : وما تبسُّمك ، قال عجبت من جرأتك على الله ، وحلم الله عليك ، قال : اقتله يا غلام ، فاستقبل القبلة، وقال :


( سورة الأنعام : 79 )

قال : حرِّفوه عن القبلة ، فقال :


( سورة البقرة : 115 )

قال : كبُّوه على الأرض ، فقال :


( سورة طه : 55 )

قال : اذبحوا عدو الله ، فما رأيت رجلاً أَدْعَى منه لآيات القرآن الكريم ، فرفع سعيد كفَّيه ، وقال: اللهم لا تسلِّط الحجاجَ على أحد بعدي ، قال : فلم يمضِ على مصرع سعيد بن جبير غيرُ خمسة عشر يوماً حتى حمَّ الحجاج ، واشتدت عليه وطأةُ المرض ، فكان يغفو ساعة ويفيق أخرى ، فإذا غفا غفوة استيقظ مذعوراً وهو يصيح : هذا سعيد بن جبير آخذ بخناقي ، هذا سعيد بن جبير ، يقول : فيمَ قتلتني ؟ ثم يبكي ، ويقول : مالي ولسعيد جبير ، ردّوا عني سعيد بن جبير، فلما قضى نحبه ، وورِي في ترابه ، رآهم بعضهم في الحلم ، فقال له : ما فعل الله بك فيمن قتلتهم يا حجاج ؟ قال : قتلني اللهُ بكل امرئ قتلة واحدة ، وقتلني بسعيد بن جبير سبعين قتلة .

هناك استنباطات كثيرة ، لكن دائماً العلم يجب أن يُنَحَّى عن المعترك الأرضي ، هذا أكمل شيء له ، وإلا نكون قد ضيَّعنا الدعوةَ إلى الله عز وجل .

الشيء الثاني ، العبرة بهذه الجنة التي عرضها السماوات والأرض ، هذه لمَن كانوا على منهج الله ، لمَن كانوا على سنّة رسوله ، لمَن كانوا على الحق ، والعبرة أن الإنسان بعد الموت يدفع الثمن باهظًا ، وهذه القصة مؤلمة ، وتضفي على المجلس بعض الحزن ، لكن الحياة دار ابتلاء ، ودار سعي ، ودار امتحان ، وعلى كلٍ فعلى الإنسان أنْ يكون على منهج الله سائراً ، والحياةُ الدنيا لا قيمة لها ، والجرأة قلَّ مثيلُها بين الناس ، إنسان متمكن ، وأعصابه قوية ، يُدْلِي بالحُجّة ، ويقول الحق دون خوف ووَجلٍ ، ودون ارتباك وتردد ، هذا من آثار الإيمان ، لأن المؤمن حياته الدنيا يراها مؤقتة ، والآخرة هي الحياة الحقيقية ، والدليل قوله سبحانه وتعالى :


( سورة الفجر : 24 ) .

هذا معنى الحياة الأساسية ، حياة الآخرة ، فأنا أقول : هنيئاً لمَن كان على الحق ، ولتكن نهاية حياته ما تكون ، لأن العبرة بهذا الأبد المديد الذي لا ينتهي ، حيثُ يحكم فيه ملِكٌ عادل ، والدنيا عرض حاضر ، يأكل منه البَرُّ والفاجر ، والآخرة وعدٌ صادقٌ ، يحكم فيه مَلِكٌ عادلٌ .

والحمد لله رب العالمين

ابو عمر المصرى
12-13-2007, 11:46 AM
ذكوان بن كيسان / طاووس





بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا لا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علَّمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقًّا ، وارزقنا اتِّباعه ، و أرنا الباطل باطلا ، وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس السابع عشر من سير التابعين رضوانُ الله تعالى عليهم أجمعين ، و تابعيُّ اليوم طاووس بن كيسان ، يقول عمرُو بن دينار : "ما رأيتُ أحدا قط مثلَ طاووس بن كيسان" ، طبعا نحن نؤرِّخ لكبار التابعين .

هذا التابعي الجليل علَّمته المدرسةُ المحمَّدية أن الدين هو النصيحة ، وفي تعريف جامع مانعٍ للنبيِّ عليه الصلاة و السلام ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا لِمَنْ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ)) *

[رواه مسلم]

ولا تُؤخذ بعبادة الرجل ، عليك أن تُقيِّمه بمدى نصحه للمسلمين ، العبادات الشعائرية أيها الإخوة لا قيمة لها من دون إحكام العبادات التعاملية ، دائما وأبدا الإسلام مجموعة مبادئ ، ومجموعة قيم ، ومجموعة مثُل ، ولا أدلَّ على ذلك من قول النبي عليه الصلاة و السلام ، فعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ)) *

[رواه البخاري]

فهل هذه هي الإسلام ؟ الإسلام بُني على خمس ، فهل هذه الخمس هي الإسلام ؟ هذه الخمس بني عليها الإسلام ، والإسلام شيء آخر ، الإسلام قيم ، ومبادئ ، وصدق ، وأمانة ، وعفَّة ، وجرأة ، وصراحة ، واستقامة ، الإسلام ضبطُ الدخل ، وضبط الإنفاق ، وضبط الجوارح ، وضبط البيوت، وضبط العمل ، هذا هو الإسلام ، فعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ)) *

[رواه البخاري]

في أيامِ تخلُّف المسلمين فَهِم المسلمون الإسلام الأركان الخمسة فقط ، فإذا صلَّى و صام وحجَّ فهو مسلم ، ولا عليه أن يغشَّ المسلمين بعد ذلك ، ولا عليه أن يأكل أموالهم بالباطل ، ولا عليه أن يكذب ، ولا عليه أن ينافق ، ولا عليه أن يدجِّل ، إذًا الإسلام بني على خمس ، وأوضحُ شاهدٍ سمعتموه مني كثيرا عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ابْنَةِ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ لَمَّا نَزَلْنَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ جَاوَرْنَا بِهَا خَيْرَ جَارٍ .... قَالَتْ فَكَانَ الَّذِي كَلَّمَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لَهُ أَيُّهَا الْمَلِكُ كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ وَنُسِيئُ الْجِوَارَ يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ وَأَمَرَ بِصِدْقِ الْحَدِيثِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَحُسْنِ الْجِوَارِ وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاء...."

[رواه أحمد]

هل هناك أوضح من هذا ؟ واللهِ كلام كالشمس ، إسلامنا قيم ، إسلامنا مبادئ ، و إسلامنا استقامة ، وإسلامنا غضُّ بصر ، وإسلامنا عفَّة ، وإسلامنا حياء ، وإسلامنا أنْ يأمنك أخوك على مليون ، ويأمنك على أهله ، وعلى ماله ، وعلى دمه ، و حتى لا يضيِّع الإنسانُ الوقت ، فقد علَّمته المدرسةُ المحمدية أن الدين النصيحة ، لمن ؟ لله ، لإقامة كتابه ، لله لطاعته ، وكتابه ، تطبيق كتابه ، ورسوله تطبيق سنة رسوله ، وأئمة المسلمين ، أن تنصحهم ، وعامتهم ، وهدَته التجربةُ إلى أن الصلاح كلَّه يبدأ عند وليِّ الأمر ، وينتهي عنده ، لأن صنفين من الناس إذا صلحا صلح الناسُ ، وإذا فسدا فسد الناس ؛ الأمراء والعلماء ، العلماء يعلِّمون ، و الأمراء ينفِّذون ، إن صلح هذان الصنفان صلح المجتمع كلُّه ، وإن فسد هذان الصنفان فسد المجتمع كلُّه .

اسمُ هذا التابعي ذكوانُ بن كيسان ، الملقَّب بطاووس ، الطاووس طائر معروف ، حسن الشكل ، طويل العنق ، جميل القنبرة ، وقد سمِّي به كثير من العلماء ، خُلع عليه لأنه كان طاووسَ الفقهاء ، والمقدَّم عليهم في عصره ، أي سيد الفقهاء ، من ؟ ذكوان بن كيسان ، الملقب بطاووس ، هذه الطاووس ، أو هذا التابعي الجليل من أهل اليمن ، وكان والي اليمن محمد بن يوسف الثقفي ، أخو الحجاج بن يوسف ، عيَّنه الحجاجُ واليًا على اليمن بعد أن عظُم أمرُه ، وقويَتْ شوكتُه ، واشتدَّت هيبتُه إثرَ قضائه على حركة عبد الله بن الزبير ، وكان محمد بن يوسف يُجمع في ذاته كثيرا من سيئات أخيه الحجاج ، ولكنه ما كان يتحلَّى بشيء من حسناته ، و الإنسان إذا قلَّد في الأعمِّ الأغلب يقلِّد السيئات ، فكان أخو الحجاج يجمع سيئات أخيه دون أن يتمتَّع بحسناته .

مرة دخل عليه طاووس في أيام الشتاء الباردة ، ومعه وهبُ بن منبِّه ، فلما أخذا مجلسيهما عنده طفق طاووسُ يعظه ، ويرغِّبه ، ويرهِّبه ، والناسُ جلوسٌ بين يديه ، فقال الوالي لأحدِ حُجَّابه : يا غلام أحضِر طيلسانًا ، ثوب ثمين جدًّا ، وألقِه على كتفي أبي عبد الرحمن ، طاووس، فعمد الحاجبُ إلى طيلسانٍ ثمين ، وألقاه على كتفي طاووس ، لكنَّ طاووس ظلَّ متدفِّقًا في موعظته ، وجعل يحرِّك كتفيه في تُؤدة حتى ألقى الطيلسانَ عن عاتقه ، حركتان أو ثلاث ، دفع الطيلسان إلى خلف ظهره ، وهبَّ واقفا وانصرف ، أي ما قبِل هذا العطاء ، ما تكلَّم ، حّرك حركات خفيفة إلى أن ألقى الطيلسان من كتفه ، ووقف ، وانصرف ، فغضب محمدّ بن يوسف غضبا ظهر في احمرار عينيـــه ، واحتقان وجهه ، فلما صار طاووس و صاحبه خارج المجلس ، قال وهبٌ لطاووس : واللهِ لقد كنا في غنًى عن إثارة غضبه علينا ، فماذا كان يضيرُك لو أخذتَ الطيلسان ثم بِعته ، وتصدَّقت بثمنـه على الفقراء والمساكين ، فقال طاووس : هو ما تقول - أي هكذا كان أفضل ، أن آخذه ، وأن أبيعه ، وأن أتصدَّق بثمنه على الفقراء والمساكين ، قال : نعم ، قال : فإذا قال الناسُ أو العلماء من بعدي : نأخذ كما أخذ طاووس ، صرتُ قدوةً لهم، ثم لا يصنعون فيما أخذوه ما تقول ، أنت ترى أن آخذ الطيلسان ، وأن أبيعه ، وأن أدفع ثمنه للفقراء والمساكين ، شيء جميل ، الذين يأتون من بعدي يقولون : نأخذ كما أخذ طاووس ، ولا يفعلون ما تقول أنت ، لكن محمد بن يوسف الثقفي أراد أن يردَّ لطاوس الحجرَ من حيث جاء ، ولكن بذكاء وبحنكة ، نصبَ له شَركا من شراكـه ، حيث أعدَّ صُرَّةً فيها سبعمائة دينار ، واختار رجلا حاذقا من رجال حاشيته ، وقال له : امضِ بهذه الصرة إلى طاووس بن كيسان ، واحتلْ عليه في أخْذِها ، فإن أخذَها منك أجزلتُ عطيَّتك ، وكسوتك ، وقرَّبتك ، أي تستطيع أنْ تعطيه إياها ، فخرج الرجلُ بالصرة حتى أتى طاووسا في قرية كان يقيم بها بالقرب من صنعاء ،يقال لها الجَنَد ، فلما صار عنده حيَّاه ، وآنسه ، وقال له : يا أبا عبد الرحمن هذه نفقة بعث بها الأمير إليك ، فقال أبو عبد الرحمن : مالي بها من حاجة ، فاحتال بكل طريق ليقبلها فأبى ، وأدلى له بكل حجَّة فرفض ، فما كان منه إلا أن اغتنم غفلةً من طاووس ، ورمى بالصرة في كُوَّة كانت في جدار البيت ، وجد كوة في حائط الغرفة وطاووس التفت إلى هذه الجهة فوضع الصرة في الكوة ، وعاد راجعا إلى الأمير، وقال : لقد أخذ طاووسُ الصرة أيها الأمير ، حسب توجيهاتك ، فسُرَّ بذلك محمدُ بن يوسف ، وسكت عليه ، فلما مضت على ذلك أيامٌ عدّة أرسل اثنين من أعوانه، ومعهما الرجل الذي حل إليه بالصرة ، و أمرهما أن يقولا له : إن رسول الأمير قد أخطأ فدفع إليك المال ، وهو مرسلٌ لغيرك ، و قد أتينا لنسترِدَّه منك ، نحمله إلى صاحبه ، فقال طاووس : ما أخذتُ من مال الأمير شيئا حتى أردَّه إليك ، فقالا : بل أخذته ، فالتفت إلى الرجل الذي حمل إليه الصرة ، وقال له : هل أخذتُ منك شيئا ؟ كانت له هيبة ، فأصاب الرجلَ الذُّعرُ ، وقال : كلا ، و إنما وضعتُ المال في هذه الكوة في غفلة منك ، فقال طاووس : دونك الكوة فانظر فيها ، فنظرا في الكوة فوجد فيها الصرة كما هي ، فأخذها ، وعاد بها إلى الأمير، الخطَّة لم تنجح ، ما معنى :


[سورة الحج]

رسم له خطة خبيثة ، دفع له هذا المبلغ ، فإذا أنفقه بعد يومين ، يقول : هات المبلغ ، أنفقت منه، ضعه في السجن ، هو ما أخذه ، ولكن ربُّنا عزوجل ألبسه ثوبا من الهيبة ، فلما توجَّه إلى الرجل الذي جاء بها إليه قال له : هل أخذت منك شيئا ؟ هذه الهيبة :

فيُكسى جلابيبَ الوقـــــــار لأنه أقام بإذلال على باب عزِّنا
من هاب اللهَ هابه كلُّ شيء ، و من لم يهب اللهَ أهابه اللهُ من كل شيء ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ وَأُحِلَّتْ لِي الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً *

[رواه البخاري]

المؤمن المستقيم له هيبة ، هذه الهيبة يُروى أن رجلا كان له دَيْن على أبي جهل - لا أذكر - أبي جهل أو أبي لهب ، على أحد صناديد قريش ، على أعتى زعماء قريش كفرا ، فأراد أناسٌ أن يرموا بين النبي وبين هذا الزعيم ، فهذا البدوي الأعرابي الذي له على أبي لهب أو أبي جهل هذا المبلغ الكبير قالوا له : تذهب إلى محمد ، ومحمد يحصِّله لك من أبي جهل ، فصدَّق هذا البدوي ذلك ، فترقَّب النبي ، وطلب منه ذلك ، تروي الرواياتُ أن النبي عليه الصلاة والسلام ذهب مع هذا الأعرابي إلى بيت أبي جهل ، وطرق الباب و قال : أعطِه حقَّه ، فدخل ، وعاد من توِّه ، وأعطاه المبلغ ، الخطة التي كان من الممكن أن توقع بين النبيِّ الكريم و بين أبي جهل لم تنجح ، فلما سُئل أبو جهل : كيف أعطيته المبلـغ ؟ قال : و اللهِ رأيت على كتفيه أسدين خفتُ أن يأكلاني " ، فيه هيبة ، هذه نقطة مهمة جدا ، إذا كنتَ مع الله ، ألقى الله عزوجل عليك الهيبة ، في بيتك ، في عملك ، و الإنسان لما يعصي الله عـزوجـل تنخلع منه الهيبة ، لا شأن له ، و لا أحد يعبأ به ، هناك من يتطاول عليه ، لكن من حفر حفرةً لأخيه وقع فيها ، قال : و كأنما أراد اللهُ عزوجل أن يقتصَّ من محمد بن يوسف على فعلته هذه ، و أن يجعل قصاصه منه على مرآى من الناس ، فكيف وقع ذلك ؟ .

حدَّث طاووسُ بن كيسان فقال : بينما أنا في مكة حاجًّا ، بعث إليَّ الحجَّاجُ بن يوسف الثقفي ، فلما دخلتُ عليه رحَّب بي ، وأدنى مجلسي منه ، وطرح إليَّ وسادةً ، ودعاني لأن أتَّكئ عليها ، ثم راح يسألني عما أشكل عليه من مناسك الحج ، وفيما نحن كذلك سمع الحجَّاج ملبِّيا يلبِّي حول البيت ، ويرفع صوته بالتلبية ، و له نبرةٌ تهزُّ القلوبَ هزًّا ، يبدو من الإنسان الصادق أحيانا أنه يلفت النظرَ بدعائـه ، وتضرُّعه ، فقال الحجاجُ : عليَّ بهذا الملبِّي ، عليَّ به ، فأوتي له به ، فقال له : ممن الرجل ؟ فقال : من المسلمين ، فقال : لم أسألك عن هذا ، إنما سألتك عن البلد ، قال : من أهل اليمن ، قال : كيف تركتم أميركم ، أي أخاه ، قال : تركته عظيما ، كبيرا ، جسيما لبَّاسا ركَّابا ، خرَّاجا ولاَّجا ، أي أكل ، وشرب ، وبيت ، ومركب ، ونزهات ، ومداخلات ، وصف فيه إيجاز ، تركتـه عظيما ، جسيما ، لبَّاسا ، ركَّابا ، خرَّاجا ، ولاَّجا ، فقال الحجاجُ : ليس عن هذا سألتك ، فقال : عما سألتني إذًا ؟ قال : سألتك عن سيرته فيكم ، عن أخلاقه ، قال : تركته ظلوما غشوما ، مطيعا للمخلـوق ، عاصيًا للخالق ، ويأتيك بالأخبار مَن لم تزوِّد ، هذا معنى قول الله عزوجل :


[سورة الحج]

أحيانا الإنسان يظهر أحسن أعماله لمَن فوقه ، واللهُ عزوجل بطريقة أو بأخرى تُنقَل الصورة السوداء للجهة الأعلى عن الأدنى ، من دون قصد ، تركته عظيما ، جسيما ، لبَّاسا ، ركَّابا ، درَّاجا ، ولاَّجا ، فقال : ليس عن هذا سألتك ، عما سألتني إذًا ؟ قال : سألتك عن سيرته فيكم ، عن أخلاقه قال : تركته ظلوما غشوما ، مطيعا للمخلوق عاصيًا للخالق ، فاحمرَّ وجهُ الحجاج خجلا من جلسائه ، وقال : ما حملك على أن تقول فيه ما قلته ، وتعلم أنت مكانه مني ، تعرف أنه أخي، فقال : أتراه بمكانه منك أعزَّ منك بمكاني مِنَ الله ، وأنا وافدٌ بيته ، مصدِّقٌ نبيَّه ، قاضي دينه ، أكذب على الله في بيته ، معقول ، أنت أغلى عليَّ مِن الله عزوجل ؟ سألتني ، فأجبتك ، لقد تركتُه عظيما ، جسيما ، لبَّاسا ، ركوبا ، ولاَّجا ، دخَّالا ، قال : عن غير هذا أسألك، قال : رأيته ظلوما، غشوما ، مطيعا للمخلوق ، عاصيًا للخالق ، على كلٍّ فسكت الحجاج و لم يُحِر جوابا ، قال طاووس : ثم ما لبث الرجل أن قام ، وانصرف مِن غير أن يستأذن ، أو أن يؤذن له ، فقلت في إِثره في نفسي : إن هذا الرجل صالح ، فأتبعه ، وأظفر به قبل أن تغيِّبه عن عينيك جموعُ الناس ، فتبعته فوجدته قد أتى البيتَ ، وتعلَّق بأستاره ، ووضع خدَّه على جداره، وجعل يقول : اللهم بك أعوذ ، وبجنابك ألوذ ، اللهم اجعل لي في الاطمئنان إلى جودك ، والرضا بضمانك مندوحة عن منع الباخلين ، وغنى عما في أيدي المستأثرين ، و الحديث القدسي أيها الإخوة : ما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته ، إلا جعلت الأرض هويا تحت قدميه ، و قطَّعت أسباب السماء بين يديه ، و ما من مخلوق يعتصم بي من دوني خلقي أعرف ذلك من نيته ، فتكيده أهلُ السماوات و الأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجا" .

إخواننا الكرام ؛ الله هو هو ، إلهُ صحابة رسول الله هو إلهنا ، إله التابعين إلهنا ، القرآن هو هو، فأنت إذا اعتصمت بالله ، واستقمت على أمره لا يمكن إلا أن ترى من آياته الدالَّة على أنه هو الإله ،


[سورة الزخرف]


[سورة الأعراف]


[سورة هود]


[سورة الفتح]


[سورة الأنفال]

الله عزوجل يشعرك دائما أنه موجود ، وأنه معك :

كن مع الله ترَ الله معك واترك الكلَّ وحاذِر طمعك

و إذا أعطاك من يمنعه ثم من يعطي إذا ما منــعك

المؤمن الصادق يشعر أن الله معه ، يشعر بوجود الله ، تجد أصعب إنسان يلين قلبُه معه ، واللهُ عزوجل يسخِّر عدوَّك ليخدمك ، ويسخر القويَ فيها لك ، يقف أمامك في حيرة ، وهو قادر على أن يسحقك ، ما الذي ألجمه .

ذكرت لكم قبل دروس عدة ، لما بلغ الحَجَّاجَ أن الحسن البصري ذكره بغير ما يريد ، فمباشرة خاطب مَن حوله ، قال : أنتم جبناء ، واللهِ لأسقينكم من دمه ، أعطى أمرا فوريا للسياف أن يهيِّئ نفسه لقطـع رأس الحسن البصري ، مُدَّ النطعُ في بهو القصر ، وجيء بالسياف ، وقال لصاحب الشرطة : ائتني بالحسن البصري لقطع رأسه ، وانتهى الأمر ، دخل الحسن البصري على الحجاج، فوقف لـه ، وقال : أهلا بأبي سعيد ، ماذا حدث ؟ شيء لا يُصَّدق ، فما زال يدنيه منه حتى أجلسه في مجلسه ، وسأله عن صحته ، وتلطَّف معه ، وعطَّره ، وسأله بعض الأسئلة ، وأجابه الحسنُ ، وقام ، وودَّعه ، وقال : يا أبا سعيد أنت سيد العلماء، السياف نظر ، لم يفهم الذي حدث ، معه أمرٌ بقطع رأسه فورا ، والنطع ممدود ، فتبعه الحاجبُ ، وقال له : يا أبا سعيد لقد جيء بك لغير ما فُعل بك ، فما القصة ؟ لما دخلتَ رأيناك تمتمت ، فماذا قلت ؟ قال الحسن البصري ، قلت : يا وليَ نعمتي ، يا ملاذي عند كربتي اجعل نقمته عليَّ بردا وسلاما كما جعلت النارَ بردا وسلاما على إبراهيم " ، أنا هناك كلمة أقولها كثيرا : إذا كان اللهُ معك فمن عليك ، وإذا كان اللهُ عليك فمن معك .

و اللهِ أيها الإخوة أعرف أناسا أقرب الناس إليهم زوجته أو ابنُه يتطاول عليه ، وقد يضربه ، وأعرف أناسا أعدى أعدائه يكرمه ، إذا كان اللهُ معك فمن عليك ، و إذا كان اللهُ عليك فمن معك، ليس معك أحد ، لذلك المؤمن موحِّد ، دائما يقول " يا ربي ليس لي إلا أنت ، تبرَّأ من حولك ، ومن قوتك ، ومن ذكائك ، وأتباعك ، ومن يحبك ، ومن يدعمك ، ومن يغطِّي أعمالك ، تبرَّأ من هؤلاء جميعا ، حتى يتولى اللهُ حفظك ، وتأييدك ، ونصرك ، ورعايتك ، قال : اللهم بك أعوذ ، و بجنابك ألوذ ، اللهم اجعل في الاطمئنان إلى جودك ، والرضا بضمانك مندوحة عن منع الباخلين ، وغنًى عما في أيدي المستأثرين ، اللهم إني أسألك فرجك القريب ، ومعروفك القديم ، وعاداتك الحسنة ، يا رب العالمين ، قال : ثم ذهبت موجةٌ من الناس ، و أخْفَتْهُ عن عيني ، فأيقنتُ أنه لا سبيل إلى لقائه بعد ذلك ، فلما كانت عشيةُ عرفة رأيته ، وقد أفاض مع الناس فدنوتُ منه ، فإذا هو يقول : اللهم إن كنتَ لم تقبل حجِّتي وتعبي ونصبي فلا تحرمني الأجرَ على مصيبتي لتركك القبولَ مني ، اعتبر عدم القبول مصيبة ، يا ربي اجرني عليها ، كما قال أحد التابعين : " التقيت بأربعين من أصحاب رسول الله ما منهم واحد إلا وهو يظن نفسه منافقا "، من شدة الورع ، ومن شدة الخوف ، هذا الخوف المقدَّس ، هذا القلق المقدَّس ، يا ترى أنا مقبول عند الله ، عملي مقبول ، لعل هناك خللا ، لعل هناك تقصيرا ، لعل هناك نفاقا ، لعل هناك نية لا ترضي الله عزوجل ، لعل هناك دنيا ، ثم غاب عنه مرة ثانية ، فلما يئس من لقائه قال : اللهم اقبل دعائي ، و دعائه ، واستجِب لرجائي ورجائه ، وثبِّت قدمي وقدمه يوم تزلُّ الأقدام ، واجمعني معه على حوض الكوثر يا أكرم الأكرمين " .

جاء خليفةٌ ثانٍ اسمه سليمان بن عبد الملك يلقي رحاله في أكناف البيت العتيق ، و يدلُّ أشواقه إلى الكعبة المعظَّمة ، ثم التفت إلى حاجبه ، وقال : ابتغِ لنا عالما يفقِّهنا في الدين ، ويذكِّرنا في هذا اليوم الأغرِّ من أيام الله عزوجل ، فمضى الحاجبُ إلى وجوه أهل الموسم ، وطفق يسألهم عن بُغية أمير المؤمنين ، فقيل له : هذا طاووس بن كيسان سيد فقهاء عصره ، وأصدقهم لهجة في الدعوة إلى الله ، فعليك به ، فأقبل الحاجبُ إلى طاووس ، وقال : أجِب دعوةَ أمير المؤمنين أيها الشيخ ، فاستجاب طاووسُ له من غير إبطاء ، ذلك أنه كان يؤمن بأن على الداعية إلى الله تعالى ألاّ تعرض لهم فرصةٌ إلا اغتنموها ، وألاّ تسمح لهم بادرةٌ إلا ابتدروها ، وكان يوقن أنّ أفضل كلمة تُقال هي كلمة حقٍّ أُريد بها تقويم اعوجاج ، فلما دخل على أمير المؤمنين حيَّاه ، فردَّ الخليفة التحيةَ بأحسنَ منها ، وأكــرم استقبال زائره ، وأدنى مجلسه ، ثم أخذ يسائله عما أشكل عليه من مناسك الحج ، وينصت إليه في توقير وإجلال ، قال طاووس : فلما شعرتُ أن أمير المؤمنين قد بلـغ بغيتـــه ، ولم يبق ما يسأل عنه قلتُ في نفسي : إنّ هذا المجلس لمجلسٌ يسألك اللهُ عنه يا طاووس ، ثم توَّجهت إليه ، وقلت: يا أمير المؤمنين إّن صخرة كانت على شفير بئر في قعر جهنم، وقد ظلتْ تهوي في هذه البئر سبعين خريفا ، حتى بلغت قرارها ، أتدري يا أمير المؤمنين لمن أعدَّ اللهُ هذه البئر من آبار جهنم ؟ فقال من غير روِيَّة : لا ، ثم عاد لنفسه ، وقال : ويلك لمن أعدَّها ؟ بئر في قعر جهنم يهوي فيها الإنسان سبعين خريفا ، إلى أن يصل إلى قعرها ، فقال طاووس : يا أمير المؤمنين أعدّها الله عزوجل لمن أشركه في حكمه فجار " لمن يظلم ، فأخذت سليمانَ رِعدةٌ ، ظننتُ معها أن روحه تصعد إلى باريها ، وجعل يبكي ، و لبكائه نشيج يقطِّع نياطَ القلوب ، فتركته ، وانصرفتُ ، وهو يجزِّيني خيرا ، ماذا يقول له الخليفةُ ؟ جزاك الله خيرا ، أيقظه ، قال له : بئر في قعر جهنم يهوي فيها الإنسان سبعين خريفا ، أتدري لمن ؟ هذه لمن أشركه اللهُ في حكمه فجار على الناس " .

ولما ولِيَ عمرُ بن عبد العزيز الخلافة بعث إلى طاووس ، وقال له : أوصني يا أبا عبد الرحمن، كتب إليه طاووسُ رسالةً في سطر واحد ، قال فيها : - دقِّقوا في هذا الكلام : إذا أردتَ أن يكون عملُك خيرا كلَّه فاستعمِل أهل الخير ، والسلام " أي أكبر مهمة يفعلها وليُّ الأمر أن يستعمل الصالحين ، الأمناء الأكفاء ، قال تعالى :


[سورة القصص]

سيدنا عمر قال : خذ عهدك وانصرِف إلى عملك ، واعلم أنك مصروف رأسَ سنتك ، أحد الولاة أراد أن يمتحنه ، قال له : إن وجدناك أمينا ضعيفا استبدلناك لضعفك ، وسلَّمتك من معرَّتنا أمانتك ، وإن وجدناك خائنا قويًّا استهلنا بقوَّتك ، وأوجعنا ظهرك ، وأحسنا أدبَك ، وإن جمعت الجُرمين ، جمعنا المضرتين ، وإن وجدناك أمينا قويًّا زدناك في عملك " .

الآن ، لما آلتْ الخلافةُ إلى هشام بن عبد الملك ، لطاووس معه مواقف شهيرة ، لما قدِم هشام البيت الحرام قال لخاصَّة أهله : التمسوا لنا صحابيا من أصحاب رسول الله ، قالوا له : إن الصحابة قد تلاحقوا بربهم واحدا إِثرَ آخر ، حتى لم يبق منهم أحد ، في عهد هشام بن عبد الملك لم يبقَ من أصحاب النبي أحدٌ ، قال : إذًا فمن التابعين ، أوتيَ له بطاووس ، فلما دخل عليه خلع نعليه بحاشية بساطـه ، وسلَّم عليه من غير أن يدعوَه بأمير المؤمنين ، وخاطبه باسمه دون أن يكنيه ، وجلس قبل أن يأذن له بالجلوس ، فاستشاط هشامُ غضبا حتى بدا الغيظُ في عينيه ، قال : ويحك ، ما حملك على ما صنعت ؟ قال : وماذا صنعت ، فقال الخليفة : خلعت نعليك بحاشية بساطي ، ولم تسلِّم عليَّ بإمرة المؤمنين ، وسمَّيتني باسمي ، ولم تكنِّني ، ثم جلستَ من غير إذني ، فقال طاووس بهدوء : أما خلعُ نعليَّ بحاشية بساطك فأنا أخلعها بين يدي رب العزة كل يوم خمس مرات في المسجد ، فلا يعاتبني ربي ، ولا يغضب عليَّ ، وأما قبولك : إني لم أسلِّم عليك بإمرة المؤمنين فلأن جميع المؤمنين ليسوا راضين بإمرتك ، وقد خشيتُ أن أكون كاذبا إذا دعوتُك بأمير المؤمنين ، وأما ما أخذته عليَّ من أني ناديتك باسمك ، ولم أُكنِّك ، فإن الله عزوجل نادى أنبياءه بأسمائهم ، يا داوود ، يا يحيى يا عيسى ، وكنى أعداءه بألقابهم ، قال :


[سورة المسد]

هل هناك أوضح من هذا ، أما قولك : إني جلست قبل أن تأذن لي ، فإني سمعت أمير المؤمنين عليَّ بن أبي طالب يقول : إذا أردتَ أن تنظر لرجل من أهل النار فانظر إلى رجل وحوله قوم قيام بين يديه " ، فكرهتُ أن تكون أنت ذلك الرجل ، رأسا جلست ، فأطرق هشامُ إلى الأرض خجلا ، ثم رفع رأسه وقال : يا أبا عبد الرحمن عِظني ، قال : إني سمعتُ عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه يقول : إن في جهنم حيَّاتٍ كالقلال ، وعقارب كالبغال ، تلدغ كلَّ راعٍ لا يعدل في رعيته ، ثم قام وانصرف " سبحان الله لأنه مخلص ، وصادق ، ويبتغي وجهَ الله تقع هذه الكلمات موقعا حسنا في نفوس الخلفاء ، الإنسان الصادق يجعل اللهُ عزوجل لكلامه تأثيرا .

هذا التابعي جعل همَّه أن يعظ أولي الأمر ، انظُر كم خليفة ، وكم والٍ ، وكم مِن إنسان دخل عليه ، إخلاصُه لله جعل له هيبة كبيرة ، وصدقه في هداية الآخرين جعل لكلامه ذلك التأثير .

هذا الموضوع يحتاج إلى درس آخر إن شاء الله تعالى ، نرجو اللهَ عزوجل أن نستفيد من هذه المواقف ، أي الدين النصيحة ، فملخَّص درسنا " الدين النصيحة " الآن هناك اتِّجاه آخر ، يقال : يا أخي أعطه جَمَله ، ولا توجع رأسك ، أنت انصح أخاك ، وانصح أجيرك ، وانصح أقرباءك ، وانصح شريكك ، لا تسكت ، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي الفريضة السادسة

ابو عمر المصرى
12-13-2007, 11:47 AM
عامر التميمي







بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الواعد الأمين ، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا ، إنَّك أنت العليم الحكيم ، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا ، وانْفعنا بما علَّمتنا ، وزِدنا علمًا ، وأرِنا الحقّ حقًا ، وارزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطلا ، وارزقنا اجْتِنابه ، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الثاني من سِيَر التابعين رِضْوان الله تعالى عليهم أجمعين ، وتابِعِيّ اليوم هو عامر بن عبد الله التميميّ ، وقبل أن نبدأ قصَّته لا بدَّ من مقدِّمةٍ نحن في أمسِّ الحاجة إليها .

أيها الإخوة الكرام ، إنّ الإنسان في هذا الزمان الذي أنبأ به النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال : يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ *

[ رواه الترمذي ]
وهذا الحديث معروف عندكم ، وهناك أحاديث كثيرة تُذكِّرُ بِهُبوط الإنسان في آخر الزمان ، يصبح المعروف منكرًا ، والمنكر معروفًا ، يصبحُ المطر قيظًا ، والولد غَيْظًا ، ويفيضُ اللئام فَيْضًا ، ويغيظ الكرام غَيْظًا ، أحاديث لا مجال لِذِكْرها ، ولكنَّها تبيِّنُ أنّ حالة الإنسانيَّة في آخر الزمان في هُبوطٍ أخير ، هناك سُقوط ، وانْهِيارُ قِيَم ، وانْهِيارُ مبادئ ، وانْهيار مُثُل ، واستعار الشَّهوات والفِتَن ، فالإنسان في زحْمة هذه الحياة ، وفي زحْمة هذه الفتن ، حينما يسْتمعُ إلى قصَّة صحابيّ أو تابعيّ ، يرى النُّبْل ، والصِّدق ، ويرى الإخلاص ، والأمانة ، والاندفاع إلى الله عز وجل ، وكأنَّني أُشبِّه الإنسان برجلٍ يمشي في صحراء ؛ الحرّ شديد ، ورِمَال ، ثمّ يرى عن بُعْدٍ واحةً من أشجار نخيل وغدير ماءٍ ! فنحن إذا دخلنا بيت الله ، واسْتمعنا إلى قصّة صحابي أو تابعي ، وعِشْنا ساعةً في هذه القِيَم الرفيعة ، والمُثُل الفائقة ، هذا مِمَّا يَدْعو أن تُنزَّل علينا الرحمة، للقَوْل الذي تعرفونه جميعًا ، "عند ذِكْرِ الصالحين تتنزَّل الرَّحَمَات " ، والإنسان حينما يرى هؤلاء الأبطال ، وهؤلاء الصحابة الكرام ، وهؤلاء التابعين ، يرى بطولاتهم ، ووُضوح الرؤية عندهم ، ويرى انْطلاقًا إلى جنَّة لا يفْنى نعيمها ، هذا يكون لنا دافعًا وباحِثًا ، ومُشَجِّعًا ، إنّهم قُدْوةٌ لنا ، والشيء الخطير أيُّها الإخوة أنَّه كما يُقال : قلْ لي مَنْ قُدْوتُكَ أقُلْ لكَ مَن أنت ، أهل الدنيا قدوتهم مِن جِنْسِهم وعلى شاكلتهم ، فالتاجر قدْوتهُ تاجرٌ أكبر منه ، والصِّناعيّ قدوَتُهُ صِنَاعِيّ أكبر منه ، والمثقَّفُ ثقافةً عِلمانِيَّة قدْوتُهُ علمانيٌّ أكثر ثقافة منه ، والقويّ قُدْوتُهُ قويّ أكبر منه ، ولكنَّ المؤمن قدوتهُ رسول الله وصحابتُهُ الكرام ، الذين سَبَقُوهُ في مجال الإيمان ، لذا فهذه الدروس أيّها الإخوة نعيشُ بها جميعًا ساعةً ، وكأنَّنا في واحةٍ عقِبَ مسيرة في صحراء حارَّة ، لأنَّ الذي يحْصَل أنَّك في الأيَّام كلِّها تسْتمِعُ إلى قِصَصٍ مُؤدَّاها سقوط الإنسان ، ومادِيَّة الإنسان ، وشحّ الإنسان ، ولُؤْمُ الإنسان ، وقَسْوةُ الإنسان ، ونفاقُهُ ، وجهْلُه ، وحياةٌ فيها جهْل وسُقوط وحِقْد ولؤْم ، وفيها أنانيّة وعُدوانٌ وبَغْي ، وفيها تجاوُز ، فإذا انتقلنا إلى هؤلاء الأبطال الذين عاشُوا حياتهم سُعَداء وكانوا مُلوكًا ، مُلوك الدار الآخرة ، وكانوا أبطالاً ، وكانوا أعلامًا ، عشنا حينئذٍ ساعة روعة و شوق .

فعامِرُ بن عبد الله التميميّ كان مِن التابعِين الأجِلاَّء ، وقبل أنْ أدْخل في تفاصيل حياتِهِ ، لفَتَ نظري في هذا التابعيّ الجليل توازنُه في حياته ، فهو في عبادته كأرقى العابدين ، ولكن إذا انتقلْتَ إلى عملهِ في النهار كان أرقى المجاهدين ، وإذا انتقلْت إلى صبْرِهِ كان أشدّ الصابرين ، والحقيقة كما كنت أقول لكم دائمًا : نحن مع التَّفوّق لا مع التَّطرّف ! نحن مع أنْ يَنْمُوَ الإنسان في جوانِبِهِ الثلاثة ، أن ينْمُوَ عَقلهُ ، وأن ينْمُوَ قلبهُ ، وأن ينضبِطَ سُلوكهُ ، ويرقى عملهُ بِشَكْل متوازٍ.

يُقال : كانت البصْرَةُ على حداثتِها من أغنى بلاد المسلمين ، ومن أوْفرها ثرْوةً ، بما كان يتدفَّق عليها من غنائِمِ الحرب ، ولكنَّ الفتى التميميّ عامر بن عبد الله لمْ يكن له أرَبٌ في ذلك كلّه، لقد كان زاهدًا بِمَا في أيدي الناس راغبًا بما عند الله .

أيها الإخوة ، هذه جملة خطيرة جدًّا ، فالمؤمن يزْهدُ بِمَا في أيدي الناس ، ويرْغبُ بما عند الله ، فإذا زهدْتَ بما في أيدي الناس أحبَّكَ الناس ، وإذا رغبتَ بما عند الله أحبَّك الله ، والعكس غير صحيح ، أيْ إذا أحببت ما عند الناس ، وطمعْت في مالهم أبْغضَكَ الناس ، وإذا زهدْتَ بما عند الله أبْغضك الله تعالى .

رجل البصْرة الأوَّل ؛ الصحابيّ الجليل أبو موسى الأشعري كان والِيَ المدينة الزاهرة ، وهو قائد الجيوش فيها ، وإمامُ أهلها ، ومعلِّمُهم ، ومرشدهم إلى الله عز وجل ، لزِمَ عامر بن عبد الله التميميّ أبا موسى الأشعري في سِلْمه وحربِهِ ، نقول : إنهم تابعون ، ومعنى " تابعون" أنَّ هؤلاء اقْتدَوا بالصحابة بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام ، حيث بقيَ عددٌ غيرُ قليل من أصحاب رسول الله رِضْوان الله تعالى عليهم ، فهؤلاء التابعون لَزِموا صحابة رسول الله ، فهذا التابعيّ عامر بن عبد الله التميميّ لَزِمَ أبا موسى الأشعري في سلمه وحربهِ ، وفي حِلِّهِ وترْحالِهِ ، فأخذ عنه كتاب الله طريًّا كما نزل على فؤاد محمَّد صلى الله عليه وسلّم ، لأنّ القرآن يجب أن تتلَقَّاهُ قِراءةً ، وأنْ تتلقَّاهُ فهْمًا ، وأنْ تقْتَدِيَ بِمَن يُطَبِّقُهُ ، وتحضرني كلمة أُعْجَبُ بها ، هي في كتاب العُكْبُري ، يقول عن كتاب الله العزيز : " تؤخذُ ألفاظهُ من حُفَّاظِهِ ، وتؤخذُ معانيهِ مِمَّن يُعانيه"، يجب أن تلْتقي بإنسانٍ يُعاني هذه المعاني ، ويعيشُها ، وشتَّان بين من يتكلَّم عن معاني القرآن ، وهو لا يُعانيها ، وبين من يتكلَّم عن معاني القرآن ، وهو يُعانيها ، وفي الحقيقة عندنا في الأدب مِقياس مِن أرقى المقاييس في رُقِيِّ النصّ الأدبي ، يُسَمِّيه الأدباء والنُّقاد (الصِّدْق الفني) ، ومعْنى الصِّدق الفنيّ أن يصْدر الأديب عن تجربةٍ حيَّة يعيشها ، وعن عاطفةٍ صادقةٍ ، فالإنسان إذا حدّثنا عن حقيقة عاشها أبكانا ، أما إذا حدَّثنا عن مشكلةٍ خياليَّةٍ لم يُبْكِنا إطلاقًا ، فإذا أردْت أن تتأثَّر بأدبٍ ما فابْحَث عن أديبٍ صادقٍ فيما يقول ، صِدْقُهُ فنيّ ، فأنت لو اسْتمعْتَ مِن فقيرٍ يصفُ حالة الفقْر ، ربّما راق له قلبك ، أما لو اسْتَمَعْت إلى غَنِيٍّ مُتْرفٍ يصفُ لك حالة الفقْر ، ربَّما نفرْتَ من كلامه ، لأنَّه لا يعرفُ الشَّوْق إلا من يُكابِدُه ، ولا الصَّبابة إلا من يُعانيها .

فأخذ هذا التابعيّ الجليل عن أبي موسى الأشعري كتاب الله رطبًا طرِيًّا كما نزل على فؤاد محمد صلى الله عليه و سلم ، وروى عنه الحديث صحيحًا مَوْصولاً بالنبي الكريم الله صلى الله عليه وسلّم ، وتفقَّهَ على يدَيْه في دين الله عز وجل ، فلمَّا اكْتَمَلَ له ما أراد من العِلْم جعَلَ حياتهُ أقْسامًا ثلاثة ، ذكرتُ أشياءَ دقيقة ، أنت بِحاجةٍ إلى درس تفسير كتاب الله ، وهل مِن كتابٍ على وجه يمكن أن يكون أهَمّ في حياتك من كتاب الله ؟ هو منْهجك ، وأنت بِحَاجةٍ ماسَّةٍ إلى درْسٍ في الحديث الشريف وشرحه ؛ لأنّ الله عز وجل يقول :


[ سورة الحشر ]

فمعرفةُ الذي أتانا به النبي أو آتانا إيَّاهُ النبي فرْضُ عَيْنٍ على مسلم ، هذا البند الثاني.

أنت كَزَوْج ، أو موظَّف ، أو طبيب ، أو تاجر ، أو محامي ، أنت في أمسّ الحاجة إلى أن تعرف الأحكام الفقْهيَّة المتعلِّقة بِحِرْفتكَ وحياتك ، فأنت كَزَوْج عليك معرفة حقوق الزوج والزوجة ، وطريق معاملة الأهل كما كان يفعلها النبي عليه الصلاة والسلام ، وفي التجارة ، حقوق البيع والشِّراء وشروطهما ، والدَّيْن والحوالة ، والوكالة ، وأنت بِأمسّ الحاجة إلى درسٍ في السيرة ، لأنَّ السيرة إسلامٌ عملي ، وحقيقة مع البرهان عليها ، فلمَّا اكْتملَ لهذا التابعيّ الجليل العلْم جعَلَ حياتَهُ أقسامًا ثلاثة ؛ وهذا ينقلنا إلى تنظيم الحياة .

أيها الإخوة الكرام ، أُناسٌ كثيرون جدًّا يكونون ضَحِيَّة الدنيا ، لا تنظيم في حَياتِهِ ، يأتي بهُموم عملهِ إلى البيت ، فَيَشْقى في بيتِهِ ، وينقل هموم بيتِهِ إلى عملهِ ، فيَشْقى في عمله ، فإذا دَخَلَ إلى بيت الله كانت كلّ مشكلات التجارة في ذهنه في أثناء الصلاة ، لقد صلّّى أحدهم صلَّى وراء الإمام فقال له : أنت صلَّيْت ركعتين فقط في صلاة المغرب ، فقال الإمام : هذا غير معقول! فقال المُصَلِّي : لا ، لأنَّ لي ثلاثة محلاَّت تِجاريَّة ، في كلّ ركعة أَحُلّ مشاكل محلّ ، وبقي المحلّ الثالث ما حللْتُ مشاكله !! يأتي هؤلاء بِهُموم العمل إلى المسجد ، وبهموم البيت إلى العمل ، وبهموم العمل إلى البيت ، ويكون في النهاية ضَحِيَّة عدم تنظيم حياته ، لذا أيها الإخوة نظِّموا أوقاتكم ، وإنّ لله عملاً بالليل لا يقبلهُ بالنهار ، وعملاً بالنهار لا يقبلهُ بالليل ، وقْتٌ لأهلك، ووقْتٌ لأولادك ، ووقْتٌ لعَمَلِك ، وقت لِعِبادتك ، ووقْتٌ لطلب العلم ، فتَنظيم الأوقات هو الذي يجعلكَ تكْسبُ الدنيا ، واللهُ عز وجل قال :


[ سورة الانشقاق ]

قرأتُ مرَّةً مقالة في مَجلَّة مفادها أنَّ في حياة الإنسان ثلاثة أشياء ؛ الوقت والصحّة والمال، ومن أجل أن تزهدوا في هذه الدنيا ، ففي مرحلة الشباب الصحَّة متوفِّرة ، وليس عندهُ مشكلة ، قلب ، دساَّمات ، ضَغط ، كولسترول ، شحوم ثلاثيَّة ، أسيد أوريك ، تجده يطحن الحجارة ، وفي أوَّل مرحلة الشباب الوقت وافر والصَّحة وافرة ، ولكن لا يوجد المال ، وفي المرحلة الثانية الصَّحة موفورة ، والمال موفور ، ولكن ليس لديه الوقت لِيَتَنَعَّم بالمال ، من لِقاء إلى لِقاء ، واجْتِماعات ، دوام ، وعمل مضنٍ ، وهموم ، ولو ذهَب إلى نزْهة لوجدتَهُ ساهيًا ! ففي المرحلة الثانية المال موجود والصَّحة موجودة ، ولكن ليس لديه الوقت ، وفي المرحلة الثالثة المال موجود، تقاعَدَ سلَّم أولادهُ زمام الأمور ، والوقت موجود ولكن لا توجد الصحَّة ، في جِسْمِهِ خمسون علَّة ، وهذه هي الحياة ؛ تغرُّ ، وتَضُرّ ، وتمُرّ ، ولكن حياة المؤمن ليست هكذا ، المؤمن عرف هدفهُ من بداية الحياة ، وشكَّل حياتهُ تشْكيلاً إسلاميًّا ، وجعل هدفهُ واضِحًا ، وجنَّدَ طاقاته ونشاطاته ومالهِ ووقتهُ في سبيل هذا الهدف ، لاحِظ إنْ أتَيْتَ بِعَدسة ، ووقفتَ تحت أشعَّة الشَّمس وجعلتَ مِحْرقها تحت ورقة ، فستحترق هذه الورقة ! فالذي حدث أنَّ هذه الأشعّة اجْتمَعت في نقطة فأحْرَقَتْ ، والإنسان إذا تجمَّعَتْ طاقاتهُ في شيءٍ واحد يُحَقِّق المستحيل ، أما أهل الدنيا فهم مبعْثَرون مُشَتَّتون ، أما المؤمن فهو مجموع ، عضلاته وخِبْراته وعلمه ومالهِ وذكاؤه ، وثقافته ، ومطالعته ، وطلاقة لِسانه ؛ يفعل بها المستحيل ، وكلّ ذلك في سبيل الله .

هذا التابعي الجليل قال : شطر في حلقات الذِّكْر يقرأُ فيه الناس القرآن الكريم في مسجد البصرة ، وشطْر في خَلَوات العبادة ينتصبُ فيه قائمًا بين يدي الله عز وجل حتى تَكِلَّ قدَماه ، وشطْرٌ في ساحات الجهاد يسَلّ فيها سيْفًا غازِيًا في سبيل الله ، فهو في الجهاد تارةً ، وفي العبادة تارةً أخرى ، وفي طلب العلم وتعليمه تارةً ثالثة ، ولمْ يتْرك في حياته موضِعًا لشيءٍ غير ذلك ، حتى دُعِيَ بِعَابِدِ البصْرة ، وزاهدها الأوَّل .

أحدُ أبناء البصْرة قال : سافرْتُ في قافلةٍ فيها عامر بن عبد الله التميميّ ، فلمَّا أقْبَلَ علينا الليل نزلْنا بِغَيْضةٍ فجَمَعَ عامرُ متاعَهُ ، وجمعَ فرسَهُ بِشَجَرةٍ ، وطوَّلَ له زِمامهُ ، وجمعَ له مِن حشائش الأرض ما يُشْبعُهُ ، وضرحهُ أمامه ، ثمّ دخل الغَيْضة وأوْغَلَ فيها ، فقلْتُ في نفسي : والله لأتْبعنَّه ، ولأنْظرنَّ ما يصْنعُ في أعماق الغَيْضة في هذه الليلة ، فمضى حتى انتهى إلى رابيةٍ ملْتفَّة الشجر ، مسْتورة عن الأعيُن فاسْتقبل القبلة ، وانتصبَ قائمًا يصلِّي ، فما رأيْتُ أحْسنَ من صلاته ، ولا أكمل ولا أخْشع ، ولما صلى ما شاء أن يصلِّي طفقَ يدْعو ربّه ويُناجيه، فكان ممَّا قال : إلهي قد خلقتني بِأمرك ، وأقمْتني في بلادك بِمَشيئتك ، ثمّ قلت ليَ : اسْتَمْسِك ، فكيف أسْتمسِكُ إن لم تمسِكْني بِلُطفك يا قويّ يا متين ‍.

أيها الإخوة الكرام ، الإنسان لا بدّ أن تكون له مناجاة مع الله تعالى ، وساعة يخْلو بها بِرَبِّه ؛ في سجوده ، وفي صلاته ، وفي ذكره ، هذه شحنة ، أنا مرَّةً مِصباحٌ كهربائي علَّمني درسًا لا أنساهُ ، مصباحٌ يُشْعل بالكهرباء ، كنتُ إذا نسيتُ أن أشْحنهُ ، وأردْتُ أن أسْتعملهُ فجأةً أضْغطُ الزرّ ، فإذا الضوء باهت ضئيل ، أما إذا شحنتُهُ ، وأردتُ أن أستعملهُ أرى له ضوءًا كَضَوء الشمس ، فكذلك المؤمن كلما شحنْتهُ تألَّق ، والشَّحنُ يكون عن طريق العبادة ؛ فالصلاة شَحن ، والذِّكر شحن ، والاستغفار شحن ، والدعاء شَحن ، وتلاوة القرآن شحن ، فبِقَدْر ما تشْحنُ نفْسكَ تتألَّق ، فهكذا كان هذا التابعيّ الجليل .

كان يقول : إلهي إنَّك تعلم أنَّه لو كانت ليَ هذه الدنيا بما فيها ، ثمَّ طُلِبَتْ مِنِّي مرْضاةً لك ، لوَهَبْتُها لِطَالِبِها ، فهَبْ ليَ نفسي يا أرحم الراحمين ، إلهي إنِّي أحْببْتُكَ حُبًّا سهَّلَ عليّ كلّ مصيبة، ورضَّاني بكل قضاء ، فلا أُبالي مع حُبِّي لك ما أصبحت عليه ، وما أمْسيْتُ فيه .

قال الرجل البصري : ثمَّ إنَّهُ غلبني النعاس فأسْلمْتُ جَفْني إلى النوم ، وما زلْتُ أنام وأسْتيقظ وعامر منتَصِبٌ في موقفه ، ماضٍ في صلاته ومناجاته حتى تنفَّس الصبح ‍! هل يعقل ألاّ ينام الإنسان ؟ نعم معقول ، أحيانًا يسهر شخصان إلى أذان الفجر ، لانْبساطهما ، فهل سرورك بالله عز وجل كَسُرورِكَ بِصَديقك من أهل الدنيا ، تسهر معه حتى الفجر ؟ قال : يا موسى أَتُحِبّ أن أكون جليسك ، فَصُعِقَ ! قال : كيف ذلك يا رب ؟ وكيف أكون جليسك ؟ قال : "يا موسى أما علمتَ أنَّه من ذكرني فقد جالسَني ، أما علمْت أنِّي جليسُ مَن ذكرني ، وحيثما الْتَمَسَني عبدي وجدني "، فلمَّا بدا له الفجر ، فأدَّى المكتوبة ، ثمَّ أقْبلَ يدعو ، ويقول : اللهمّ ها قد أصْبح الصبح ، وطفقَ الناس يغدون ويروحون ، يبتغون من فضلك ، وإنّ لِكُلٍّ منهم حاجة ، وإنّ حاجة عامر عندك أن تغفر له ، اللهمّ فاقْضِ حاجتي وحاجاتهم ، يا أكرم الأكرمين .

ثمّ قال عامر : اللهمّ إنِّي سألتُكَ ثلاثًا ؛ فأعْطَيتني اثْنَتَين ، ومنَعْتني واحدة ، اللهمّ فأعْطِنِيها حتى أعْبدَكَ كما أحبّ وأريد ، ثمّ نهَضَ من مجلسه ، ووقعَ بصَرهُ عليّ ، فَعِلَم بمكاني منه في تلك الليلة ، فجَزِعَ لذلك أشدّ الجزع ، وقال لي في أسًى : أراك كنت ترقبني تلك الليلة يا أخا البصرة؟ قلتُ : نعم ، فقال : اسْتر ما رأيْت مِنِّي ستَركَ الله .

أحيانا يصلّي الواحد منَّا قيام الليل فيقيم الدنيا ويقعدها ، ويقول : البارحة صلّينا قيام الليل !! هو يعبد الله ، ولا يحِبّ أن يُعْرف بذلك ، لأنَّ أفضل الزهد هو إخفاؤهُ ، لذا قال له : اسْتر ما رأيْت مِنِّي ستَركَ الله ! فقلتُ : واللهِ لَتُحَدِّثني بِهذه الثلاث التي سألت بها ربّك ، أو لأخْبِرَنّ الناس بِما رأيْتُه منك ؟ هو معه سلاح ، فإما أن تحدِّثني بها ، أو لأخبِرَنَّ الناس بما كان من شأنك ، فقال : وَيْحَكَ لا تفعَل ! فقال : قلتُ : هو ما أقولهُ لك ، فلمَّا رأى إصْراري قال : أحدِّثك على أن تعطِيني عهْد الله وميثاقهُ ، ألاّ تُخْبر بهذا أحدًا ! فقلتُ : لكَ عليّ عهْدُ الله وميثاقهُ ألاّ أُفْشِيَ لك سرًّا ما دُمْتُ حيًّا ، فقال : لمْ يكن شيءٌ أخْوفَ على ديني من النِّساء .

واللهِ يا أيها الإخوة هل معظم المسلمين يسرق ؟ غير معقول ، يشرب الخمر ؟ غير معقول، يقتل ؟ غير معقول ، لكنَّ النِّساء كما قال عليه الصلاة والسلام حبائل الشيطان ، إنَّ إبليس طلاَّع رصَّاد ، وما هو من فخوخه بِأوْثَقَ منه بِصَيْدِهِ من النِّساء ، فاتَّقوا الله ، واتَّقوا النِّساء ، فَمَأخذُ الشباب الوحيد هو النساء ، لذلك كلّما بالغْتَ في غَضّ البصر ، وابتعدْتَ عن اللِّقاءات المختلطة، والطرقات الفاسدة ، وعن الأماكن تواجد النساء كلَّما سلِمَ دينكُ ، قال : لمْ يكن شيءٌ أخْوفَ على ديني من النِّساء ، فسألْتُ ربِّي أن ينزع من قلبي حبّهنّ ، حتى صِرْتُ لا أبالي امرأةً رأيْتُ أم جِدارًا !!! وقد يقول أحدكم غضّ البصر صَعب ، وأنا أقول لكم : واللهِ الذي لا إله إلا هو وكما قال عليه الصلاة والسلام : مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَنْظُرُ إِلَى مَحَاسِنِ امْرَأَةٍ أَوَّلَ مَرَّةٍ ثُمَّ يَغُضُّ بَصَرَهُ إِلَّا أَحْدَثَ اللَّهُ لَهُ عِبَادَةً يَجِدُ حَلَاوَتَهَا *

[رواه أحمد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ]

أنت تصلّي في النهار خمس صلـوات ، فما قولك أنَّه كلّما وقعَتْ عيْنك على امرأة أجْنبيَّة ، وغضضْتَ بصرك لا تخاف أحدًا ، ولا ترجو أحدًا إلا الله ارْتَقَيْت عند الله ، مرَّةً قلتُ لكم : أحيانًا تتوافق القوانين مع الشرائع ، فإذا ترك أحدٌ سرقة المال ، يا تُرى ترك السرقة خوفًا من الله أم خوفًا من العقاب القانوني ؟ الله تعالى أعلم ، ولِحِكمة أرادها الله عز وجل أنَّ بعض أوامر الدِّين ينفرد بها من بين كلّ الشرائع ، فغضّ البصر مثلاً ، لا توجد جهة في الأرض يمكن أن تُحاسبك على نظرك إلى النِّساء ، وهذه العبادة عبادة الإخلاص ، لأنَّه لا توجد جهة تُحاسِب ، وإذا أرادتْ لا تستطيع ، فقد تكون في غرفة نوْمك ، والنافذة مفْتوحة ، والبناء الآخر قريب ، فُتِحَت نافذة ، وأطلَّت امرأة من النافذة ، من يستطيع أن يُحاسبك على نظرك إلى هذه المرأة ؟ لذلك قال تعالى :


[ سورة غافر ]

إذا كنت طبيبًا ، وشَكَتْ لك موضِع ألمٍ من جسمها ، فلك الحقّ أن تنظر إلى هذا الموضع كي تعالجهُ ، ولكن من الذي يكشف أنَّك نظرْت إلى موضعٍ لسْت بحَاجة إليه ؟ نظرة شهوةٍ ، الله هو الذي يعلم ، قال تعالى :


[ سورة غافر ]

لذلك أنا أُردِّد هذا القول كثيرًا : من لم يكن له ورعٌ يصدّه عن معصيَة الله إذا خلا لمْ يعبأ الله بشيءٍ من عمله .

قال : فقلتُ هذه واحدة فما الثانية ؟ قال : سألتُ ربّي ألاّ أخاف أحدًا غيره ، واللهِ توجد بالأرض ملايين الجهات المخيفة ، وما أكثر المخاوِف ، فإذا ركبْتَ مركبةً فهناك مخاوف ، مجيء سائقٍ غافل ، وإذا دخلت إلى مكان فهناك من يُعَرقل عملك ، ويُعَقِّد عليه القضايا ، فالإنسان تحت أخطار لا يعلمها إلا الله ، قال : سألتُ ربّي ألاّ أخاف أحدًا غيره ، فاسْتجاب لي ، حتى إنِّي واللِه لا أرغب شيئًا في الأرض ولا في السماء سواه ، قال : يا موسى خفْني وخَفْ نفسكَ ، أنا أقول لكم هذه الحقيقة : واللهِ - وهي دقيقة جدًّا - مهما رأيْت جهة قوِيَّة شَرِسةً عُدْوانِيَّة ، فلا تخَفْ منها ، خَفْ من ذنْبٍ تقترفهُ ، فيَسْمحَ الله لهذه الجهة القويَّة أن تصل إليك ، قال تعالى :


[ سورة الأنعام ]

وقال تعالى :


[ سورة الأنعام ]

تصوَّر إنسانًا واقفًا أمام سبعة وُحوش مخيفة ، وكلّها تريد أكْلهُ ، بِلُقْمة واحدة ، ولكنّ هذه الوحوش مربوطة بِيَد جهةٍ واحدة ، ومربوطة بِأزِمَّة مُحكمةٍ ، وهذه الجهة بصيرة سميعة عليمة حكيمة رحيمة وعادلة ، فأنت علاقتك مَع منْ ؟ مع الوُحوش أم مع الجهة التي تُمسِكُ أزِمَّتها ؟ هذه الجهة لو أَرْخَتْ بعض الأزِمَّة لوصَلَتْ الوحوش إليك ، فإذا منَعَتْها عنك انتهى الأمر ، وهذا معنى قول الله تعالى :


[ سورة هود ]

هذا معنى قول بعض العارفين :

***

أَطِعْ أمْرنا نرْفع لأجلك حجْبَنا فإنَّا مَنَحْنا بالرضا من أحبَّنا

ولُذْ بِحِمانا واحْتَمِ بِجَنابِنـــا لِنَحميك ممَّا فيه أشرار خلقنا

***

قلْتُ : فما الثالثة ؟ فقال : سألْتُ ربِّي أن يُذْهِبَ عَنِّي النَّوم حتى أعْبدَهُ بالليل والنهار كما أريد ، فمَنَعَنيها ، فلمَّا سمِعتُ منه ذلك قلتُ له : رِفْقًا بِنَفْسِك فإنَّك تقضي ليلكَ قائمًا ، وتقطعُ نهاركَ صائمًا ، وإنَّ الجنَّة تُدْركُ بأقلَّ ما تصْنع ، وإنَّ النار تُتَّقى بأقلَّ مِمَّا تُعاني ‍! فقال : إنَّي لأخشى أن أنْدَمَ حيث لا ينفعُ النَّدَم ، والله لأجْتهِدَنَّ في العبادة ما وجدتُ للاجتهاد سبيلاً ، فإنْ نجَوْتُ فَبِرَحْمة الله ، وإن دخلْتُ النار فَبِتَقْصيري .

أيها الإخوة ، هل تعلمون من هو العاقل ؟ هل عندكم تعريفٌ جامعٌ مانِعٌ للعاقل ؟ العاقل هو الذي لا يعملُ عملاً يندمُ عليه ، فأنت الآن تعيش ، ولكن يا ترى لو حان الآن وقتُ مُغادرة الدنيا، ألا تنْدم لِمَ لمْ تُصَلِّ أكثر ، ولِمَ لمْ تتعلَّم أكثر ، ولِمَ لمْ تُنْفِقُ أكثر ، ولذلك فالعاقل هو من يعْملُ عملاً لا ينْدمُ عليه أبدًا ، هذا ما قالهُ بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم والله : "لو علِمْتُ غدًا أجلي ما قدرْتُ أن أزيد في عملي " .

غير أنَّ عامر بن عبد الله لمْ يكن راهبًا من رهبان الليل فحَسْب ، بل كان فارسًا من فرسان النهار أيضًا ، فما أذَّنَ مؤذِّنُ الجهاد في سبيل الله إلا وكان في طليعة من يُجيب النِّداء ، وكان إذا نهَض لِغَزوة من الغزوات مع المجاهدين وقفَ يتوسَّمُ الناس لِيَختار رِفاقهُ ، واسْمعوا هذه القصَّة: إذا وقعَ على رِفْقةٍ تُوافقُهُ قال لهم - فقبل أن يجاهد يختار رفاقهُ في الجهاد ألا يقولون الرفيق قبل الطريق - : يا هؤلاء ، إنِّي أريد أن أصْحبكم على أن تُعطوني من أنفسكم ثلاث خِلال ، فيقولون ما هنّ ؟ فيقول : أولهنّ أن أكون لكم خادمًا ، فلا يُنازعني أحدٌ منكم في الخدمة أبدًا ، سيِّدُ القوم ، والثانيَة أن أكون لكم مؤذِّنًا فلا يُنازِعَني أحدٌ منكم للنِّداء للصَّلاة ، والثالثة أن أُنفقَ عليكم بِقَدر طاقتي ، لذلك يُعرَف الإنسانُ في السَّفَر ، فإذا قالوا : نعم ، انْضمَّ إليهم ، وإذا نازعه أحدٌ منهم في شيء من ذلك رَحَلَ عنهم إلى غيرهم .

ونزلَ سعْد بن أبي وقاص رضي الله عنه بعد القادسيّة في إيوان كِسْرى ، وأمرَ عمْرو بن مُقَرٍّ أن يجمعَ الغنائم ، ويُحصيَها ، لِيُرْسِلَ خُمسها إلى بيت مال المسلمين ، ويقسمُ باقيها على المجاهدين ، فاجْتمعَ بين يديه من الأموال والأعلاق والنفائس ما يفوق الوصْف ، ويعزّ على الحصر ، فهنا سِلال كبيرة مختَّمَةٌ بالرصاص ، مملوءة بآنِيَة الذهب والفضَّة ، كان يأكل بها ملوك فارس ، وهناك صناديق من نفيس الخشب كُدِّسَتْ فيها ثيابُ كِسْرى وأوْشحَتُهُ ودُروعُهُ المُحَلاَّة بالجوهر والدرر ، وصناديق مملوءة بِنَفائس الحليّ وروائع المقْتَنَيات ، وتلك أغمادٌ فيها سُيوف ملوك الفرس مَلِكًا بعد ملِك ، وسيوف الملوك والقُوَّاد الذين خضعوا للفرس خلال التاريخ، وفيما كان العمَّال يُحْصون هذه الغنائم على مرأى من المسلمين وعلى مَسْمع أقْبلَ على القوم رجلٌ أشعثُ أغْبر ، ومعه حُقّ كبير الحجم - الحُقُّ هو الوعاء الكبير - ، ثقيل الوزن حملهُ بِيَدَيه كِلْتَيهما ، فتأمَّلوهُ فإذا هو حُقٌّ لم تقع عيونهم على مثله قطّ ، ولا وجدوا فيما جمعوه شيئًا يعدِلُهُ أو يُقاربهُ ، فنظروا في داخله فإذا هو قد مُلئ بِرُوائه الدرّ والجوهر ، فقالوا للرجل : أين أصبْتَ هذا الكنز الثمين ؟ فقال : غنِمْتُهُ في معركة كذا ، في مكان كذا ، فقالوا : وهل أخذت منه شيئًا ؟ فقال: هداكم الله ، والله إنّ هذا الحُقّ وجميع ما مَلَكَتْهُ ملوك فارس لا يعدل قلامة ظفر !! ولولا حَقُّ بيت مال المسلمين فيه ما رفعْتهُ من أرضهِ ، ولا أتَيْتكم به ، فقالوا : من أنت أكرمكَ الله ؟ فقال : واللهِ لا أخبركم لِتَحمدوني ، وما أُخبرُ غيركم لِيُقَرِّضوني ، ولكنَّني أحمدُ الله تعالى وأرجو ثوابهُ ، ثمّ تركهم ومضى ‍! الآن قطعة الماس ثمنها مئتا ألف ليرة ، فإذا كانت كمّية كبيرة من الماس والذهب والفضّة ، ومُقْتَنَيات كبيرة ، جاء بها وتركها وانْسحَب ، هل أخذتَ منها شيئًا ؟ قال : لا ، والله ، كلّ هذا الحُقّ ، وكلّ كنوز فارس لا تعدل عندي قلامة ظفرٍ واحدة .

ثمّ تركهم ومضى ، فأمروا رجلاً منهم أن يتَّبعهُ ، وأن يأتيهم بِخَبرهِ ، فما زال الرجل يمضي وراءهُ ، وهو لا يعلمُ به ، حتى بلغ أصحابهُ ، فلمَّا سألهم عنه قالوا : ألا تعرفهُ ؟ إنَّهُ زاهِدُ البصْرة ، عامر بن عبد الله التميميّ .

الآن نُنْهي هذه القصَّة بِحادِثٍ مُنَغِّصٍ جرى لهذا التابعيّ الجليل ، فهذا التابعيّ الجليل رأى رجلا من أعوان صاحب شُرطة البصرة قد أمسكَ بِخُنَّاق رجل من أهل الذِّمة ، وجعل يجُرُّهُ جرًّا، والذِمِّيّ يستغيث الناس ، ويقول : أجيروني أجاركم الله ! أجيروا ذِمَّة نبيّكم يا معشر المسلمين ، فأقْبلَ عامر عليه ، وقال : هل أدَّيْتَ جِزْيتَكَ ؟ فقال : نعم أدَّيتها ، فالْتفتَ إلى الرجل الممْسِك بِخُنَّاقه ، وقال : ماذا تريد منه ؟ فقال : أريدهُ أن يذهب معي يكْسحَ حديقة صاحب الشرطة ، يكْسح يعني ينظِّف ، فقال للذِمِّي : أَتَطيبُ نفسك لهذا ؟ فقال الذميّ : كلاَّ ، فذلك يرُدّ قُواي ، ويشغلني عن كسب قوت عيالي ، فالْتفت عامر إلى الرجل وقال : دَعْهُ ، قال : والله لا أدعهُ ، فما كان من عامر إلا أن ألقى رداءهُ على الذميّ ، وقال : والله لا تغفر ذِمَّة محمَّد وأنا حيّ ، ثمّ تجمَّعَ الناس ، وأعانوا عامرًا على الرجل ، وخلَّصوا الذِمِّي من القوَّة ، فما كان من أصحاب أعوان الشّرطة إلا أن اتَّهموا عامرًا بِنَبْذ الطاعة ، ولفَّقوا له تهمةً أنَّه لا يطيعُ أمير المؤمنين ، ورمَوْهُ بالخروج عن أهل السنة والجماعة ، وقالوا : إنَّه امرؤُ لا يتزوَّج النساء ، ولا يأكل لحم الحيوانات، ولا ألبانها ، ويتعالى على غشيان مجالس الولاة ، ورفعوا أمرهُ إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفّان رضي الله عنه ، فأمر الخليفة والِيَهُ على البصرة أن يدعو عامر بن عبد الله إلى مجلسِهِ ، وأن يسألهُ عمّا نُسب إليه لِيَرفعَ له خبرهُ ، فاسْتدعى والي البصرة عامرًا ، وقال : إنَّ أمير المؤمنين أطال الله بقاءهُ أمرني أن أسألك عن أمور نُسِبَت إليك ، فقال : سَل عمَّا أمر به أمير المؤمنين ، قال : مالكَ تعْزفُ عن سنَّة رسول الله ، وتأبى أن تتزوَّج ؟ فقال : ما تركتُ الزواج عُزوفًا عن سنّة النبي عليه الصلاة والسلام ، فأنا أشْهد أنَّه لا رهْبانيَّة في الإسلام ، وإنَّما أنا امرؤً رأى أنَّ له نفْسًا واحدة ، فجَعَلها لله عز وجل ، وخشِيَ أن تغلبهُ الزوجة عليها ، قال : ما لك لا تأكل اللَّحْم ؟ فقال : آكلهُ إن وجدْتُهُ واشْتهيْتُهُ ، أما إن لم أشْتَهِهِ ، أو لم أجدْهُ فإنِّي لا آكله ، قال : ما لك لا تأكل الجبن ؟ قال : إنَّ بِمَنطقةٍ فيها مجوسٌ يصنعون الجبن ، وهم قومٌ لا يفرِّقون بين الميتة والمذبوحة ، إنِّي أخشى أن تكون المنفحة التي صُنِع منها الجبن من شاةٍ غير مذكَّاة ، فما شهد شاهدان من المسلمين على أنَّه جبْن صُنِعَ بمنفحة شاة مذبوحة أكلته ، قال : ما يمْنعك أن تأتي الولاة ، وتشهد مجالسهم ؟ قال : إنَّ في أبوابكم كثيرًا من طلاَّب الحاجات فادْعوهم إليكم ، واقْضوا حوائجهم لديكم ، واتْركوا مَن لا حاجة له عندكم ، رُفعَت الأقوال إلى أمير المؤمنين فلم يجد فيها شيئًا أو خروجًا عن السنة والجماعة .

هذا التابعي الجليل حينما خرج من البصرة ، رفع يديْه ، وقال : اللَّهمّ مَن وَشى بي ، وكذب عليّ، وكان سببًا في خروجي ، والتفريق بيني وبين صحبي ؛ اللَّهمّ إنِّي صفحْتُ عنه فاصْفحْ عنه، وهَبْ له العافيَة في دينه ودنياه ، وتغمَّدْني وإيَّاه وسائر المسلمين بِرَحمتك وعفوِكَ وإحسانك يا أرحم الراحمين ، ثمَّ وجَّه مَطِيَّتهُ نحو دِيار الشام ، ومضى في سبيله ، واسْتقرَّ في بيت المقدس، ومرِضَ مرَضَ الموت ، فدخَلَ عليه أصحابهُ فوجدوهُ يبكي ، فقالوا له : ما يُبكيك وقد كنتَ وكنت؟ فقال : والله ما أبكي حِرْصًا على الدنيا ، ولا جزعًا من الموت ، وإنَّما أبكي لِطُول السَّفر، وقلَّة الزاد ، ولقد أمْسيْت بين صعود وهبوط ، إما إلى الجنة وإما إلى النار ، فلا أدري إلى أيِّهِما أصير ، ثمَّ لفظَ أنفاسَهُ ، ولسانهُ رطْبٌ من ذِكْر الله ، هناك في أولى القبلتين ، وثالث الحرمين ، ومسرى النبي عليه الصلاة والسلام ، تُوُفِّيَ عامر بن عبد الله التميميّ ، وقبرهُ الآن في بيت المقدس .

هذا تابعيّ جليل وقف هذا الموقف ، واللهُ تعالى امْتحنهُ ، ونجَّاه ، وكان بطلاً في النهار ، وراهبًا في الليل ، وزاهدًا وورِعًا ، قال تعالى :


[ سورة الصافات ]

وقال تعالى :


[ سورة المطففين ]

الحمد لله رب العالمين
***

ابو عمر المصرى
12-13-2007, 11:47 AM
الربيع بن خثيم







بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الواعد الأمين ، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا ، إنَّك أنت العليم الحكيم ، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا ، وانْفعنا بما علَّمتنا ، وزِدنا علمًا ، وأرِنا الحقّ حقًا ، وارزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطلا ، وارزقنا اجْتِنابه ، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين .



أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الرابع من حياة التابعين رِضْوان الله تعالى عليهم ، وتابعيّ اليوم هو الربيع بن خثَيم .

قال هلال لضيفه منذر الثوري : ألا أمضي بك يا منذر إلى الشيخ ، لعلَّنا نؤمن ساعة ؟ نقف عند هذا القول قليلاً .

كلّ شيءٍ له منابعُهُ ، وكلّ شيءٍ له معدنهُ ، فإن أردْت العلم فعليك بِدُور العلم ، وإن أردت التجارة فعليك بالأسواق ، وإن أردت السِّياحة فعليك بالمتنزَّهات ، فالذي يريد العلم الشَّرعي ، أو يريد القرب من الله عز وجل فلا بدّ أن يجلس مع أهل العلم ، ولا بدّ أن يرتاد المساجد ، ألم يقل أحد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم لأخيه : اجْلس بنا نؤمن ساعة ؟! بلى فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ إِذَا لَقِيَ الرَّجُلَ مِنْ أَصْحَابِهِ يَقُولُ تَعَالَ نُؤْمِنْ بِرَبِّنَا سَاعَةً فَقَالَ ذَاتَ يَوْمٍ لِرَجُلٍ فَغَضِبَ الرَّجُلُ فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَرَى إِلَى ابْنِ رَوَاحَةَ يُرَغِّبُ عَنْ إِيمَانِكَ إِلَى إِيمَانِ سَاعَةٍ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ رَوَاحَةَ إِنَّهُ يُحِبُّ الْمَجَالِسَ الَّتِي تُبَاهَى بِهَا الْمَلَائِكَةُ عَلَيْهِمْ السَّلَام *

(رواه أحمد)

أيها الإخوة ، عند أهل الأذواق ما من ساعة أمْتعُ على وجه الإطلاق من مُذاكرة العلم ، أو من طلب العلم ، أو من تعليم العلم ، إذا كان هناك معلِّم ومُتَعلِّم فهذا تعليم ، إذا هناك متعلِّم ومعلِّم فهذا تعلّم ، وإذا كان هناك مؤمنون بِمُستوى واحدة نقول : مذاكرة العِلم ، لكنَّ الذي أريد أن أقوله لكم : لا يوجد مَن ليس له جَلسات ، الإنسان له عمل ، وله وقت فراغ ، وإن كان وقت الفراغ يقِلّ مع عِظَم التَّبِعات ، وقِلَّة الموارد ، ولا أريد أن أخرج عن مضمون الدرس ، فالذي ليس عنده وقت فراغ لا يَحيا ، وإذا أُلغِيَ وقت فراغ الإنسان فقد أُلْغِيَت حياته ، لأنّ الإنسان يحيا بِمَبادئه ، ويحْيا باتِّجاهاته ، ويحيى بِتَأْدِيَة رسالتهِ ، فإذا ألغَيْنا في الإنسان وقْت الفراغ فقد ألغيْنا الوقت الذي يُمضيهِ كما يحبّ ، فالوقت الذي تكسب به المال ربما لا تحِبّه ، وهذا عمل رتيب ، وعمل ربما لا يكون ممْتِعًا ، ولكنَّ الوقت الذي تسْعدُ به هو الوقت الذي تنفقهُ فيما تُحبّ ، فالمؤمن - ولا أُبالغ - أثْمنُ شيءٍ في حياتهِ هو وقت الفراغ ، لأنَّه في هذا الوقت يطلب فيه العلم ، وفي وقت الفراغ يلتقي مع أهل العلم ، ويدعو إلى الله ، ويُحَقِّق رسالته ، ويؤكِّد ذاته ، ويصِلُ إلى ربِّه ، وقد يكسبُ جنَّة الآخرة ، المشكلة الآن أنَّ الإنسان يبحث عن عملٍ إضافي ، وأنا معكم في هذا ، ولكن هذا العمل الإضافي إذا امْتصَّ كلّ وقت فراغك ، وتمكَّنْت أن تُضاعف دَخْلكَ ، وتُنْفق هذا الدخل الزائد على ما زاد عن حاجتك فوالله لأنت الخاسر ، أنا أقول كلامًا ، وأعني ما أقول : حينما يُلغى وقت الفراغ في حياة الإنسان فقد أُلغِيَ وُجودهُ الإنساني ، وبقيَ وُجودهُ الحيواني ، كائنٌ يتحرَّك ويكسب المال ، ويأكل ويستريح ، ويستيقظ ، ويعمل ويكسب المال ، ثم يستريح إلى أن يأتيَهُ الأجَل ، ولكن لا بدّ من وقتِ فراغٍ تحضرُ فيه مجالس العلم ، أو تُعلِّم ، أو تلتقي مع من تُحبّ ، أو تدعو إلى الله ، أو تُطالع .

أيها الإخوة الكرام ، المقصود من هذا الكلام أنَّه إذا كان لك دخْلٌ يكفيك ، أو يكفيك مع بعض المشقَّة ، وبإمكانك أن تُمضي وقتًا طويلاً في معرفة الله ، والعمل الصالح ، فإيَّاك أن تتورَّط في إلغاء وقت فراغك ، لأنَّ هناك أُناسًا كثيرين يقولون : واللهِ لا يوجد وقت ! فنحن ندخل إلى بيوتنا بعد نوم أولادنا ، ونخرج من بيوتنا قبل اسْتيقاظ أولادنا !! وهو يظنّ أنَّه يُحْسنُ صُنعًا، وهو في الحقيقة ألغى وُجودهُ الإنساني ، ودقِّقُوا في هذا الكلمة : الذي يُلغي وقت فراغه يُلغي وُجوده الإنساني ، لا ترضى بِعَملٍ يشتريك به صاحبُ العمل من شروق الشمس إلى نصف الليل ! لو أعطاك مائة ألف بالشَّهر فأنت الخاسر الأكبر ، ولا تقبل عملاً يُلغي وقْت فراغك ، إنَّ الآخرة تحتاج إلى وقتٍ ، وبالمناسبة أجْمل ما قرأتُ عن الصلاة ، وأنّ الصلاة فيها من كلّ أنواع العبادات ، الصلاة فيها من الحجّ التَّوَجُّهُ إلى القبلة ، وفيها من الصِّيام ترْكُ الطَّعام والشَّراب ، وترْكُ الكلام فيما هو بعيد عن الصلاة ، وفي الصلاة معنى الزكاة ، لأنَّ أصْل كسْب المال هو الوقت ، وأنت تقْتطعُ منه لِتُصَلِّي ، وفي الصَّلاة معنى التَّشهّد ، صيام ، وزكاة ، وحج، وتشهّد ، الأركان الأرْبَعُة للإسلام تدخل في الصَّلاة ، ولذلك هي الفرْض المتكَرِّر الذي لا يُلغى بِحَال .

قال له : أنا أمضي بك يا منذر إلى الشيخ لعلَّنا نؤمن ؟ قال منذر : بلى ، فوالله ما أقْدَمَني الكوفة إلا الرَّغبة في لقاء شيْخِك الرَّبيع بن خُثَيْم ، والحنين في العَيْش ساعة في رِحاب إيمانه .

نسأل الله أن يجمعنا مع أهل الحق ، فالإنسان المؤمن الصادق المُتَّصِل والصافي والمخلص، اللِّقاء معه جميل ، وجنَّة الله في الأرض أن تلتقي مع أهل الإيمان ، هؤلاء كما قيل عنهم كالكبريت الأحمر ؛ نادر ، قال له : فوالله ما أقْدَمَني الكوفة إلا الرَّغبة في لقاء شيْخِك الرَّبيع بن خُثَيْم ، والحنين في العَيْش ساعة في رِحاب إيمانه ، ولكن هل اسْتأذنْت لنا عليه ؟ فقد قيل لي : إنَّهُ منذ أُصيب بالفالج لزِمَ بيتهُ ، وانْصرفَ إلى ربّه ، وعزفَ عن لقاء الناس !

تصوّر إنسانًا أُصيب بالفالج ، فهو بعيدٌ عن الله تعالى ، وقد ينتحر ، وقد ينهار ، وتصوَّر إنسانًا مؤمنًا أُصيب بالفالج ، وهو قريب من الله ، لقد صار هذا المرض خَلْوَةً له ، وهذا ما قاله أحد العارفين : ما يصْنعُ أعدائي بي ؟ جنَّتي في صدري ، إن أبْعَدوني فإبعادي سِياحة ، وإن قتلوني فقتْلي شهادة ، وإن حبسُوني فحَبْسي خلوة ، أجْمَلُ ما في حياة المؤمن أنَّ سعادتهُ تنْبعُ من داخلهِ ، ولا يأخذها من الخارج ، ولكنَّ عامَّة الناس سعادتهُ من بيتهِ ، فإذا حُرِمَ بيتهُ اخْتلَّ توازنهُ، وسعادتهُ من مرْكبته ، وسعادتهُ من زوجته ، ومن أولاده ، ومن مكانتهِ ، فإذا حُرمَ هذه الشروط انْهارَ نفْسِيًّا ، والمؤمن سعادتهُ من داخلهِ ، أيْنمَا ذهبْت به يسْتغني عن أيِّ شرْط مادِّيٍ لِسعادته .

قال هلال : إنّه لكذلك منذ عرفَتْهُ الكوفة ، لم يُغيِّر منه المرض شيئًا ، الذَّهَب ذهَب ، فأنا هذه الحقيقة أعرفها ، ولكنَّني ما شعرْتُ بها ، مرَّةً قرأْتُ مقالة : عثَرُوا على باخرة غرقَتْ في عام 1910 ، وكانت تحْمل كمِّيَة كبيرة جدًّا من الذَّهَب من أمريكا إلى بريطانيا ، أو العكس ، غرقَت في عرْض المحيط الأطلسي ، والآن هناك شركات تبْحث في التاريخ القديم عن غرَق هذه البواخر العِملاقة التي تحمل من الثَّرَوات ما لا سبيل إلى وصْفه ، وكوَّنوا فريق بحث عن طريق غوَّاصات مُسطَّحة ووصَلوا إلى قاع المحيط ، وعَثَروا على هذه السفينة ، ورأيْتُ في المجلَّة صُوَرًا لِسَبائِكِ الذَّهَب اللاَّمِعَة التي اسْتُخْرِجَت من المحيط ، طبْعًا الفكرة واضحةٌ سابقًا ، ولكن أنا عِشْتُ هذه الحقيقة فالذَّهَب ذهَب ، وكانت تلك السبائك بِمَنظرها ، وكأنَّها صُبَّتْ قبل ساعة ، بقِيَت في أعمـاق المحيط منذ 1910، واسْتُخْرِجَتْ قبـل سنة ، أيْ بقيَتْ ثمانين عامًا في المياه المالحة والعوامل الطبيعية ، فالذَّهَب يبقى ذهَبًا ، ولن يتغيَّر اللَّمَعان والبريق والصَّفار ، فلذلك المؤمن ذهب أربعة وعشرين ، وهناك ثمانية عشر ، وهناك ستَّة عشر ، وهناك من هو مَطليٌّ بالذَّهَب ، أما المؤمن الصادق فلن يتغيَّر .

قال له : لا بأس ، ولكِنَّك تعلم أنَّ لِهَؤلاء الأشياخ أمْزِجَةً رقيقة ، فهَلْ ترى أن نُبادِر الشَّيْخ فنسْألهُ عمَّا نريد ؟ أم نلْتزمُ الصَّمْت فنَسْمعُ منه ما يريد ؟ والحقيقة كلّ شخْصٍ يُعاني هذه المشكلة، إذا زارَ أخًا يُحبُّه ويثقُ به ، يا ترى يسأل أم يسْمع ؟ والله كلاهما خير ، فإذا أنْصَتَ فأنا متأكِّد أنَّك إذا ذهبْت إلى رجلٍ تثق بِدِينه وإخلاصِهِ وعلمه ، فإذا صمَتَّ فالله تعالى إكرامًا لإخلاصك لطلب العلم ، وإكرامًا لإخلاصهِ في تعليم العِلْم يُلْهِمُه ما أنت بِحاجةٍ إليه ، وإذا سألْتهُ فلا مانع ، فَمِفتاح العلم السؤال ، كلاهما جائز ، فإما أن تسأل ، وإما أن تستمع .

فقال هلال : لكنَّ هذا الشيخ لو جلسْتَ معه عامًا بأكملهِ فإنَّه لا يُكلِّمك إذا لم تكلِّمْه ، حضرني حديث وردَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ *

[رواه أحمد]
هناك مؤمن يميل إلى الصَّمت ، ومؤمن يميل إلى الكلام ، وهناك من يميل إلى اللِّقاء مع الناس ، منْفتح ، ومؤمن يميل إلى الخَلْوَة ، كلّهم على العَين والرأس ، وهناك مؤمن يعتني بِمَظهره كثيرًا ، ومؤمن أقلّ اعْتِناءً بِمَظهره من الآخر ، فهذه طِباع تختلف من مؤمن لآخر ، وهناك من هو هادئ الطَّبع ، وآخر حادّ الطَّبْع ، وهناك إنسان كالحمامة ، وآخر كالصَّخرة ، أو بالتعبير الإسلامي هناك إنسان عُمَري ، وإنسان بَكْري ، كسَيِّدنا الصدّيق ، هذه الطِّباع كلّها مقبولة، يُطبع المؤمن على الخلال كلّها إلا خيانة والكذب ، فإذا فعلهما فليس مؤمنًا ، لماذا الربيع بن خثيم لا يُكلِّمُكَ إلا إذا كلَّمْتهُ ، ولا يُبادِرُك إلا أن تسْألهُ ، فهو قد جعل كلامه ذِكْرًا ، وصَمْتهُ فِكْرًا ، ومن أدقّ الأحاديث الشريفة التي قال فيها النبي عليه الصلاة والسلام أمرني ربِّي بِتِسْع ؛ خشيَة الله في السرّ والعلانِيَّة ، كلمة العدل في الغضب والرضا ، القصد في الفقر والغنى ، وأن أصِلَ من قطعني ، وأن أعْفُوَ عمَّن ظلمني ، وأن أُعْطِيَ مَن حرمني ، وأن يكون صمتي فكْرًا ، ونطقي ذِكْرًا ونظري عبرةً " .

واللهِ مرَّةً مصباح كهربائي علَّمني درسًا لا أنساه ، هذا المصباح يُشْحن بالكهرباء ، لمَّا أنسى شحنه ، وأضطرّ لاستعماله أجد الضوء خافتًا ، ومرَّةً نسيتهُ في الشَّحن يومين دون أن أنتبه، فلمَّا استعملتهُ كان كالشَّمس وهكذا المؤمـن ، كلَّمـا اعتنى بِشَحْنِهِ كلَّما تألَّق ، وكلّما أهْمل شَحْنهُ عن طريق الذِّكر والعبادة وتلاوة القرآن كلَّما خَفَتَ ضوءُه ، فالمؤمن كما قال عليه الصلاة والسلام : أُمرتُ أن يكون صمتي فِكْرًا ، ونطقي ذِكْرًا ، ونظَري عِبْرةً .

قال : فلْنَمْضِ إذًا على بركة الله تعالى ، ثمَّ مضيَا إلى الشيخ ، فلمَّا صارا عنده سلَّمَا ، وقالا : كيف أصْبحَ الشيخ ؟ الآن هيِّئوا أنفسكم إلى كلام ربما لا تقبلونه ، ولكنَّ التواضع هكذا ، قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ - وهو أحدُ التابعين - : أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ *

(رواه البخاري)

والإنسان كلّما ارْتقى يتَّهِمُ نفسهُ ، قال الإمام الشافعي :

***

أُحبّ الصالحين ولسْتُ منهم لعلِّي أن أنال بهم شفاعـة

وكرهُ من بضاعتهُ المعاصي ولو كنَّا سواءً في البضاعة

***

واللهِ هو منهم ، ونحن لسْنا منهم ، هو من الصالحين ، وبضاعته الطاعات ، ولولا كان كذلك لما أكرمه الله بهذه المنزلة .

قال : كيف أصبح الشيخ ؟ قال : أصبح ضَعيفًا مذْنبًا ، يأكل رزقهُ ، وينتظر أجله ، فقال هلال : لقد نزل بالكوفة طبيبٌ حاذق ، أفتأذنُ بأَن أدْعُوَهُ إليك ؟ فقال : يا هلال ، إنِّي لأعلم أنَّ الدواء حق ، تداوَوْا عباد الله ، وكل إنسان يدع الدواء يقع في المعصِيَة ، بل إنَّ الحكم الفقهي إذا غلبَ على يقينك أنَّ هناك مرضًا يحتاج إلى دواء ، وهذا المرض يؤثِّر تأثيرًا بليغًا على جسمك ، فعدَمُ أخْذ الدواء معْصِيَة ، والمبادرة إلى المعالجة فرْضٌ ، وأبلغُ من واجب ، لأنّ هذا الجسم له قوانين ، أنت حينما تُنفِّذ تعليمات الطبيب المؤمن الحاذق الورِع ، فأنت تنفِّذُ تعليمات الصانع ، لأنَّ الطبيب عرف قواعد هذا الجسْم ، قال : يا هلال ، إنِّي لأعلم أنَّ الدواء حقّ ، ولكنِّي تأمَّلتُ عادًا وثمود وأصحاب الرسّ وقرونًا بين ذلك كثيرًا ، ورأيت حرصهم على الدنيا ، ورغبتهم في متاعها ، وقد كانوا أشدَّ منَّا بأْسًا ، وأعظمَ قدرةً ، وقد كان فيهم أطبَّاء ومرضى ، فلا بقِيَ المُداوي ولا المُدَاوَى ، ثمَّ تنهَّدَ تنْهيدةً عميقةً ، وقال : ولو كان هذا هو الداء لتداوَيْنا منه ، فاسْتأذن منذر ، وقال : فما الداء إذًا يا سيّدي الشيخ ؟ قال : الداء الذنوب ، قال منذر : وما الدواء ؟ قال : الاستغفار ، قال منذر : وكيف يكون الشفاء ؟ قال : بأن تتوب ، ثمّ لا تعود ‍! فالداء هي الذنوب والدواء الاستغفار والشفاء ألاَّ تعود ، وهذا كلامٌ واضح كالشمس .



أيها الإخوة ، في الأثر الموقوف عن علي بن أبي طالب قال : "عليكم بخمس ؛ لو رحلتم فيهن المطي لأنضيتموهن قبل أن تدركوا مثلهن ؛ لا يرجو عبد إلا ربه ، ولا يخافنّ إلا ذنبه ، ولا يستحيى من لا يعلم أن يتعلم ، ولا يستحيى عالم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول : الله أعلم ، واعلموا أن منزلة الصبر من الإيمان كمنزلة الرأس من الجسد ، فإذا ذهب الرأس ذهب الجسد، وإذا ذهب الصبر ذهب الإيمان "

(كنز العمال)

فلا تخف إذا ذنبك .

وهذه الفقرة من القصّة ذكَّرتني بكتاب قرأته ، واسمه (قصص العرب) ، وهو من أمْتع الكتب ، قصصٌ واقعيـّة من أربعة أجزاء ، فلمَّا أنْهَيتُ قراءة هذا الكتاب شعرْت أنَّ كلَّ مَن في الكتاب على وجه الإطلاق كبارًا وصِغارًا ، أقوياء وضعفاء ، أصِحَّاء ومرضى ، أذكياء وحمْقى، ظلاَّمًا ومظلومين ، وحكَّامًا ومحكومين ؛ كلُّهم الآن تحت أطباق الثَّرى ، وهذه موعظة ، فهذا المجلس بعد مائة عام ليس منَّا واحد إطلاقًا على وجه الأرض ، كلّنا موزَّعون في الثُّرى التي حول دمشق ، هذا في باب الصغير ، وذاك في قاسيون ، وذاك توُفِّيَ ، وقد مضى عليه خمسون سنة ، رحمه الله ، وكان يفعل كذا وكذا ، وما دامت الحياة ظلاًّ فيوشكُ أن ينقضي ، إذًا لا بدّ من عملٍ صالح ، والدنيا ساعة فاجْعلْها طاعة .

قال : ثمَّ حدَّق فينا ، وقال : السرائر السرائر !! عليكم بالسرائر التي تخفى على الناس ، وهنّ على الله تعالى بَوادٍ ؛ واضحة ، كلّ واحد له سرّ ، وله قلب ، فقد نتشابه ، كلّنا في مسجدٍ واحد ، وكلّنا يصلِّي ، وكلّنا يدفعُ زكاة ماله ، وكلّنا يحجّ ، ولكنّ هذه السرائر تتفاوُتُ فيما بينها ، فالإخلاصَ الإخلاصَ ، وعليكم بالسرائر التي تخفى على الناس ، وهنّ على الله تعالى بَوادٍ ، أي ظاهرة ، الْتَمِسوا دواءهنّ ، فقال منذر : وما دواؤهنّ ؟ الشيخ والتوبة النصوح ، ثمَّ بكى حتى بلَّلَتْ دُموعه لِحْيتهُ ، وهذا هو الإخلاص ، وفي الحديث : ركعتان من رجل ورع أفضل من ألف ركعة من مخلط *

(الجامع الصغير عن أنس)

وعن معاذ بن جبل أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن : أوصني ، قال : أخلص دينك يكفك القليل من العمل *

(الجامع الصغير للسيوطي)

درهمٌ أُنفِقَ في إخلاص خير من ألف مائة درهم أُنفقتْ في رياء ، والإخلاص محصِّلة العلم، وبرأيِ الاقتصاديِّين سِعر العُملة هو محصِّلة القومي ، الاقتصاد بأكملهِ ، الميزان التجاري ، القدرة على الإنتاج والقدرة على الاستهلاك ، والاستيراد والتصدير ، كلّ هذه العوامل الضَّخمة في اقتصاد الأمَّة مُؤدَّاها سِعْر العملة ، مُحصِّلة كلّ إيمانك هو الإخلاص ، فكلمَّا ارْتقى إيمانك ارتقى إخلاصك ، الأدقّ من ذلك كلّما ارتقى توحيدك ارتقى إخلاصك ، فالإخلاص مرتبط بالتوحيد ، فالأكثر توحيدًا هو الأكثر إخلاصًا ، والأقلّ توحيدًا هو الأقلّ إخلاصًا .

ثمّ قال له منذر : أَتبكي وأنت أنت ؟ قال : هيهات لِمَ لا أبكي ، وقد أدْركتُ قومًا نحن في جنبهم لُصوص ! فإذا شعر الواحد منَّا أنَّه متميِّز على المجتمع لا تميّز كِبْر ولكن تميّز طاعة ، فهو يرى معظم الناس يمتّعون أبصارهم في النساء ، وهو يغضّ بصره ، ومعظم الناس يأكلون مالاً حرامًا ، وهو ورعٌ جدًّا ، فلا يقبض القرش إلا إذا كان حلالاً ، وبيته إسلامي ، وزوجته محجَّبة ، صادق وأمين ، فالواحد في هذا الزمان مع الفسق والفجور وشُيوع الفِتَن والشهوات والملذّات ، فالذي يستقيم في هذه الحالة يشعر بِعِزَّة الاستقامة ، ولكن نحن وُجِدنا في ظرْف عمَّ فيه الفسق ، والمستقيم برز وتفوَّق ، ولكنَّنا لو وجدنا في مجتمع آخر كمُجتمع التابعين لكنَّا مع المقصِّرين جدًّا ، إن لم نقل مع المنافقين ، تمامًا لو جئت بِطَالبٍ وسط ، وتضعهُ في شعبة ضعيفة يصبح المتفوّقَ الأوَّلَ ، هذه يعرفها وتلك يعرفها... ولكنَّك لو وضعته مع المتفوِّقين يصبح آخِرَ واحد ، فنحن لعلَّ الله سبحانه وتعالى رحِمَنا إذْ جعلنا في آخر الزمان ، لو كنَّا مع الرعيل الأوّل من أصحاب رسول الله لما كان لنا ذِكْرٌ إطلاقًا .

قال له : لقد أدركْت قومًا نحن في جَنبِهم لُصوص ، يريد الصحابة رضوان الله عليهم ، امرأة رأَتْ أباها مقتولا في أحد ، وبعد قليل رأتْ أخاها مقتولا ، ثم رأت زوجها مقتولا ، ثم ابنها ‍‍‍!! وتقول : ما فعلَ رسول الله ؟ إلى أن بحثتْ عنه ، واطْمأنَّت على سلامته ، فقالت يا رسول : كلّ مصيبة بعدك جلَل !! نحن في هذا الزمان لا يوجد عندنا نساء بهذا المستوى ، فإذا كان هناك ثلاثة جرْحى ، وثلاثة آخرون على وشَكِ الموت ، والجريح يتمنَّى قطْرة ماء بِمِليون ليرة ، هذا الجريح يطلب الماء ، فيأتي الساقي ليَسْقيَهُ ، فيكون أخوه الذي إلى جنبه يئنّ ، فقال : أعْطِ أخي ‍! فلمَّا قُدِّم الماء لأخيه أنَّ الثالث ، فقال الثاني أعطِ الماء لأخي ، فلما ذهب ليُعطِيَه وجده فارق الحياة ، وذهب إلى الثاني فوجدهُ فارق الحياة ، وكذا الثالث !!!! هل عندنا مثل هذا النوع ؟! نحن بالحج في المطار مائتا مقعد لمائتي راكب ، لو تقف بعد مائتي متر ، ويدخل كلّهم الطائرة لوجدت مكانك ، لكنَّك تجدهم يتقاتلون من أجل الأمكنة ، شيء عجيب !! هناك فرق نوعي ، أنا مرَّةً في الحجَّة الثانيَة التي أكرمني الله بها بقيتُ بِمَكَّة عشرة أيام بعد انتهاء الحجّ ، وآخر يوم تمنَّيْت أن أُقبِّل الحجر الأسود ، وجئتُ في وقت لا تحتمل فيه الحرارة ، فقد بلغتْ ستًّا وخمسين درجة !! ومعي مظلّة ، ووجدْتُ خمسين شخْصًا يزمعون تقبيل الحجر ، واللهِ لو وقفوا بانتظام لقبَّلوه جميعًا في عَشْر دقائق ، رأيتُ الضَّرب والشدّ والدَّفْع ، هؤلاء المسلمون الذي سيفْتحون العالم ؟!! أين النظام ؟ أمَا قال له : أدْركتُ قومًا نحن بِجَنبهم لُصوص ! فانظرْ إلى تدافع الناس على المركبة ، وهم حجاج ، وطائرة ، ولكلٍّ مكانه ، لكنْ لا بدّ أن نتدافع ، ونشاتم ويشدّ بعضنا ثياب بعض لشيءٍ لا قيمة له إطلاقًا .

قال : وإذْ نحن كذلك دخل علينا ابن الشيخ فحَيَّانا وقال : يا أبتِ إنَّ أمِّي قد صنَعَت لك خبيصًا وجوَّدَتهُ ، نوعٌ من الحلْوَة ، وإنَّه ليَجْبر قلبها أن تأكل منه ، فهل آتيك به ؟ فقال : هاتِهِ ، فلمَّا خرج لِيُحضرهُ طرق سائلٌ فقال : أدْخلوه ، ولمَّا صار بِصَحن الدار : نظرتُ إليه ، فإذا هو رجل كهْلٌ مُمَزَّق الثِّياب ، قد سال لُعابهُ على ذقنه ، وبدا من ملامح وجهه أنَّه معتوه ، فما كِدْتُ أرفعُ بصري عنه حتى أقبل ابن الشيخ ومعه الخبيص ، فأشار إليه أبوه أن ضَعها بين يدي السائل، مَعتوه ، لُعابهُ على لحيته ، مُمَزَّق الثياب ، وهذا الطعام صنَعَتْهُ الزَّوجة ليأكل زوجها منه، فوضَعَه بين يديه ، فأقبل عليها الرجل ، وجعل يلتهم ما فيها الْتِهامًا ، ولعابهُ يسيل فوقها ، فما زال يأكل حتى أتى على ما في الصَّحفة كلّها ، فقال له ابنه : رحمك الله يا أبي ، لقد تكلَّفَت أُمِّي ، وصنعت لك هذا الخبيص ، فأطْعمْتَهُ هذا الرجل الذي لا يدري ما أكل ، اسمعوا الجواب ، قال له : يا بنيّ ، إذا كان هو لا يدري ما أكل فإنّ الله يدري ماذا أكل ؟ وهذه ذكَّرتني بِرَسول جاء من معركة نهاوند إلى سيّدنا عمر ، قال له : حدّثني عما جرى في هذه المعركة ، فقال : فلان قُتِل ، وفلان قتل ، قال له تابع : فقال هناك أناسٌ لا تعرفهم بأسمائهم ، بل تعرفهم بوُجوههم؟ فبكى عمر ، وقال : ما ضرَّهم إذْ أنّي لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم ، إنسان كريم جواد أعطى امرأة فقيرةً عطاءً كبيرًا ، قال له مَن كان جنبَه : لقد كان يرضيها القليل ، وهي لا تعرفك ، فأجاب وقال : إنْ كان يرضيها القليل ، فأنا لا أرضى إلا بالكثير ، وإن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي ، لذلك أيها الإخوة اصْنَع المعروف مع أهله ، ومع غير أهله ، فإن أصبْت أهلَهُ فقد أصبْت أهله ، وإن لم تصِب أهله فأنت أهله ، هذا هو الإخلاص ، فالمخلص لا يعنيه إطلاقًا ردُّ الفعل ، قدّر الفعل ، أو لم يقدّره ، أساء أو ، لم يسئْ ، فأنت تعاملت مع الله ، وما عرف من أتى له بالهديّة ، كلّ هذا غير مهمّ ، وما عرف من دفع المبلغ ، المهم أنّ الله علِم مَن دفع ، وهذا هو الإخلاص ، وكلَّما نما توحيدك نما إخلاصك ، لذا غير المخلص يقع في مطبّ مزْعج ، يستجدي المديح ، لأنّ إخلاصه ضعيف ، حتى يُعَوِّض عن الجهد الذي بذَلَه ، فإذا أقام وليمة قال: ربّما لم يعْجبكم الأكل ! فيقولون : لا ، والله ، لقد قال هذا من أجل أن يسْمع المديح ، فاسْتجداء المديح دليل ضعف الإخلاص ، وكلّما نما توحيدك نما إخلاصك .

قال له : يا بنيّ ، إذا كان لا يدري ماذا يأكل فإنَّ الله يدري ماذا يأكل ، ثمَّ تلا قوله تعالى :


[ سورة آل عمران ]

سمعتُ قصَّة أُسرة سامحها الله ، عندهم خادمة في البيت ، وعندهم وليمة ، والطعام مِمَّا يسيل له اللُّعاب ، مِن أعلى درجة ، فربَّة البيت عندها عدّة صحون قديمة في الثلاجة ، وألْزَمَت هذه الخادمة أن تأكل هذه الأطعمة التي مضى عليها أيّام ، وحرمتها أن تأكل لُقْمة من الطعام الجديد ! قال تعالى :


[ سورة آل عمران ]

وفيما هو كذلك إذْ دخل عليه رجل من ذوي قُرْبة ، وقال : يا أبا يزيد قُتِلَ الحُسَيْن بن عليّ كرّم الله وجهه ، وابن فاطمة عليها وعليه السلام ، فقال الربيع : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ثمّ تلا قوله تعالى :


[ سورة الزمر ]

ولكنَّ الرجل لم يشْفه كلامه ، فقال له : ما تقول في قتله ؟ قال : أقول إلى الله إِيّابهم ، وعلى الله حسابهم ! أنا أُرِيحُكُم من أشياء كثيرة ، تقييمُ الأشخاص ليس من شأن البشر ، ولكنه من شأن خالق البشر ، ولا يعلم الحقائق إلا الله ، والماضي كلّه تغطِّيه آية :


[ سورة البقرة ]

الْغِ التاريخ بآية واحدة ، والْغِ عِبء تقييم الأشخاص بكلمة واحدة ، وأنا قبل يومين كنت في تعْزِيَة ، والمُتَوَفَّى أعرفهُ ، وهو إنسانٌ صالح ، ولا أزكِّي على الله أحدًا ، ولكن قيل عنه كلامٌ قطعي ؛ إنَّه من أهل الجنَّة ! هذا كلام قطعي ، فذكرْتُ قَول النبي عليه الصلاة والسلام أَنَّ أُمَّ الْعَلَاءِ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ بَايَعَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ اقْتُسِمَ الْمُهَاجِرُونَ قُرْعَةً فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ فَأَنْزَلْنَاهُ فِي أَبْيَاتِنَا فَوَجِعَ وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَغُسِّلَ وَكُفِّنَ فِي أَثْوَابِهِ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْرَمَهُ فَقُلْتُ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَنْ يُكْرِمُهُ اللَّهُ فَقَالَ أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي قَالَتْ فَوَاللَّهِ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا *

[رواه البخاري]

لذا نحن نقول : ونرجو الله أن يكرمهُ ، ونرجو الله أن يُدخلهُ فسيح جنانه ، فإذا قلت : نرجو، فلا إشكال عليك إطلاقًا ، أما إذا قلتَ : هو من أهل الجنَّة فهذا تألٍّ على الله تعالى ، ولا يدخل الجنَّة فيما نعلم على وجْه اليقين إلا العشرة المبشَّرين بالجنَّة ، وما سواهم نرجو لهم دخول الجنة، لأنَّ تقييم الأشخاص ليس من شأن البشر ، بل هو من شأن خالق البشر ، قال تعالى:


[ سورة الغاشية ]

قال : ثمَّ إنِّي رأيتُ وقتَ الظهر قد اقترب ، فقلتُ للشيخ : أوْصِني ، قال : لا يَغُرَّنَك يا هلال كثرةُ ثناء الناس عليك ، فإنَّ الناس لا يعلمون منك إلا ظاهرك ، واعْلم أنَّك صائرٌ إلى عملك ، وأنَّ كلّ عملٍ لا يُبْتغى به وجْهُ الله يضْمحِلّ ، فقال المنذر : وأوْصني أنا أيضًا جُزيت خيرًا ؟ قال: يا منذر اتَّق الله فيما علمْت ، وما اسْتأثر عليك بعلمه فَكِلْهُ إلى عالمه ، لا تقل فيما لا تعلم ، يا منذر ، لا يقل أحدكم : اللهمّ إني أتوب إليك ، ثمّ لا يتوب ، ثمّ تكون كِذْبة ، ولكن قلْ: اللهمّ تُب عليّ ، فيكون دُعاءً ، اللهمّ تُبْ عليّ ؛ هذا دعاء ، أمّا : إنِّي تبْتُ إليك ، وما فعلت، فهذا كذب ، فاجْعل التوبة دعاءً ولا تجعلها خبرًا ، واعْلم يا منذر أنَّه لا خَير في كلامٍ إلا في تهليل الله ، أي التوحيد ، وتحميد الله ، أي الحمْد ، وتسبيح الله ، أيْ التنزيه ، وسؤالك من الخير، وتعوُّذك من الشرّ ، وأمرِكَ بالمعروف ، ونَهْيِكَ عن المنكر وقراءة القرآن ، فقال المنذر : قد جالسْناك فما سمعناك تتمثَّل بالشِّعر ، وقد رأينا بعض أصحابك يتمثَّلون به ؟ فقال : ما من شيءٍ تقوله هناك إلا كتِبَ ، وقُرِئ عليك هناك يوم القيامة ، النبي عليه الصلاة والسلام قال شطر بيت فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ :

*** أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ ***

وَكَادَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ أَنْ يُسْلِمَ

[متفق عليه]
أما الشطر الثاني من البيت فغلط ، قال فيه لبيد :

*** وَكُلُّ نَعِيمٍ لاَ مَحَالَةَ زَائِلُ ***

فنعيم أهل الجنَّة لا يزول ، لذلك لم يذكُره النبي صلى الله عليه وسلم ، أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ :

*** أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ ***

ولا يكْمل الكلام ، أما الواحد منَّا فتجِدُه يروي مائة كلمة كلها غلط ، ونحن مُحاسبون بما نقول .

قال : فأنا أكرهُ أن أجد في كتابي بيت شِعْر يُقرأُ عليَّ يوم يقوم الحساب ، ثمّ الْتفتَ إلينا جميعًا ، وقال : أكْثروا من ذِكْر الموت ، فهو غائبكم المُرتقب ، وإنّ الغائب إذا طالتْ غَيبَتُه أوْشكَتْ أوْبَتُه! ثمَّ اسْتعْبَر أيْ بكى ، وقـال : ماذا نصْنعُ غدًا إذا دُكَّت الأرض دكًّا دكًّا ، وجاء ربّك والملك صفًّا صفًّا ، وجيء يومئذٍ بِجَهَنَّم ؟ قال هلال : وما كاد الربيع أن ينتهي من كلامه حتى أُذِّن للظُّهر ، فأقْبل إلى ابنه ، وقال : هيَّا نُجِبْ داعيَ الله ؟ فقال ابنهُ : أعينوني على حَمْلهِ إلى المسجد جُزيتُم خيرًا ؟ فرفعناهُ ووضعَ يمناهُ على كتف ابنه ، ويُسْراه على كتفي ، وجعل يتهادى بيننا ، فقال المنذر : يا أبا يزيد لقد رخَّص الله لك ، فلو صلَّيْت في بيتك ! فقال : إنَّه كما تقول : ولكنَّني سمعتُ المنادي ينادي حيّ على الفلاح ، فمَن سَمِع منكم المنادي ينادي إلى الفلاح فلْيُجِبْهُ ولو حَبْوًا ، قال عليه الصلاة والسلام : لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَصَلَاةِ الْفَجْرِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا *

(رواه ابن ماجة وأحمد)

أي زحفًا ، من شدَّة الخير الذي في صلاة الفجر .

الربيع بن خثيم عَلَمٌ من أعلام التابعين ، وأحدُ الثمانيَة الذين انتهى إليهم الزهد في عصره ، عربيّ الأصل ، مُضَرِيّ الأرومة ، يلتقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم في جدَّيْه ، ونشأ منذ نعومة أظفاره في طاعة الله ، وفطم نفسه منذ حداثته على تقواه ، وكانت أُمّه تنام في الليل ، ثمَّ تصْحو فَتجِدُ ابنها اليافع ما زال صافًّا في محرابه ، سابحًا في مناجاته ، مُستغرقًا في صلاته ، فتقول له : يا ربيع ألا تنام ؟ فيقول : كيف يستطيعُ النوم من جنَّ عليه الليلُ ، وهو يخشى البيات؟! مَن لم تكن له بدايةٌ محْرقة لم تكن له نهايةٌ مشرقة ، فتتحدَّر الدموع على خدَّي الشيخة العجوز ، وتدعو له بالخير ، ولمَّا شبّ الربيع ونما ، شبَّ معه ورعُه ، ونمَت بِنُمُوِّه خشيتُهُ من الله تعالى ، ولقد أرَّق أمَّهُ كثرةُ تضرّعه ، وشدَّةُ نحيبه في عتمات الليل ، والناسُ نيام ، حتى ظنَّت به الظنون ، وكانت تقول له : يا بنيّ ما الذي أصابك ؟ لعلَّك أتَيْتَ جُرْمًا ، لعلَّك قتلْت نفسًا، دقِّقوا ! فذنب المؤمن كأنَّه جبلٌ جاثِم على صدره ، وذنب المنافق كأنَّه ذبابة لا يعبأ ، فقال: يا أُمَاهُ لقد قتلت نفسًا !! فقالت في لهْفة : ومن هذا القتيل حتى نجعل الناس يسْعَون إلى أهله حتى نجعل أهله يعفون عنك ، واللِه لو علم أهلُ القتيل ما تعانين من البكاء ، وما تُكابدين من السَّهر لرحِموِك، فقال : لا تكلِّمي أحدًا ، فإنَّما قتلتُ نفسي !! لقد قتلتها بالذنوب !!

ولقد تتَلْمذَ الربيع بن خثيم على عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وأقرب الصحابة هدْيًا وسمْتًا من النبي عليه الصلاة والسلام ، وقد تعلَّق الربيع بأُستاذه تعلّق الوليد بأُمِّه ، وأحبّ الأستاذُ تلميذَه حُبَّ الأب لوحيده .

قال أحدهم : بتُّ عند الربيع ليلةً ، فلمَّا أيْقن أنِّي دخلتُ في النوم قام يُصلِّي فقرأ قوله جلّ وعزَّ :


[ سورة الجاثية ]

فمكثَ ليلته يُصلِّي بها ، يبدؤها ويعيدها ، حتى طلع عليه الفجر ، وعَيناه تسُحَّان بالدُّموع سحًّا ، وقال بعض أصحابه : خرجنا يومًا لصُحبة عبد الله بن مسعود ، ومعنا الربيعُ بن خثيم ، فلمَّا صرنا على شاطئ الفرات مررْنا بأتون كبير قد صُعِّرَت نارهُ ، فتطايَر شررها ، وتصاعدَت ألسنةُ لهيبها ، وسُمِعَ زفيرها ، وقد ألقي في الأتون الحجارة لتَحْترِق حتى تصبحَ كلْسا ، فلمَّا رأى الربيعُ النارَ توقَّف في مكانه وعَرتْهُ رِعدةٌ شديدةٌ ، وتلا قوله تعالى :


[ سورة الفرقان ]

ثمّ سقط مغشِيًّا عليه ، فربطْنا معه حتى أفاق من خشْيتِهِ ، ومِلْنَا به إلى بيته .

الشيء الذي لفتُ النظر في حياة الربيع أنَّه يذكر الموت كلّ يوم اسْتعدادًا له ، والمؤمن العاقل لا تغيب عنه هذه الساعة التي لا بدَّ منها ، وكان عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ كلّ يوم يقول : ... الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي فِي جَسَدِي وَرَدَّ عَلَيَّ رُوحِي وَأَذِنَ لِي بِذِكْرِهِ *

[رواه الترمذي]
أيْ سمَحَ لي أن أعيشَ يومًا جديدًا.

فلمَّا احْتضرَ جعَلَت ابنتهُ تبكي ، فقال لها : ما يُبْكيكِ يا بنيّتي ، وقد أقبلَ على أبيكِ الخيرُ ؟! ثمَّ أسْلم روحهُ إلى بارئها .

يولد الطفلُ وكلّ من حوله يضحك ، إلا هو فيبكي ، وحينما يموت الإنسان كلّ من حوله يبكي ، فإذا كان بطلاً عندها فلْيَضْحكْ ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ لَمَّا وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ كَرْبِ الْمَوْتِ مَا وَجَدَ قَالَتْ فَاطِمَةُ وَا كَرْبَ أَبَتَاهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا كَرْبَ عَلَى أَبِيكِ بَعْدَ الْيَوْمِ إِنَّهُ قَدْ حَضَرَ مِنْ أَبِيكِ مَا لَيْسَ بِتَارِكٍ مِنْهُ أَحَدًا الْمُوَافَاةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ *

[رواه ابن ماجه]
وعن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال : سمعت عمار بن ياسر بصفين في اليوم الذي مات فيه وهو ينادي : إني لقيتُ الجبار ، وتزوجتُ الحور العين ، اليوم نلقى الأحبة ؛ محمداً وحِزبه ، عَهِدَ إليَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنّ آخر زادك من الدنيا ضباحٌ من لَبَن *

[رواه الطبراني في الأوسط]
لقد أعطانا ربُّنا ميزانًا دقيقًا ، قال تعالى :


[ سورة الجمعة ]

إذا لاح للإنسان شبح الموت ، وارْتعدَت فرائسُه ، فهذه علامة خطيرة ، أما إذا لاح له شبح الموت ، وقال : مرحبًا بلِقاء الله ، فهذه علامة على أنَّه محِبّ لله ، ومستقيم على أمره ، وهذا مقياس المؤمن ، والحمد لله رب العالمين .

ابو عمر المصرى
12-13-2007, 11:48 AM
عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز









بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا لا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علَّمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقًّا ، وارزقنا اتِّباعه ، وأرنا الباطل باطلا و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس السادس من دروس سير التابعين رحمهم الله تعالى ، والتابعيُّ اليوم هو عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز .

أيها الإخوة الكرام ؛ في هذه القصة دلالات كثيرة ، وتُعدُّ هذه القصة نموذجا من النماذج التي يمكن أن تُّعدَّ منهجا للمؤمنين ، فما كاد التابعيُّ الجليل أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ينفض ترابَ قبر سلفه سليمان بن عبد الملك أحد خلفاء بني أمية ، وقد توفِّي ودُفن ، وما إن نفض عمرُ بن عبد العزيز يديه من تراب قبر سلفه سليمان بن عبد الملك حتى سمع للأرض من حولـه رجَّة، فقال : ما هذه ؟ قالوا : هذه مراكبُ الخلافة يا أمير المؤمنين ، هو الذي جاء بعد سليمان ، هذه مراكب الخلافة ، قد أُعِدَّت لك لتركبها ، فنظر إليها عمرُ بطرف عينيه ، وقال بصوته المتهدِّج الذي نهكه التعبُ ، وأذبله السَّهرُ : مالي ولها ، طبعا هذا ماذا يعني ؟ هناك حقائق ، وهناك مظاهر ، والحقائق أهمُّ من المظاهر ، الحقائق أن يُرضيَ الإنسانُ ربَّه ، وأن يكون في طاعة الله، ولكن المظاهر لا نهاية لها ، وهذه المظاهر تنتهي عند الموت ، ماذا تنفع صاحبها ، لذلك أولئك الذين يتعلَّقون بالمظاهر هؤلاء خاسرون ، لأن الموت ينهي تلك المظاهر، ويواجهون عملهم إمَّا الذي فيه تقصير ، وإما الذي فيه إساءة ، أي الذي فيه عدوان ، ولو أن أهل الأرض جميعا من دون استثناء أثنوا عليك ، ولم يكن اللهُ راضيًا عنك فأنت أكبر خاسر ، ولو أن أهل الأرض جميعا سخطوا عليك وأنت في مرضاة الله فأنت الرابح ، لذلك ابتغوا الرِّفعة عند الله ، لقد رأى مظاهر فخمة جدًّا ، ولكنه قال ببساطة : مالي و لها ، نحُّوها عني بارك الله عليكم .

الحقيقة أيها الإخوة أنّ الإنسان بحاجة إلى السعادة ، شاء أم أبى ، إما أن يستقيها من خارجه، وإما أن تنبع من داخله ، فحينما يكون في مرضات الله عزوجل تنبع من داخله ، وحينما لا يكون في مرضات الله يبحث عنها من خارجه ، يبحث عنها في الطعام ، وفي البيت الفخم وفي المركبة الفارهة ، وفي الجاه العريض ، وفي مُتع الأرض ، لكن حينما يكون في مرضات الله فهذه السعادة تنبع من ذاته ، لذلك لا يعبأ المخلِصُ كثيرا بهذه المباهج ، ولا تلك المظاهر ، إنها لا تعني عنده شيئا ، ولا تقدِّم ولا تؤخَّر ، أنت بين الحقائق وبين المظاهر ، من قُذِف في قلبه بنور ربَّاني يرى بهذا النور الحقائق ، فلا ينخدع بتلك المظاهر ، نحن ما الذي يهلكنا ؟ المظاهر، فلو دخلت إلى البيوت ما الذي يجعل الخلاف بين الزوجين ؟ المظاهر ، هي تريد المظاهر ، ودخله لا يسمح له بذلك ، لقد دقَّت المظاهرُ رقابَ الرجال ، و أحيانا لا أقول : افعلوا هذا ، لكن تجلس في بيت بسيط جدا ، على الأرض ، هناك أثاث لغرفة الضيف يكلَّف أربعمائة ألف ، وأحيانا أجلس في غرفة ضيوف فيها فُرش من الإسفنج ، لا يزيد سمكُها عن أربعة سنتيمتر ، مغلَّفة بقماش رخيص ، فإذا هناك السرور ، و هناك المحبَّة لله ، وهناك الشعور بالقرب من الله ، ومهما كان الأثاثُ بسيطا فإنّه يسعدُك ، و في حالة البعد عن الله عزوجل مهما كان البيتُ فخما و الأثاث وفيرا فلا يسعدك ، فهنيئا لمن عرف الحقائق ، وهنيئا لمن وضع يده على سرِّ السعادة ، وهنيئا لمن وضع يده على حقيقة حياة الإنسان .

في الدنيا مظاهر وحقائق ، فتعليقي على هذا الكلمة ، قال : ما هذا ؟ قالوا : إنها مراكب الخلافة يا أمير المؤمنين ، قد أُعدَّت لك لتركبها ، فنظر إليها عمرُ بطرف عينيه ، وقال بصوته المتهدِّجِ الذي نهَكه التعبُ وأذبَله السَّهرُ : ما لي ولها ، نحُّوها عني بارك الله عليكم .

ذكرتُ هذه القصَّة مراتٍ عديدة ، وسمعتُ أن قريةً من قرى غوطةِ دمشقَ اتَّفق وجهاؤُها على أن الخاطب لا يُكلَّف إلا بخاتم وساعة ، كلُّ هذه المظاهر تحتَ أقدامهم ، فيسَّروا بذلك الزواجَ ، والآن ما الذي يقف عقبةً أمام زواجِ الشباب ؟ إنها المظاهرُ ، طلباتُ الأهل : بيتٌ مساحته كذا ، بالموقع الفلاني ، وغرفةُ الضيوف من النوع كذا ، غرفةُ النوم من النوع كذا ، ويجب أن يُلبِس مخطوبتَه كذا وكذا وكذا ، فتكلَّف الخاطب ثلاثةِ ملايين ، اتركوا ابنتكم عندكم ، ومَن الذي أشقى البيوتَ ؟ المظاهر ، لو أخلصنا لله عزوجل ، واتَّصلنا به لنبعت السعادةُ من داخلنا ، هذا الينبوع من السعادة يغنينا ويزهِّدنا بمصادر اللذة الخارجية ، قال : نحُّوها عني بارك الله عليكم ، وقرِّبوا لي بغلتي ، فإن لي فيها بلاغا ، ثم إنه ما كاد يستوي على ظهر البغلة حتى جاء صاحبُ الشُّرَط ليمشي بين يديه ، ومعه ثُلةٌ من رجاله اصطفُّوا عن يمينه وعن شماله ، وفي أيديهم حِرابهم اللاَّمعة ، فالتفت إليه ، وقال : مالي بك وبهم حاجة ، صاحب الشُّرطة ورجاله والأسلحة البيضاء اللمَّاعة ، اصطفَّ هؤلاء في نسقٍ بهيج ، قال : ما لي بك وبهم حاجة ، فما أنا إلا رجل من المسلمين ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَكَلَّمَهُ فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ فَقَالَ لَهُ هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ *

[رواه ابن ماجه]

قال : فما أنا إلا رجل من المسلمين ، أغدو كما يغدون ، وأروح كما يروحون .

سأقول لكم هذه الحقيقة أيها الإخوة ، إذا كان الإنسانُ بسيطا متواضعا طبيعيا من دون تكلُّف، ومن دون أُبَّهة ، ومن دون عظمة ، ومن دون كهنوت ، ومن دون هيئة ، ومن دون موكب ضخم ، هل تقلُّ محبُّتُه في قلوب الناس ؟ لا واللهِ ، بل ربما زادت ، قال : ما أنا إلا رجل من المسلمين ، أغدو كما يغدون ، وأروح كما يروحون ، ثم سار وسار الناسُ معه حتى دخل المسجدَ، ونودِي للصلاة ؛ الصلاة جامعة ، الصلاة جامعة ، فتسايل الناسُ على المسجد من كل ناحية ، فلما اكتملت جموعُهم قام فيهم خطيبا ، سيدنا عمر بن عبد العزيز قام في هؤلاء الجموع خطيبا ، وهم في المسجد الجامع ، فحمد اللهَ ، وأثنى عليه ، وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : أيها الناس إني قد ابتُليتُ بهذا الأمر- ماذا رآه ؟ بلاءً ، تذكرون أن سيدنا عمر بن الخطاب كان إذا أراد إنفاذ أمر جمع أهله وخاصَّته ، وقال : إني قد أمرتُ الناسَ بكذا ، و نهيتهم عن كذا ، و الناسُ كالطير إن رأوكم وقعتم وقعوا ، وايمُ اللهِ لا أوتينَّ بواحد وقع فيما نهيتُ الناسَ عنه إلا ضاعفتُ له العقوبة لمكانه مني " - فصارت القرابةُ من عمر مصيبةً ، وهذا التابعي الجليل خامس الخلفاء الراشدين يقول :" أيها الناس إني قد ابتُليتُ بهذا الأمر " ألم يقل سيدنا عمر:" و الله لو تعثرت بغلةٌ في العراق لحاسبني اللهُ عنها ، لِمَ لمْ تصلح لها الطريق يا عمر ؟ أيها الناس إني قد ابتُليتُ بهذا الأمر ، على غير رأيٍ مني ، ولا طلب له ، ولا مشورة من المسلمين" ، يبدو أن سليمان بن عبد الملك الذي كان قبله خليفة أوصى له بالخلافة ، فقال : هذا الأمر لم يكن لي رأيٌ فيه ، ولم أطلبه ، ولا كان على مشورة من المسلمين ، وإني خلعتُ ما في أعناقكم من بيعتي ، فاختاروا لأنفسكم خليفةً ترضونه " ، ليس عن مشورة ، ولا عن طلب ، ولا عن رأي ، إنما جاء هذا في وصية سليمان بن عبد الملك ، إذًا أنا خلعتُ هذه الخلافة من عنقي ، وأنتم أحرار في اختيار خليفتكم ، فصاح الناسُ صيحةً واحدة : قد اخترناك يا أمير المؤمنين ، ورضينا بك ، فَلِ أمرَنا باليُمن والبركة ، أي تولَّ أمرنا باليُمن والبركة ، فلما رأى أن الأصوات قد هدأت ، والقلوب قد اطمأنت ، حمد اللهَ كرَّة أخرى ، وأثنى على محمد بن عبد الله عبده ورسوله صلَّى الله عليه وسلَّم ، وطفِق يحضُّ الناسَ على التقوى ، ويزهِّدهم في الدنيا ، ويرغِّبهم في الآخرة ، ويذكِّرهم بالموت بلهجة تستلين القلوب القاسية ، وتستدرُّ الدموع العاصية ، و تجرح من فؤاد صاحبها ، فتستقرُّ في أفئدة السامعين .

إخواننا الكرام ؛ إذا أحبَّ اللهُ عبدَه ألقى حبَّه في قلوب الناس ، لذلك الناسُ عندهم حاسَّة سادسة ، يعرفون بفطرتهم الصادق من الكاذب ، والمخلص من الخائن ، والورِع من المتفلِّت ، والذي ينفعهم مِن الذي يضرُّهم ، يعرفون هذا بفطرتهم ، لذلك أجمع الناسُ أن يختاروا سيدَنا عمر بن عبد العزيز خليفةً للمسلمين عن بيعة ، لا عن وصيَّة ، بعد سليمان بن عبد الملك ، ثم رفع صوتَه المتعَب حتى أسمع الناسَ جميعا ، وقال : أيها الناس من أطاع اللهَ وجبتْ طاعتُه ، ومَن عصى اللهَ فلا طاعة له على أحد ، أيها الناسُ كما قال الصدِّق : أطيعوني ما أطعتُ الله فيكم ، فإن عصيتُ فلا طاعة لي عليكم ، ثم نزل من المنبر ، واتَّجه إلى بيته ، وأوى إلى حجرته ، فقد كان يبتغي أن يصيب ساعة من الراحة بعد ذلك الجُهد الجهيد الذي كان فيه منذ وفاة الخليفة .

الآن انتهينا من سيدنا عمر بن عبد العزيز ، لأن الموضوع ليس عنه ، بل الموضوع عن ابنه عبد الملك ، وشيء رائع جدا ، بل شيء لا يُقدَّر بثمن أن يكون الإنسان عظيما بدينه ، وعلمه، وورعه ، وأن يكون ابنُه على شاكلته ، فمِن سعادة المرء أن يشبه الابنُ أباه .

الآن دقِّقوا في القصة التالية ؛ سيدنا عمر بن عبد العزيز ما كاد يسلم جنبَه إلى مضجعه حتى أقبل عليه ابنُه عبد الملك ، وكان يومئذ يتَّجه نحو السابعة عشرة من عمره ، وقال : ما تريد أن تصنع يا أمير المؤمنين ؟

والآن هناك نقطة دقيقة ، يقول الناسُ : أزهد الناس بالعالم أهلُه وجيرانه ، يكون للإنسان شأن كبير ، ولكن في بيته يُنادى باسمه ، ولكن هذا الخليفة العظيم ربَّى أولادَه تربية عالية ، حيث إنّ ابنه إذا أراد أن يخاطبه في البيت يقول له : يا أمير المؤمنين ، وهذا من الأدب ، والنبيُّ عليه الصلاة و السلام رأى شابا يمشي أمام شيخ فنهاه ، فعن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنَّ النبيَّ صلى اللّه عليه وسلم رأى رجلاً معه غلام ، فقال للغلام : مَنْ هَذَا ؟ قال : أبي ، قال : فَلا تَمْشِ أمامَهُ ، ولا تَسْتَسِبَّ لَهُ ، وَلا تَجْلِسْ قَبْلَهُ ، وَلا تَدْعُهُ باسْمِهِ *

قال النوويّ : قلت : معنى لا تَسْتَسِبَّ له : أيْ لا تفعل فعلاً يتعرّض فيه لأن يسبّك أبوك زجراً لك وتأديباً على فعلك القبيح .

[ذكره النووي في الأذكار]

قال : ماذا تريد أن تصنع يا أمير المؤمنين ؟ فقال : أيْ بنيَّ أريد أن أغفُوَ قليلا ، فلم تبقَ في جسدي طاقة ، يقال لك : عُصرت عصرا ، هل هناك شيء خلاف الأصول ؟ إنسان يومان أو أكثر في عمل مستمر وشاق ، أراد أن يغفو قليلا ، فقال ابنُه : أتغفو قبل أن تردَّ المظالم إلى أهلها يا أمير المؤمنين ؟ فقال : إني قد سهرتُ البارحة في عمِّك سليمان ، وإني إذا حان الظهرُ صليتُ بالناس ، ورددتُ المظالم إلى أهلها إن شاء الله ، قال ابنُه : ومَن لك يا أمير المؤمنين أن تعيش إلى الظهر ؟ هل أنت ضامن ؟ يكون الواحد معلَّق في رقبته آلاف الحقوق ، ومع ذلك يشخر و ينام ، آلاف الحقوق ، آلاف الذمم ، قال له : وهل تضمن أن تعيش إلى الظهر ؟ فألهبت هذه الكلمات عزيمةَ عمر ، وأطارت النومَ من عينيه ، وبعثت القوةَ والعزم في جسده المتعب ، وقال : أُدنُ مني يا بني ، فدنا منه فضمَّه إليه ، وقبَّل ما بين عينيه ، وقال : الحمد لله الذي أخرج من صلبي من يُعِينُنِي على ديني " .

واللهِ أيها الإخوة ، الذي عنده زوجة توقظه للصلاة ، لا بدَّ أن يذوب شكرا لله عزوجل ، والذي عنده ابنٌ فيه ورع ، عنده ورع على أخواته ، لا يحب المعصية ، هذا من سعادة المرء ، تأثَّر تأثرا لأن ابنه لم يسمح له أن ينام ساعة ، قبل أن يردَّ المظالم إلى أهلها ، ثم قام وأمر أن ينادى في الناس : ألا من كانت له مظلمة فليرفعها "

الآن بدأنا في القصة الثانية ؛ فمَن عبد الملك هذا ؟ وما خبرُ هذا الفتى الذي قال عنه الناسُ: إنه هو الذي أدخل أباه في العبادة ، و سلكه مسلك الزهادة " ؟ تعالوا أيها الإخوة نلمَّ بقصة هذا الفتى الصالح من أولها .

كان لعمر بن عبد العزيز خمسة عشر ولدا ، لي قريب ذهب إلى أمريكا عند أخيه ، قال لي: البيتُ المقابل ؛ الفيلا المقابلة فيها شُرفة ، وفيها ألبسة أطفال موضوعة على الشرفة ، فيبدوا بعد حين ، أن هناك صداقة وعلاقة بين الجارين ، فزار هذا الضيفُ من سورية جارَ أخيه ، ومن حديث إلى حديث سأله : كم ولدا عندك ؟ فقال : ليس عندي أولاد ، فقال له : عجيب ، إني رأيت بعيني ألبسة أولاد صغار في الشرفة ، قال : هذه ألبسة الكلاب ، ليس عندي أولاد ، سبحان الله ، الابن في هذه البلاد عبءٌ على أبيه ، لأن هذا الابن ليس لأبيه ، أما طريق المنهج الإسلامي فأقرب شيء إلى الأب ابنُه ، لذلك ربُّنا عزوجل ينتظر من المؤمن بعد عرفات أن يذكر كما يذكر أباه ، قال تعالى :




[سورة البقرة]

والعرب في الجاهلية إذا أرادوا أن يسبُّوا إنسانا يقولون : لا أبا لك ، قال الشاعر زهير بن أبي سُلمى :

***

سئمت تكاليف الحياةِ ومن يعشْ ثمانينَ حولاً لا أبَا لك يسأمِ

***

كان لعمر بن عبد العزيز خمسة عشر ولدا ، فيهم ثلاث بنات ، وكانوا جميعا على حظٍّ موفور من التقى ، ومقام كبير من الصلاح ، لكنَّ عبد الملك كان واسطة العقد ، و كوكبة إخوته، فقد كان أديبا ، وكان أريبا ذكيا ، له سنُّ الفتيان ، وعقلُ الكهول ، وأروع ما في الشاب عقلُه الكبير ، وأروع ما في الشاب ورعُه ، وأروع ما في الشاب معرفتُه ، وأروع ما في الشاب أدبُه، وأروع ما في الشاب عفَّته ، وأروع ما في الشاب توبتُه ، وأروع ما في الشاب حبُّه لله عزوجل، وربُّنا عزوجل يعجب لهذا فعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَعْجَبُ مِنْ الشَّابِّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ *

[رواه أحمد]

يعجب ربُّنا عزوجل ، إن الله يباهي الملائكة بالشاب المؤمن ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ قَالَ قَالَ رَبُّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ عَبْدِي تَرَكَ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي وَالصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ *

[رواه أحمد]

ثم إنه نشأ في طاعة الله جل وعزَّ ، منذ نعومة أظفاره ، فكان أقربَ الناس سمتًا إلى آل الخَطَّاب عامة ، وأشبههم بعبد الله بن عمر ، خاصة في تقواه لله ، وتخوُّفه من معاصيه ، وتقرُّبه إليه بالطاعة ، حدَّث ابنُ عمَّه عاصمٌ فقال : وفدتُ على دمشق ، فنزلتُ على ابن عمي عبد الملك ، وهو عازِب ، فصلينا العشاء ، و أوى كلٌّ منا إلى فراشه ، فقام عبد الملك إلى المصباح فأطفأه ، وأسلم كلٌّ منا جفنيه إلى الكرى ، ثم إني استيقظتُ في الليل ، فإذا عبد الملك قائم يصلِّي في العتمة ، وهو يقرأ قوله جل و علا - و اللهِ الآية دقيقة جدا - قال تعالى :


[سورة الشعراء]

بالمناسبة ؛ في سورة الأعراف فيما ما أذكر بعد أن تكلَّم ربُّنا عزوجل عن قصص الأنبياء، وكيف أن أقوامهم كذَّبوهم ، وكيف أن الله أهلكهم ، قال تعالى :


[سورة الأعراف]

هذه الآية تفيد أن ربنا عزوجل أوَّلاً : يرسل الرسول ، وثانيا : يسوق الشدائد و ثالثا : يبدِّل السيئة بالحسنة ، ورابعا : يقصم ، وهذا قانون ، أولا : دعوة سلمية فإذا لم يستجِبْ للحسنى صبَّ عليه الشدائد ، وإذا ما تضرَّع فتح عليه بالخيرات ، فإذا لم يشكر قصَمه بإهلاك وعذاب ، هذا قانون ، وهذا القانون ينطبق على الأمم ، و الشعوب ، وعلى الأفراد ، واللهُ عزوجل يسوق إليك مَن يسمعك الحقَّ ، فإن استجبت انتهى كلُّ شيء ، وإن لم تستجب أتَت الشدائد ، وإن تضرَعت نجوت من الشدائد ، وإن لم تتضرع أتى الرخاءُ الاستدراجي ، وإن لم تشكر أتى القصمُ، قال تعالى :


[سورة الشعراء]

قال ابنُ عمه عاصم : فراعني منه أنه كان يردِّد الآيةَ ، وينشج نشيجا مكبوتا يقطِّع نِياطَ القلوب ، والحقيقة أنّ صلاة الليل صلاة الإخلاص ، أنت قد تؤدِّي الفرائض خوفا من الله عزوجل، ولكنك لا تؤدِّي النوافل إلا حبًّا لله عزوجل ، تماما كالذي يؤدِّي الضريبة خوفا من المضاعفة أو العقاب ، لكن الذي يتبرَّع هذا دليل محبَّة ، وتأدية الضريبة دليل خوف ، لكن التبرُّع دليل محبَّة ، فأداء الزكاة دليل خوف ، وأداء الصدقة دليل محبة ، وأداء الصلوات الخمس دليل خوف ، وصلاة الليل دليل محبة ، قال : وكان كلما فرغ من الآية عاد إليها حتى قلتُ : سيقتله البكاءُ ، فلما رأيتُ ذلك قلتُ : لا إله إلا الله ، والحمد لله ، كما يفعله المستيقظ من النوم، لأقطع عليه البكاءَ ، فلما سمعني سكتَ ، فلم أسمع له حسًّا "

تتلمذ هذا الفتى العمري على أكابر علماء عصره ، حتى تملَّى من كتاب الله ، و تضلَّع بحديث رسول الله ، وتفقَّه في الدين ، فغدا على حداثة سنِّه يزاحم الطبقةَ الأولى من فقهاء أهل الشام في زمانه ، فقد رُوي أن عمر بن عبد العزيز - الآن أحد النقاط المضيئة في حياة هذا التابعي الجليل - فقدْ رُوي أن عمر بن عبد العزيز جمع قرَّاءَ الشام وفقهائها ، وقال : إني قد دعوتكم لأمر هذه المظالم التي في أيدي أهل بيتي ، فما ترون فيها ؟ هو تسلَّم الخلافة قبل أيام ، وهناك مظالم سابقة ، فاستعان بالفقهاء والعلماء ، وبالمناسبة كان سيدنا عمر بن عبد العزيز له مستشار ومرافق اسمُه عمر بن مزاحم ، اختاره من بين العلماء الكبار ، قال : يا عمر كن معي دائما فإن رأيتني ضللتُ فهُزَّني هزًّا شديدا و خذُ بتلابيبي و قل لي : اتَّقِ اللهَ يا عمر فإنك ستموت ، جمع فقهاءَ الشام وقرَّاءها ، وقال : إني قد دعوتكم لأمر هذه المظالم التي في أيدي أهل بيتي فما ترون فيها ؟ فقالوا : يا أمير المؤمنين إن ذلك أمر كان في غير ولايتك ، ليس لك علاقة ، قضية سابقة ، وأن وزرَ هذه المظالم على من غصبها ، فطرة سليمة ، فلم يرتح إلى ما قالوا ، أحيانا الإنسان يسمع أول فتوى لصالحه ، وثاني فتوى ، وثالث فتوى ، ورابع فتوى ، وخامس فتوى ، ويقول : لستُ مرتاحا ، ما هو الدليل ؟ فطرة نقيَّة طاهرة ، فعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ قَالَ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ لَا أَدَعَ شَيْئًا مِنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ إِلَّا سَأَلْتُهُ عَنْهُ وَإِذَا عِنْدَهُ جَمْعٌ فَذَهَبْتُ أَتَخَطَّى النَّاسَ فَقَالُوا إِلَيْكَ يَا وَابِصَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْكَ يَا وَابِصَةُ فَقُلْتُ أَنَا وَابِصَةُ دَعُونِي أَدْنُو مِنْهُ فَإِنَّهُ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ أَنْ أَدْنُوَ مِنْهُ فَقَالَ لِي ادْنُ يَا وَابِصَةُ ادْنُ يَا وَابِصَةُ فَدَنَوْتُ مِنْهُ حَتَّى مَسَّتْ رُكْبَتِي رُكْبَتَهُ فَقَالَ يَا وَابِصَةُ أُخْبِرُكَ مَا جِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنْهُ أَوْ تَسْأَلُنِي فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَخْبِرْنِي قَالَ جِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ قُلْتُ نَعَمْ فَجَمَعَ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِهَا فِي صَدْرِي وَيَقُولُ يَا وَابِصَةُ اسْتَفْتِ نَفْسَكَ الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ وَاطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي الْقَلْبِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ قَالَ سُفْيَانُ وَأَفْتَوْكَ *

[رواه الترمذي]

اسمعوا هذه الكلمة أيها الإخوة : لو استطعتَ أن تنتزع من فم النبيِّ عليه الصلاة و السلام فتوى لصالحك ، ولم تكن محِقًّا فلن تنجَو من عذاب الله ، والدليل ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا *

[رواه البخاري]

لو أن القاضي الذي حكم لك هو رسولُ الله ، ولم تكن محقًّا فلن تنجوَ من عذاب الله ، فالتفتَ إليه أحدُهم ممّن كان يرى غيرَ رأيهم ، وقال : يا أميرَ المؤمنين ابعث إلى عبد الملك - ابنُه - فإنه ليس دونَ من دعوتَ علمًا أو فقها أو عقلا ، أي هؤلاء الذين دعوتهم علماء وفقهاء ، ولكن ابنَك ليس أقلَّ منهم فقها ولا علما ولا عقلا ، طبعا دُعِي ، فلما دخل عليه عبدُ الملك قال له عمر: ما ترى في هذه الأموال التي أخذها بنو عمِّنا من الناس ظلما ، وقد حضر أصحابُها وجعلوا يطلبونها ، وقد عرفنا حقَّهم فيها ؟ فقال عبد الملك لأبيه : أرى أن تردَّها إلى أصحابها ما دمتَ قد عرفت أمرها - هذا هو الحكم - وإنك إن لم تفعل كنتَ شريكا للذين أخذوها ظلما " هذا كلام عبد الملك ، " أرى أن تردها إلى أصحابها ما دمت قد عرفت أمرها ، و إنك إن لم تفعل كنتَ شريكا للذين أخذوها ظلما " فانبسطتْ أساريرُ عمر ، و ارتاحت نفسُه ، وزال عنه همُّه ، ولقد آثر الفتى العمري المرابطة على الثغور ، و الإقامة في إحدى المدن القريبة منها على البقاء في بلاد الشام .

الآن مشهد جديد في القصة ؛ عبد الملك بن عبد العزيز آثر أن يبقى على الثغور - على الحدود - في قرية على حدود البلاد ، عن أن يبقى في بلاد الشام ، فمضى إليها ، وخلَّف وراءه دمشق ذات الرياض النظرة ، والظلال الظليلة ، والأنهار السبعة ، وكان أبوه على الرغم من كل ما عرفه من صلاحه وتقاه خائفًا عليه من نزعات الشيطان ، كثير الإشفاق عليه من نزوات الشباب ، حريصا على أن يعلم من أمره كل ما يجوز له أن يعلم ، وكان لا يغفل عن ذلك أبدا ، ولا يهمله .

حدَّث ميمونُ بن مهران وزيرُ عمر بن عبد العزيز وقاضيه ومستشاره فقال : دخلتُ على عمر بن عبد العزيز ، فوجدتُه يكتب رسالة إلى ابنه عبد الملك ، يعظُه فيها ، وينصحه ، ويبصِّره ، ويحذِّره ، وينذره ، ويبشِّره ، موعظة ونصيحة و تبصير وتحذير وإنذار وتبشير ، وكان مما جاء فيها قولُه : أما بعد ؛ فإنّ أحقَّ مَن وَعَى عنِّي وفَهِم قولي لأنت - أحسن أولاده - وإنّ اللهَ وله الحمدُ قد أحسن إلينا في صغير الأمر و كبيره ، فاذكُر يا بنيَّ فضلَ الله عليك وعلى والديك ، وإياك و الكِبر والعظمة ، فإنها من عمل الشيطان ، وهو للمؤمنين عدوٌّ مبين ، واعلم أني لم أبعث إليك بكتابي هذا لأمرٍ بلغني عنك ، فما عرفتُ من أمرك إلا خيرا ، غير أنه بلغني عنك شيءٌ من إعجابك بنفسك ، ولو أن هذا الإعجاب خرج بك إلى ما أكره لرأيتَ مني ما تكره " ، رسالة شديدة عميقة ، من أبٍ عدْلٍ ورِعٍ إلى ابنه ، قال ميمونُ : ثم التفت إليَّ عمرُ وقال : يا ميمون إن ابني عبد الملك قد زُيِّن في عيني ، وإني أتَّهم نفسي في ذلك ، وأخاف أن يكون حبِّي له قد غلب على علمي به - يا لطيف - كلمات تُكتب بماء الذهب ، " أخاف أن يكون حبي له قد غلب على علمي به ، و أدركني ما يدرك الآباء من العمى عن عيوب أبناءهم " يخاف هذا الخليفة الراشد أن يغلب حبُّه لابنه على علمه به ، ويخاف أن يكون كبقيَّة الآباء الذين يغفلون عن عيوب أولادهم ، قال له : فَسِرْ إليه واسبِرْ غورَه ، وانظُر هل ترى فيه ما يشبه الكبرَ و الفخر فإنه غلام حدَثٌ و لا آمنُ عليه الشيطان " رغم كل هذا الصلاح والتقوى والورع وإيصال المظالم إلى أهلها ، رغم كل ذلك لم ترتَح نفسُه ، أراد أنْ يرسل مبعوثَه الشخصي ليقف على أمر ابنه في الثغور ، قال ميمون : فشددتُ الرحالَ إلى عبد الملك حتى قدمتُ عليه فاستأذنتُ ، ودخلتُ، فإنه غلام في مقتبل العمر ، رَيَّانُ الشباب ، بهيُّ الطَّلعة ، جمُّ التواضع ، قد جلس على حاشية بيضاء فوق بساط من شَعر ، فرحَّب بي ثم قال : قد سمعتُ أبي يذكرك بما أنت أهلٌ له من الخير ، و إني لأرجو أن ينفع اللهُ بك ، فقلتٌ له : كيف تجدك ؟ فقال : بخير من الله عزوجل و نعمة ، غير أني أخشى أن يكون غرَّني حسنُ ظن والدي بي ، وأنا لم أبلغ من الفضل كل ما يظنُّ ، وإني لأخـاف أن يكون حبُّه لي قد غلبه على معرفته بي فأكون آفةً عليه ، فعجبتُ من اتِّفاقهما – خواطر متواردة – كيف حالك يا ابني ؟ قال له : أنا أخاف أن تكون محبة أبي أغلبَ من علمه بي فأكون آفة عليه ، فعجبت من اتِّفاقهما ، ثم قلتُ له : أعلمني من أين معيشتُك ؟ من أين تأكل ؟ سؤال غريب ، ابنُ خليفة المسلمين ، من أين تأكل ، قال : من غلَّة أرض اشتريتها ممن ورثها عن أبيه ، و دفعتُ ثمنها من مالٍ لا شبهة فيه ، فاستغنيتُ بذلك عن فيء المسلمين " عن الراتب الرسمي قال : فما طعامُك ؟ مكلَّف بمهمة ، تحقيق ، قال: ليليةً لحمٌ ، وليلةً عدسٌ وزيت ، وليلة خلٌّ وزيت ، ثلاث مستويات ، المستوى الراقي ، والمستوى الوسط ، والمستوى المتدنِّي ، وفي هذا بلاغ ، قلت له : أما تعجبك نفسُك ؟ قال : قد كان فيَّ شيء من ذلك ، فلما وعظني أبي بصَّرني بحقيقة نفسي ، وصغَّرها عندي ، وحطَّ من قدرها في عيني ، فنفعني اللهُ عزوجل بذلك ، فجزاه اللهُ من والدٍ خيرا ، فقعدتُ ساعة أحدِّثه ، وأستمتع بمنطقه ، فلم أرَ فتًى كان أجمل وجهًا ، ولا أكمل عقلا ، ولا أحسن أدبا منه على حداثة سنِّه ، وقلَّة تجربته ، فلما كان آخرُ النهار أتاه غلامٌ فقال : - هنا دخلنا في عتبه - ميمون جالسٌ ، ولا توجد مشكلة ، تواضع على تقشُّف على دخل حلال على أكل معتدل ، على عقل ، على ورع ، و لا مشكلة موجودة ، رجل متَّعظ بكلام والده و مستفيد ، فلما كان آخرُ النهار أتاه غلام و قال : أصلحك اللهُ قد فرغنا ، فسكت ، فقلت : ما هذا الذي فرغوا منه ؟ قال : الحمام ، قلتُ : و كيف، قال : أخلوه لي ، من الناس طبعا ابن خليفة ، أفرغوه ، قلتُ : لقد كنت وقعت من نفسي موقعا عظيما ، حتى سمعت هذا الآن ، فذُعِر و استرجع و قال : و ما في ذلك يا عمُّ - يرحمك الله - ماذا فعلت ؟ قلت : الحمام لك ؟ قال : لا ، قلت : فما دعاك أن تخرج الناسَ منه ؟ كأنك تريد بذلك أن ترفع نفسك فوقهم ، وأن تجعل لها قدرًا يعلو على أقدارهم ؟ من أنت حتى يخرج الناسُ من الحمام من أجلك ؟ ثم إنك تؤذي صاحبَ الحمام ، في غلَّة يومه ، و تُرجع من أتى حمَّامه خائبا ، الحمَّام يسع مثلا عشرين شخصا ، دخلت وحدك أنت ، الغلة قلَّت ، أحدهم أتى قاصدا الحمام ، ثم هو مغلق محجوز ، كلام دقيق ، قال : أما صاحب الحمام فأنا أرضيه ، وأعطيه غلَّة يومه كلَّها ، لا مشكلة ، قلتُ : هذه نفقة سرف خالطها كِبرٌ ، و ما يمنعك أن تدخل الحمام مه الناس وأنت كأحدهم ؟ قال : يمنعني من ذلك أن طائفة من رعاع الناس بغير أُزُر فأكره رؤيةَ عوراتهم ، وأكره أن أجبرهم على وضع الأُزر فيأخذون ذلك عليَّ على أنه اقتدارٌ مني عليهم بسلطان الذي أسأل الله أن يخلِّصنا منه كفافا لا لنا ولا علينا ، فعِظني رحمك الله عظةً أنتفع بها"، ماذا أفعل ؟ واجعلْ لي مخرجا من هذا الأمر ، قلت : انتظِر حتى يخرج الناسُ من الحمام ليلا و يعودوا إلى بيوتهم ثم ادخله وحدك ، قال : لا جرم ، لا أدخله نهارا بعد اليوم ، ولولا شدَّة برد هذه البلاد ما دخلته أبدا " ، لكن اضطرب وشعر أنه هناك غلطة كُشِفت ، ثم أطرق قليلا كأنه يفكِّر في أمر ، ثم رفع راسه إليَّ ، وقال : أقسمتُ عليك لتطوِينَّ هذا الخبرَ عن أبي ، إني أكره أن يظلَّ ساخطا عليَّ " يمكن ألاّ تبلِّغ والدي هذا الموضوع ، وإني لأخشى أن يحول الأجل دون الرضا منه " ، قال ميمون : فأردتُ بعد ذلك أن أسْبِر عقلَه فقلت له : إن سألني أميرُ المؤمنين ، هل رأيتَ منه شيئا فهل ترضى ليَ أن أكذب عليه ؟ قال : لا ، معاذ الله ، و لكن قل له : رأيتُ منه شيئا فوعظتُه و كبَّرتُه في عينه فسارع في الرجوع عنه ، فإن أبي لا يسألك عن كشف ما لم تظهره له ، قل له : هناك موضوع شاهدته ووعظته واستفاد ، وانتهى الأمر ، أرأيتم إلى هذا الخوف الشديد ، لأنه حجز حمَّاما له وحده في النهار ، قال : لأن الله جل وعز قد أعاذه من البحث عما استتر ، قال ميمون: فلم أرَ والدا قط ولا ولدا مثلهما يرحمهما اللهُ عزوجل".

هذا هو عبد الملك بن عبد العزيز ، وإن كانت قصَّةً قصيرة إلا أن فيها دلالات كثيرة ، والعبرة أن تربَّي ابنَك على طاعة الله ، وعلى التواضع ، وعلى خفض الجناح للمؤمنين ، ألم يقل الله عزوجل :


[سورة الشعراء]

و الحمد لله رب العالمين

***

ابو عمر المصرى
12-13-2007, 11:49 AM
القاضي شريح






بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ


أيها الإخوة المؤمنون :

مع الدرس الثامن من دروس سير التابعين رضوان الله تعالى عليهم ، والتابعيُّ اليوم هو القاضي شريح .

قيل لشريح : بأي شيء أصبت هذا العلم فقال : بمذاكرة العلماء ، آخذ منهم ، وأعطيهم.

وصدقوني ـ أيها الإخوة ـ ما من شيء في الحياة الدنيا أمتع للمؤمن من أن يذاكر المسلمُ أخاه شؤونَ العلم ، فجلسة العلم ، ومذاكرة العلم ، والاستماع للعلم ، والنطق بالعلم شيء يليق بالإنسان المسلم ، قال تعالى:


[سورة المؤمنون]

الحقيقة الكبرى في الكون أنّ أيّة مذاكرة تبعدك عن هذه الحقيقة فهي لهو ، وأيّة مذاكرة تقرِّبك من هذه الحقيقة فهي حق .

أيها الإخوة ليس من عادتي أن أتحدث عن أهل الغرب ، ولكن أعجبتني كلمة قالها زعيم بريطاني في أعقاب الحرب العالمية الثانية ، حيث اجتمع بوزرائه ، وقد أتت الحرب على كل شيء ، لا معمل ، ولا حق ، ولا مال ، ولاشيء ، الحرب المدمرة لا تبقي ولا تذر ، تطحن الناس طحناً ، فسأل هذا الزعيم وزراءه وزيراً وزيراً : كيف الصناعة عندك يا فلان ؟ قال : المعامل كلها مدمرة ، كم في حوزتك من المال يا وزير المالية ؟ قال : لا شيء ، سألهم وزيراً، وكل وزير بحسب اختصاصه أظهر أن البلاد مدمرة عن آخرها ، وصل إلى وزير العدل ، قال : يا فلان كيف العدل عندك ؟ قال : بخير .. قال : كلنا بخير .. نحن بخير إذا أخذ العدل مجراه ، كلمة قالها زعيم بريطاني لوزرائه في أعقاب الحرب العالمية الثانية .

الدرس اليوم عن القاضي شريح .. وقد ورد في الأثر : عدل يوم واحد أفضل من عبادة ستين سنة *

[رواه الديلمي عن أبي هريرة]

ومن طريق أبي نعيم بلفظ : عدل حكم ساعة خير من عبادة سبعين سنة *

فلا شيء يرفع الإنسان كالعدل ، وقد يتوهم أحدكم أن العدل للقاضي ، كل واحد منكم قاضٍ ؛ الأب له أولاد فهو قاض بينهم ، النبي عليه الصلاة والسلام دخل عليه رجل ، وتبع هذا الرجل ابنه الصغير ، وضعه على رجله اليمنى وقبله ، ودخلت بنته بعد ذلك وضعها على رجله اليسرى ولم يقبلها ، فقال النبي الكريم : لمَ لم تسوي بينهما ؟ ..

إلى هذا المستوى ، لذلك فالمؤمن عادل ، والدنيا كلها لا تساوي عنده شيئاً إذا اقتضت أن يقيم العدل بين الناس .

والحقيقة الآن نسمع عن هذا القاضي أشياء كأنها خيال .

لقد ابتاع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فرساً من رجل من الأعراب ، ونقده ثمن الفرس ، ثم امتطى صهوته ، ومشى به ، لكنه ما كاد يبتعد بالفرس قليلاً حتى ظهر فيه عطب عاقه عن مواصلة الجري ، فانثنى به عائداً من حيث انطلق ، وقال للرجل : خذ فرسك فإنه معطوب ، فقال الرجل : لا آخذه يا أمير المؤمنين ، وقد بعته منك سليماً صحيحاً، فقال عمر : اجعل بيني وبينك حكماً ، قال الرجل : يحكم بيننا شريح ابن الحارث الكندي ، فقال عمر : رضيت به .

احتكم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وصاحب الفرس إلى شريح ، فلما سمع شريح مقالة الأعرابي التفت إلى عمر بن الخطاب ، وقال : يا أمير المؤمنين هل أخذت الفرس سليماً؟ فقال عمر : نعم ، قال شريح : احتفظ بما اشتريت يا أمير المؤمنين ، أو ردَّ كما أخذت..

هذا هو الحكم ، فما دمت قد أخذته سليماً ، وأصابه العطب بيدك ، فاحتفظ به أو ردَّه كما أخذته .

نظر عمرُ إلى شريح معجباً ؟ وغير عمر يحنق عليه .

إنسان في بلد خليجي وجه إلى شخص مسؤول توصية ، فقال له : هذه لا أنفذها لأنها خلاف العدل ، فأزيح من منصبه .

سيدنا عمر نظر إلى شريح معجباً ، وقال : وهل القضاء إلا هكذا ؟! أيمكن أن يكون القاضي غير ذلك ، هكذا القضاء ؛ قول فصل ، وحكم عدل ، سِرْ إلى الكوفة ، فقد ولّيتك قضاءها ، لأنه حَكَمَ عليه ، وأُعجِب بهذه النزاهة ، وبهذه الجرأة .

لم يكن شريح بن الحارث يوم ولاه عمر بن الخطاب القضاء رجلاً مجهول المقام في المجتمع المدني ، أو امرأً مغمور المنزلة بين أهل العلم ، وأصحاب الرأي من جل الصحابة، وكبار التابعين ، فقد كان من أصحاب الفضل وأهل السابقة يقدِّرون لشريح فطنته الحادة ، وذكاءه الفذّ ، وخلقَه الرفيع ، وطول تجربته في الحياة وعمقها ، فهو رجل يَمَنِيُّ الموطن ، كِنْدي العشيرة ، قضى شطراً غير يسير من حياته في الجاهلية ، فلما أشرقت الجزيرة العربية بنور الهداية ، ونفذت أشعة الإسلام إلى أرض اليمن ، كان شريح من أوائل المؤمنين بالله ورسوله ، المستجيبين لدعوة الفضيلة والحق ، وكان عارفوا فضله ، ومقدروا شمائله ومزاياه يأسون عليه أشد الأسى ، ويتمنّون أن لو أتيح له أن يفِدَ على المدينة مبكراً ليلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يلحق بالرفيق الأعلى ، ولينهل من موارده الصافية المصفاة مباشرة بلا واسطة ، ولكي يحظى بشرف الصحبة بعد أن حظي بنعمة الإيمان ، وبذلك يجمع الخير من أطرافه ، ولكن ما قدر الله كان .

إذاً ليس شريحٌ صحابياً ، لقد عاش في الجاهلية ، وأسلم حينما جاء النبي بدعوته ، ولكنه لم ينتقل من اليمن إلى المدينة إلا بعد أن توفى الله النبي عليه الصلاة والسلام ، إذاً هو ليس صحابياً ، ولكنه عاش الجاهلية ، وعاش الإسلام .

سيدنا عمر لم يكن متعجلاً حين عهد إليه بمنصب القضاء ، على الرغم من أن سماء الإسلام كانت يومئذ لا تزال تتألق بالنجوم الزاهرة من صحابة رسول الله ، فقد أثبتت الأيام صدقَ فراسة عمر ، وصوابَ تدبيره .

قضى القاضي شريح بين المسلمين أكثر من ستين عاماً ، ويكاد يكون هذا الاسم من الأسماء المتألقة في سماء القضاء الإسلامي ، القاضي الأول .. لشدة ورعه ، وحرصه على إنفاذ أمر الله ، وتوِّخيه العدالة التامة ، فقد تَعَاقَبَ على إقراره على منصبه كل من عمرَ بن الخطاب وعثمانَ بن عفان ، وعليِّ بن أبي طالب ، ومعاويةَ بن أبي سفيان رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ، كلُّ هؤلاء الخلفاء أقرُّوه في منصبه .

والحقيقة أحياناً يكون هناك إنسان مخلص جداً ، كفء ، ومخلص ، رغم تبدل الحكومات لا يجرؤ أحد على أن يزحزحه من منصبه ، لأنه بالتعبير الحديث يملأ منصبه ، علماً وإخلاصاً ، وإنتاجاً ، وهناك تعبير عامي يقول لك : لا يصح إلا الصحيح ، فإذا أخلص الإنسان وأتقن ، وكان ملء السمع والبصر ، فهذا الإنسان أقوى من التغييرات ، وسيدنا عمر عيّنه ، ثم أقرَّه سيدنا عثمان ، وتتابع على إقراره سيدنا علي وسيدنا معاوية ، بل إن الخلفاء الذين جاءوا بعد معاوية قد أقروه على منصبه ، حتى إن شريحًا طلب إعفاءه من منصبه في أول ولاية الحجاج .

لقد أقره عمر ، وطلب الإعفاء من منصبه في ولاية الحجاج .

عاش هذا القاضي سبع سنوات بعد المائة الأولى للهجرة حياة مديدة رشيدة ، حافلة بالمفاخر والمآسي ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ خَيْرُ النَّاسِ قَالَ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ *

[أخرجه أحمد والترمذي]

زرت شخصاً قبل سنوات في أحد الأعياد ، وهو والد صديق لي ، عمره ستة وتسعون عاماً ، قال لي بالحرف الواحد : قبل أيام أجريت تحليلات شاملة ، فلم يكن هناك شيء غير طبيعي ، ثم قال : واللهِ ما أكلت درهماً حراماً ، ولا أعرف الحرام من النساء .

وكنت قد حدَّثتكم عن رجل عاش ستةً وتسعين عاماً ، أمضاها في تعليم النشء العلم الشرعي ، وكان يتمتع بقامة منتصبة ، وبصر حاد ، وسمع مرهف وكانت أسنانه في فمه ، وكان يقول حفظناها في الصغر ، فحفظها الله علينا في الكبر ، من عاش تقياً عاش قوياً .

سمعت أن أحد شيوخ الأزهر الصالحين عاش مائة وثلاثين عاماً ، وقد التقيت بابنه في أحد المؤتمرات في المغرب ، قال : نعم عاش أبي هذه السنوات ، يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ خَيْرُ النَّاسِ قَالَ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ *

[أخرجه أحمد والترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ]

الحقيقة تاريخ القضاء الإسلامي يزدان ببدائع هذا القاضي الجليل ، فمِن قصص هذا القاضي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه افتقد درعاً عنده كانت أثيرة غالية عليه ..

أمير المؤمنين ، المشكلة هنا مع أمراء ، فالقضية مع أمير المؤمنين ؛ مع سيدنا عمر حكم عليه ، قال له : أبق الفرس بحوزتك ، أو رُدَّها كما أخذتها ، وهذا حكم الله ، قال له : هكذا القضاء ، اذهب فقد وليتك قضاء الكوفة .

سيدنا علي بن أبي طالب ما لبث إلا أن وجد هذه الدرع في يد رجل من أهل الكتاب يبيعها في سوق الكوفة ، فلما رآها عرفها ، وقال : هذه درعي سقطت عن جمل لي في ليلة كذا ، وفي مكان كذا ، فقال الذمي : بل هي درعي ، وفي يدي يا أمير المؤمنين ، فقال علي رضي الله عنه : إنما هي درعي لم أبعها لأحد حتى تصير إليك .

هناك أشخاص يتوهمون أن المؤمن لا بد أنْ يُسقِط حقه .. سامحْه ، هذه بساطة وسذاجة ، قال تعالى :


[سورة الشورى]

لكن إذا انتصروا :


[سورة الشورى]

فإذا غلب على ظنك أنه بعفوك عن أخيك الظالم تقرِّبه إلى الله ، وتقيله من عثرته ، وتعينه على الشيطان فينبغي أن تعفو عنه ، وعندئذ أجرُك على الله ، أما إذا غلب على ظنك أن عفوك عن أخيك يدعوه إلى مزيد من التطاول على الناس ، وأخذ أموالهم ، والاستخفاف بحقوقهم ، فينبغي حينئذٍ ألاّ تعفو عنه ، بل ينبغي أن تنتصر ، وتقتصّ منه .

والنبي عليه الصلاة والسلام جاءه أسير في بدر ، وقد شكا له بناته المتلهفات له ، ورجاه أن يعفو عنه ، وتوسل إليه ، فعفا النبي عليه الصلاة والسلام ، وعاد الرجلُ إلى ما كان عليه مِن عداوة النبي ، ومِن قتل أصحابه ، ثم وقع أسيراً في أحد ، فرجاه ثانية ، قال : لا أعفو عنك ، لئلا تقول : خدعت محمداً مرتين .

المؤمن له أظافر أحياناً ، والمؤمن يطالب بحقه ، قال تعالى :


[سورة الشورى]

أما أهل الدنيا فيريدون للمؤمن أنْ لو أُكِل حقُّه أن يسكت ، يقولون : ألست مؤمنًا ؟ .. وإذا كان مؤمناً .. ‍‍!!


[سورة الشورى]

يجب أن تنتصر مِن الذي بغى عليك ، وإذا غلب على ظنك أنك بعفوك عنه تزيده طغياناً.. فلا تعفُ عنه ، كإنسان يقود المركبة بشكل أرعن ، وسبَّبَ إيذاءً لإنسان .. أخي سامحه ، لا .. إذا سامحه هذا ، وسامحه ذاك ازداد رعونة ، أما إذا حوسب حسابًا عسيرًا فلعل هذا الحساب يردعه .

ولكن أحياناً لا يكون للشخص أيّ تقصير منه في القيادة ، طفل ألقى نفسه أمام المركبة ، وفقير ، أنت إذا عفوت عنه ، وقلت : هذا قضاء ، وقدر ، فقد قرّبته من الله عز وجل ، فأنت المفتي ، أمّا إذا غلب على ظنك أن العفو يقربه من الله ، ويقيل عثرته ، ويعينه على الشيطان، فينبغي والحالة هذه أن تعفو عنه ، وأجرك على الله ، أما إذا غلب على ظنك أن عفوك يزيده تطاولاً وجرأة واستخفافاً بحقوق الآخرين فينبغي ألاّ تعفو عنه ، بل ينبغي أن تقتص منه ، وأن تنتقم منه ، والانتقام بالمعنى الدقيق أنْ توقف الظالم عند حده ، هذا هو الانتقام ، فقدْ يفهم الناسُ من الانتقام فهماً آخر ، على أنه عملية حقد ، لا .. قال تعالى :


[سورة الزخرف]


[سورة الأعراف الآية 180]

فانتقمنا منهم ..

أي أوقفناهم عند حدهم ، وردعناهم ، هذا معنى الانتقام .

فلما رآه قال : هذه درعي سقطت عن جمل لي في ليلة كذا ، وفي مكان كذا ، فقال الذمي: بل هي درعي ، وفي يدي يا أمير المؤمنين .

فقال علي : إنما هي درعي ، لم أبِعْها من أحَد ، ولم أهبها لأحد حتى تصير لك.

فقال الذمي : بيني وبينك قاضي المسلمين .

فقال علي : أنصفت ، فَهَلُمَّ إليه .

ثم إنهما ذهبا إلى شريح القاضي ، فلما صارا عنده في مجلس القضاء ، قال شريح لعلي رضي الله عنه : ما تقول يا أمير المؤمنين .

قال : لقد وجدت درعي هذه مع هذا الرجل ، وقد سقطتْ مني في ليلة كذا ، وفي مكان كذا، وهي لم تصل إليه لا ببيعٍ ولا بهبة .

قال شريح للذمي : وما تقول أنت أيها الرجل ؟.

فقال : الدرع درعي ، وهي في يدي .

كونها في يدي معناها درعي ، ولا أتهم أمير المؤمنين بالكذب ، لكنها درعي .

فالتفت شريح إلى عليّ كرم الله وجهه ، وقال : لا ريب عندي بأنك صادق يا أمير المؤمنين.

أمير المؤمنين ، صحابي جليل ، باب مدينة العلم ، ابن عم رسول الله ليس معقول ، من سابع المستحيلات أن يكذب ، ومع ذلك قال له شريح : لا ريب عندي في أنك صادق فيما تقوله يا أمير المؤمنين ، وأنّ الدرع درعك ، ولكن لا بد لك من شاهدين يشهدان على صحة ما ادّعيت ، فقال علي : نعم مولاي قنبر ، وولدي الحسن يشهدان لي .

فقال شريح : ولكن شهادة الابن لأبيه لا تجوز يا أمير المؤمنين .

فقال علي : يا سبحان الله ، رجل من أهل الجنة لا تجوز شهادته ، أما سمعت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ *

[أخرجه الترمذي وأحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]



قال شريك : بلى يا أمير المؤمنين ، غير أني لا أجيز شهادة الولد لوالده .

عند ذلك التفتَ عليٌّ إلى الذميِّ ، وقال : خذها فليس عندي شاهد غيرهما.

فقال الذمي : ولكني أشهد بأن الدرع لك يا أمير المؤمنين ، ثم أردف قائلاً : أمير المؤمنين، يقاضيني أمام قاضيه ، وقاضيه يقضي لي عليه ، أشهد أن هذا الدين الذي يأمر بهذا لحقٌّ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ، وأسلم .

شيء لا يُصدق ، أمير المؤمنين ، والدرع درعه ، والقاضي من جماعته ، ويشدد هذا القاضي في الإجراءات التامة لتأخذ العدالة مجراها ، وقال هذا الذمي : اعلمْ أيها القاضي أن الدرعَ درعُ أمير المؤمنين ، وأني اتبعتُ الجيشَ ، وهو مُتَّجهٌ إلى صفين ، فسقطتْ الدرعُ عن جمله الأورق فأخذتها .

فقال له علي رضي الله عنه : أما وأنك قد أسلمت فإني قد وهبتها لك ، ووهبت لك معها هذا الفرس أيضاً .

حدثني أخ كريم عنده معمل ، فقال لي : في كل يوم يجد نقصًا شديدًا في البضاعة ، ونقصًا في المال ، قال : فرَّغتُ إنسانًا حتى يراقب ، ولم نعثر على إنسان نتهمه بهذا ، فكان الذي يسرق على مستوى عالٍ جداً من الحنكة ، يضع في جيبه بضع مئات يفتقدها ظهراً ، يحسب البضاعة صباحاً فتنقص مساءً ، فرّغ إنسانا كلياً ليراقب فلم يعثر على شيء .

قال لي : بعد عشر سنوات طرق بابي شاب ، وقال : واللهِ لم أعرفه ، فلما دخل عليَّ قال: أنا فلان الفلاني ، كنت أعمل عندك في هذا المعمل ، وكنت آخذ من مالك ، ومن بضاعتك ، وأنت لا تدري ، ولكني تبت إلى الله ، وها أنا ذا عائد إليك كي أدفع لك ما عليّ من ذمم .

صاحب المعمل هو أخ من إخواننا ، قال له : هذا الذي عليك اتجاهي من بضاعة ومال وهبتُه لك نظير توبتك وإنابتك إلى الله ، وهبته لك ، ولن أسأل عنه بعد اليوم ، وكُلْهُ هنيئاً مريئاً ، وإذا أردتَ أن تعود إلى المعمل فمكانك محفوظ .

أنت كمسلم إذا ضلَّ الشخصُ ثم اهتدى ألا تفرح ؟ ألا تحسّ أن قلبك امتلأ فرحًا ؟ ألا تكافئ هذا الإنسان مقابل إسلامه بشيء من العطاء .

أيها الإخوة ، إنّ الإنسان إذا لم يفرح بأخيه عندما يسلم ، أو عندما يصطلح مع الله لا يكون عنده إيمان ، ومن علامات الإيمان أنَّ خبرَ اصطلاحِ إنسانٍ مع الله وتوبته له لا يُقدر بثمن .

لم يمض على هذا الحادث زمن طويل حتى شوهد الرجل يقاتل الخوارج تحت راية علي بن أبي طالب يوم النهروان ، ويمعن في القتال حتى كُتبت له الشهادة .

هذا القاضي أيضا قال له ابنه يوماً : يا أبت إن بيني وبين قوم خصومة ، فانظر فيها ، فإنْ كان الحقُّ لي قاضيتُهم ، وإنْ كان لهم صالحتُهم سلفاً .

أراد ابن شريح أن يعرِض على والده قضيةً بين ابنه وبين أشخاص في خصومة ، ثم قصّ عليه قصّته .. قال انطلق فقاضِهم .

ما معنى ذلك ؟ الحق لابنه .

فمضى إلى خصومه ، ودعاهم إلى المقاضاة ، فاستجابوا له ، فلمّا مثلوا بين يدي شريح قضى لهم على ولده ، فلما رجع شريح وابنه إلى البيت قال الابن لأبيه : فضحتني يا أبت ، واللهِ لو لم أستشرك من قبل لمّا لُمْتُك .

أنا استشرتك ، إذا كان الحقُّ عليَّ صالحتُهم ، وإذا كان الحق معي أقاضيهم فقال شريح : يا بني ، والله لأنتَ أحبُّ إلي من ملء الأرض من أمثالهم ، ولكن الله عز وجل أعزُّ عليَّ منك.

أخبرك بأن الحق لهم فتصالحهم صلحاً يفوت عليهم بعض حقهم ، فقلت لك ما قلت .

الدنيا بخير ، أعرف رجلاً توفي رحمه الله ، كان يعمل في منصب حساس في التربية والتعليم ، ابنه في إحدى الشهادات لم ينجح في بعض المواد ، هذه الورقة عُرضت على أربع لجان ، وأغلق الاسم ، التصحيح فيه خطأ ، فقال : واللهِ لا أنجِّحُه ، لأنه لم يُتحْ لكل الطلاب المظلومين هذه الفرصة ، وأبقاه .

فالعدالة المطلقة شيء لا يُقدر بثمن .

سمعت عن قاضٍ رُفعت إليه قضية ، طبعاً أحد المُدَّعى عليه موقوف ، قدّم المحامي أول مذكرة لإطلاق سراحه ، فلم يُستَجَبْ له ، وثاني مذكرة لم يستجب ، والثالثة لم يستجب ، والرابعة لم يستجب ، والخامسة لم يستجب .

فالموكلون عزلوا المحامي ، وكَّلوا محاميًا آخر ، القاضي بعيداً عن هذا الذي جرى بدا له أن يطلق سراح هذا المتهم ، فإذا أطلق سراح هذا المتهم بطلب أول من المحامي الجديد ، ماذا يُفهم ؟ أن ذاك المحامي فشل ، وأن هذا متألق .

استدعى الموكلين ، قال : أبلغوا المحامي السابق أن يقدم طلب الإفراج ولن أستجيب إلا له، للأول ، كي يحفظ له كرامته .

الإنسان كلما ارتقى يتقصى العدالة .

قال : خشيت أن أخبرك بأن الحق لهم فتصالحهم صلحاً يفوت عليهم بعض حقهم فقلت لك ما قلت .

مرة كفل ولدُ شريحٍ رجلاً ، فقبِل شريحٌ كفالَته ، فما كان من الرجل إلا أنْ فرَّ هارباً من القضاء ، فسجن شريحٌ ابنَه بالرجل الفارِّ .

الكفيل مسؤول ، وكان شريح ينقل إليه طعامه بيده كل يوم إلى السجن ، لقد أمر بسجنه وصار يقدم له الطعام كلَّ يوم بنفسه .

أحياناً كانت الشكوكُ تساورُ شريحاً في بعض الشهود ، مثلاً : قضية يأتي الشاهد ليحلف اليمينَ أنه رأى بعينه هذا الحادث ، اسمعوا هذا الحوار الدقيق بين شريح والشهود .

شريح يشعر أن الشاهد كذابٌ ، ولكنه مستعد أن يحلف يميناً ، ولا يوجد دليل قطعي على أنه مجروح العدالة .

يقول الشهود : اسمعوا مني هداكم الله ، إنما يقضي على الرجل أنتم ، وإني لأتقي النار بكم ، أنتم مسؤولون ، وأنتم باتقائها أولى ، وإنّ في وسعكم الآن أنْ تدعوا الشهادة وتنصرفوا، إذا كنتم شاكين أعفيتُكُم من الشهادة فانصرفوا.

قال : فإذا أصروا على الشهادة التفتَ إلى الذين يشهدون له ، وقال : اعلم يا هذا أنني أقضي لك بشهادتهم ، وإني لأرى أنك ظالم ، ولكني لست أقضي بالظن ، إنما أقضي بشهادة الشهود ، وإن قضائي لا يحلُّ لك شيئاً حرّمه الله عليك .

ومن باب أولى ، النبي عليه الصلاة والسلام سيّد الخلق ، وحبيبُ الحقّ لو أن إنساناً أدلى إليه بحجة مقنعة ، بلسان طليق ، وبيان ساطع ، فَحَكَمَ النبيُّ له ، فهل ينجو هذا الذي حُكِمَ له من عذاب الله ؟ لا ينجو .

عندنا قاعدة فقهية أساسية ، إنّ حكم القاضي لا يجعل الحق باطلاً ، ولا الباطل حقاً ، حكمُ القاضي لا يغيِّر شيئاً أبداً ، فإذا معك حكم القاضي فهذا الحكم لا ينجيك يوم القيامة .

كان هذا القاضي يقول : غداً سيعلم الظالم مِن الخاسر ، إنّ الظالم ينتظر العقاب ، وإنّ المظلوم ينتظر النَّصفَ .

إذا كان الشريكان أحدهما ظالم ، والثاني مظلوم ، وتفاككوا المستقبل مع المظلوم الله يوفق المظلوم ، ويخذل الظالم .

إذا افترق الزوجان ، ولم نعرف مَن الظالم ، الزوج أم الزوجة ؟ الظالم في الأغلب الأعم لا يُوفَّق في زواجه القادم ، والذي يُوفق في زواجه الثاني المظلوم دائماً .

غداً سيعلم الظالم مِن الخاسر ، إنّ الظالم ينتظر العقاب ، وإنّ المظلوم ينتظر النَّصفَ (العدل) ، وإني أحلف بالله عز وجل أنه ما من أحد ترك شيئاً لله عز وجل ثمَّ أحس بفقده .

روي أن أحدهم قال : سمعني شريح ، وأنا أشتكي بعض ما أغمّني من صديق ، فأخذني من يدي ، وانتحى بي جانباً ، وقال : يا ابن أخي إياك والشكوى لغير الله عز وجل ، فإن مَن تشكو إليه لا يخلو أن يكون صديقاً أو عدواً ، فإن كان صديقاً أحزنته ، وإن كان عدواً شَمَتَ بك .

ثم قال : انظر إلى عيني هذه ، وأشار إلى إحدى عينيه ، فوالله ما أبصرتُ بها شخصاً ، ولا طريقاً منذ خمس عشرة سنة ، ولكنني ما أخبرت أحداً بذلك إلا أنت في هذه الساعة ، أما سمعت قول العبد الصالح :


[سورة يوسف]

يعاب من يشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم .

إنّ المؤمن كلما ارتقى إيمانه لا يبثّ شكواه إلى أحد إلاّ الله ، علمُك بحالي يغني عن سؤالي ..

هناك إنسان نقاق ، كلما جلس يشكو ، يشكو ما في سوق ، ويشكو بيته ، وأولاده ، فتملّ منه ، كيفما جلس يشكو ، لكن المؤمن :



فاجعل الله عز وجل موضع شكواكَ ، وموضع حزنك عند كل نائبة تنوبك ، فإنه أكرم مسؤول، وأقرب مدعو .

رأى ذات يوم إنسانًا يسأل آخر شيئاً ، فقال له : يا ابن أخي - دققوا في هذا الكلام - من سأل إنساناً حاجة فقد عرّض نفسَه على الرق ..



وقد قيل : احتجْ إلى الرجل تكن أسيره ، استغن عنه تكن نظريه ، أحسن إليه تكن أميره .

كائناً من كان ، فقد تكون أنت إنسانًا عاديًّا مكتفِيًا ، لكن حينما تستغن عن الناس فأنت نظيرهم، أنت والمليونير سواء ، أنت وأقوى شخص سواء إذا استغنيت عنه ، أما إذا سألته ، وتضعضعت أمامه فأنت أسيره ، أما إذا أكرمته فأنت أميره .



قال له : يا ابن أخي من سأل إنساناً حاجة فقد عرَّض نفسه على الرق ، فإنْ قضاها له المسؤول فقد استعبده بها ، وإنْ ردّه عنها رجع كلاهما ذليلاً ، هذا بذلَ البخلَ ، وذاك بذلَ الردَّ، فالبخيل ذليل ، والذي يسأل ذليل .



وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ *

[رواه الترمذي وأحمد]
وقع في الكوفة طاعون ، فخرج صديقٌ لشريح منها إلى النجف ، يبتغي المهرب من الوباء، فكتب شريح إليه : أما بعد ؛ فإن الموضع الذي تركته لا يقرب حُمامك ، ولا يسلب منك أيامك ، وإن الموضع الذي سرت إليه في قبضة مَن لا يعجزه طلب ، ولا يفوته هرب ، وإنا وإياك لعلى بساط ملك واحد ، وإن النجف من ذي قدرته لقريب .

الإنسان في قبضة الله .

كان شريح شاعراً ، له شعر قريب المأخذ ، حلو الأداء طريف الموضوعات .

روي عنه أنه كان له صبي في نحو العاشرة من عمره ، وكان الصبي مؤثراً اللهو ، مولعاً باللعب ، فافتقده ذات يوم ، فإذا هو قد ترك الكتاب ، ومضى يتفرج على الكلاب .

فلما عاد إلى المنزل سأله أصليت ؟ قال : لا .

فدعا بقرطاس وقلم وكتب إلى مؤدِّبه (الأستاذ) يقول :

***

ترك الصلاة لأكلب يسعى لها يبغي الهراش مع الغواة الرجس

فليأتينك غدوة بصحيفـــة كتبت له كصحيفـــة المتلمس

فإذا أتاك فداوه بملامـــة أو عظه موعظة الأديب الكيـس

و إذا هممت بضربه فبـدرة و إذا بلغت ثلاثــة لك فاحبـس

و اعلم بأنك ما أتيت فنفسه مع ما يجرعنــي أعـز الأنفس

***

أيها الإخوة ، هذا غيض من فيض عن التاريخ الذهبي في القضاء الإسلامي ، وكان هذا القاضي شريح قد شغل منصب القضاء ستين عاماً ، ملأ أيام قضائه عدالة وإنصافاً ، ونزاهة، وفخراً ، والإنسانُ ينبغي أن يقتدي بشريح ، ولو لم يكن قاضياً - كما قلت أول الدرس - أنت قاضٍ بين أولادك ، قاضٍ بين موظفيك ، قاضٍ بين أقربائك ، قاضٍ بين ابنك وزوجته ، أو بين ابنتك وزوجها ، أنت قاضٍ دائماً ، فالإنسان المؤمن ينصف ، قال تعالى :


[سورة المائدة الآية 2]

لو كان الطرف الآخر مجوسيًّا ، لو كان كافرًا ، لو كان منافقًا ، لو كان مشركًا ، لو كان فاسقًا ، لو كان عاصيًا ، الزم الحق ، ولا تأخذك في الله لومة لائم .



والحمد لله رب العالمين .

* * * *

_______

ابو عمر المصرى
12-13-2007, 11:50 AM
رجاء بن حيوه







بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ


أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس العاشر من سير التابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ، والتابعيّ اليوم هو رجاء بن حيوه ، وقد قال مسلمة بن عبد الملك : إن في كنده لثلاثة رجال ؛ ينزل الله بهم الغيث ، وينصر بهم على الأعداء ، أحدهم رجاء بن حيوه " ، فمن هو هذا التابعي؟..

على كل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة .. باب الخير مفتوح ، وفضل الله عميم ، لا يُحد لا بزمان ولا بمكان ، ولا بأمة ولا بقرن ، ولا بجيل ، وإنّ الله هو هو ، وعطاؤه مبذول ، ورحمته واسعة ، والطريق إليه سالك ، وثمن الجنة معروف .

هذا يؤكد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ *

[رواه الترمذي عن أنس]

فهذا التابعي ربما لم يَرِد في ذهنكم من قبل ، فمن هو ؟ .

هذا رجل وُلِد في بيسان من أرض فلسطين ، وكانت ولادته في أواخر خلافة عثمان بن عفان ، أو نحواً من ذلك ، وكان ينتمي إلى قبيلة كندة العربية ، وعلى هذا فرجاء بن حيوة فلسطيني الوطن ، عربي الأرومة ، كندي العشيرة .

وقد نشأ الفتى الكندي في طاعة الله ، ودائماً وأبداً أؤكد لكم ، مَن لم تكن له بداية محرقة، لم تكن له نهاية مشرقة ، ولا أفرح حينما أنظر إلى الإخوة الكرام فرحي حينما أرى شاباً ناشئاً في طاعة الله ، فالخير يتراكم ، والقناعات تتراكم ، والإيمان يتراكم ، فإذا كان في هذه السن ملتزمًا مطبقًا منيبًا ، تائبًا ، فكيف إذا رأيته في الأربعين ، وفي الخمسين ، فالزمن لصالح المؤمن ، يزيده تألقاً وعلماً ، ويزيده هيبةً ومكانة ، ويزيده قرباً مِن الجنة ، فلذلك ما من تابعي كما ترون ، وما من صحابي في الأعمّ الأغلب إلا وقد نشأ في طاعة الله النشأة المبكرة .

نشأ هذا الفتى الكندي في طاعة الله منذ حداثة سنه ، فأحبه الله ، وحبَّبه إلى خلقه .

بالمناسبة ، إذا أردتَ أن يحبّك الناس لِمَا عندك من أخلاق وإيمان ، فهذه في الحقيقة محبة الله لك .

***

ينادى له في الكون أنا نحبه فيسمع من في الكون أمر محبنا

***

محبة الله تتجسد بمحبة الخلق ، وإذا أبغض اللهُ الإنسانَ لانحرافه ومعصيته ، ألقى بغضه في قلوب العباد ،فلا أحد يحبه ، أما إذا كان قوياً مُدِح في وجهه ، أما العبرة فبما يُقال في غيبته ، فلا تأبه ، ولا تلقي بالاً ، ولا تهتمّ لِمَا يقال في حضرتك ، أنت أحد رجلين ؛ إما أن يخافك الناس ، وإما أن يرجوا ما عندك ، وفي الحالتين يتملقونك ، ويكيلون لك المديح جزافاً، ويمدحونك بما ليس فيك ، لكن الذي يُعوَّل عليه ما يُقال في غيبتك .

أقبل هذا الفتى على العلم من نعومة أظفاره ، فوجد العلم فؤاده غضاً طرياً خالياً ، فتمكن منه ، واستقر فيه .

أنت كالوعاء ، وقد قيل :

***

أَتَانِي هَوَاهَا قَبْلَ أَنْ أَعْرِفَ الْهَوَى فَصَادَفَ قَلْبًا خَالِيًا فَتَمَكَــنَّا

***

الإنسان إذا طلب العلم في وقت مبكر ، يكون وعاؤه فارغًا ، فحينما يُلقى العلم فيه يتمكن، والعلم في الصغر كالنقش في الحجر ، أما إذا امتلأ بمشاغل الدنيا ، وشهواتها ، وطموحاتها ، فلم يعُد العلمُ يصادف محلاًّ فيه .

قال الشاعر المتنبي يتحدث عن المصائب :

***

رَمَانِي الدَّهْرُ بِالأَرْزَاءِ حَتَّى فُؤَادِي فِي غِشَاءٍ مِنْ نِبَــالِ

فَكُنْتُ إِذَا أَصَابَتْنِي سِهَــامٌ تَكَسَّرَتِ النِّصَالُ عَلَى النِّصَالِ

***

لم يَعُد ثمة محلٌّ شاغر ، فالقلب إذا امتلأ بمحبة الدنيا لم يبقَ شيء لمحبة الله ، والله عز وجل قال في القرآن الكريم :


[سورة الأحزاب من الآية 4]

فهو قلب واحد .. هذه نقطة دقيقة ، هذا القلب وعاء ، إذا كان فارغاً مما سوى الله امتلأ كله بمعرفة الله ، وإذا كان معبَّأ إلى ثلاثة أرباعه من الدنيا لم يبق منه إلاّ الربع .

فالبطولة كما قال الله عز وجل :




[سورة المؤمنون]

وجد العلم فؤاده غضاً طرياً خالياً ، فتمكن منه ، واستقر فيه ، وجعل همَّه الأكبر التضلعَ من كتاب الله .

أقول هذا الكلام كثيراً : فَضُل كلامِ اللهِ على خلقه كفضل الله على خلقه ، وأيّ كتاب تقرأه فمؤلِّفه بشر محدود ، لكنك إذا قرأت كتاب الله عز وجل فقد قرأتَ كتاب خالق البشر .

فكان همه الأول التضلعَ (التمكن) من كتاب الله ، والتزودَ من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .

تصور إنسانًا وعاؤه ممتلئ بالقرآن والسنة ، هذا كيفما تكلم ، وكيفما تحرك لا ينطق إلا بالحق ، ولا يتكلم إلا بالحكمة ، ولا يقف إلا الموقف الكامل .

أتيح لهذا التابعي الجليل أن يأخذ عن طائفة كبيرة من جلّة علماء الصحابة .

هذه الفكرة توقفنا عند حقيقة ، وهي أن العلم لا يؤخذ إلا من الرجال ، ولو أمكن أن يؤخذ العلم من الكتب مباشرةً لاستغنت وزارات التربية في العالم عن ألوف ألوف المعلمين ، ولو أمكن أن يؤخذ العلم من كتاب فقط دون معلم ، هذه حقيقة ثابتة ، اقرؤوا كتاب أصل من أصول الفقه (الموافقات للشاطبي) ، في المقدمة التاسعة يقول : العلم لا يؤخذ إلا عن طريق عالم ورع متحقق ، فالورع صفة نفسية ، والتحقق صفة فكرية ، متحقق من علمه ، ورع في سلوكه ، هذا هو السبيل .

أخذ عن أبي سعيد الخدري ، وأبي الدرداء ، وأبي أمامة ، وعبادة بن الصامت ، ومعاوية بن أبي سفيان ، وعبد الله بن عمر بن العاص ، وغيرهم ، فكان هؤلاء الأساتذة العلماء الأجلاء مصابيح هداية ، ومشاعل عرفان ، وضع هذا الفتى التابعي لنفسه دستوراً ظل يلتزمه طوال حياته ، فكان يقول : ما أحسن الإسلام يزينه الإيمان ..

الإسلام انصياع لله ، لكن إذا كان انصياعًا من دون إيمان فلا يستمر .

" ما أحسن الإسلام يزينه الإيمان ، وما أحسن الإيمان يزينه التُّقى وما أحسن التقى يزينه العلم ، وما أحسن العلم يزينه العمل ، وما أحسن العمل يزينه الرفق " ، هذا منهج هذا التابعي ؛ إسلام ، وإيمان ، وتقوى ، وعلم ، وعمل ، ورفق .

لكن الشيء الذي يلفت النظر في سيرة هذا التابعي هو أنه كان وزيراً لعدد كبير من خلفاء بني أمية ، وقد تعجبون كيف وفَّق بين مقتضيات منصبه ، وبين كونه من التابعين الأجلاء الورعين العاملين .

وسوف ترون أنه ما مِن عمل على وجه الأرض يستعصي أنْ يكون في خدمة الحق .

كان لهذا التابعي صلة متينة بسليمان بن عبد الملك ، وعمر بن عبد العزيز فاقت صلاته بمَن سبقه من الخلفاء ، أدناه من قلوب الخلفاء رجاحةُ عقله ، وصدقُ لهجته ، وإخلاصُ نيته، وحكمتُه في معالجة الأمور .

أيها الإخوة الأكارم ، الإنسان يوفَّق إلى أقصى درجة حينما يكون إلى جانبه من يُعِينُه على الخير ، ويدُلُّه عليه ، دعاء رسول الله لأمراء المسلمين : اللهم هيئْ لهم بطانة خير تدلهم إليه ، وتعينهم عليه .

وأنت كإنسان حاول أن يكون لك مستشار ، يدلُّك على الخير ، ويعينك عليه ، وإياك وبطانة السوء ؛ الذين اشتروا دنياك بدينهم ، ورضاك بسخط ربهم .

أحياناً الإنسان يكون مدير مدرسة ، عنده ثلاثون أو أربعون مدرسًا ، مدير مشفى عنده ثلاثون أو أربعون طبيبًا ، ترى واحداً تقرَّب منه زيادة ، خدمه زيادة ، كان بجانبه ، لطيف دائماً ، هذا الشخص سنُسَمِّيهِ مستشارًا ، سنُسَمِّيهِ من البطانة ، ومن الحاشية ، هناك شخص بطانة سوء يوغر صدره دائماً على بقية الناس ، يدلّه دائماً على عملٍ يؤذي المصلحة يقول له: هذه أقوى لمركزك ، فلان اعمل معه كذا ، فلان تكلم عليك بغيابك كذا ، فهذا الرجل من بطانة السوء .

أحياناً يكون الإنسان مدير معمل ، مدير مشفى ، مدير مدرسة ، رئيس دائرة صغيرة ، وحوله موظفون ، هذه هي الحاشية ، فاحذَرْ أن يكون أقرب الناس إليك رجلَ سوء .

سيدنا عمر بن عبد العزيز عيَّن مستشارًا عالمًا جليلاً ، اسمه عمر بن مزاحم ، قال له : يا عمر كنْ إلى جانبي دائماً ، وراقبْ ما أفعل ، وانظرْ ما أقول ، فإنْ رأيتني ضَللتُ فأمسكني من تلابيبي ، وهُزَّني هزًّا شديداً ، وقل لي : اتَّقِ اللَّهَ يا عمر ، فإنك ستموت .

والله لو كُشِف الغطاء لرأيت الذي ينتقدك ، وينصحك ، ولو كان قاسياً ، لرأيتَ فضله عليك لا حدود له ، فالذي ينتقدك يرفعك ، والذي يمدحك بما ليس فيك يضعك ، هكذا قال سيدنا عمر قال : أحب الناس إلي من رفع إلي عيوبي *

[كنز العمال]
وطِّن نفسَك على سماع النقد ، وطِّن نفسك على سماع النصيحة ، ولو كانت قاسية ؛ لأنها تنطلق من حبٍّ ، ومن حرص ، ومن غيرة ، ولا تعوِّد نفسك على سماع المديح ، مثل الجربان ، يريد من يحكُّ له دائماً .

لا توطِّن نفسك على سماع المديح ، اطلب النقد ، واطلب المآخذ ، واطلب المثالب ، واطلب السقطات ، واطلب الهنات ، وتلافاها ، فإنّك سترقى بها بسرعة ، أمّا إنْ عوَّدتَ نفسك على سماع المديح والثناء لم تَعُدْ حينئذٍ تقبل أن يذمك أحد أبداً ، ولا ترضى ، بل تريد تحطيمه ، لأنّك تعوّدتَ على المديح ، وصار بك إدمان مثل المخدرات ، فوطِّن نفسك على سماع النقد ، وعلى سماع النصيحة ، وعلى سماع المآخذ ، وبهذا ترقى .

اسمع كلام سيدنا عمر : أحب الناس إلي من رفع إلي عيوبي *

[كنز العمال]

أعدائي لهم فضل عليَّ ومِنّة ، فلا أعدم الله لي الأعادي ، ذكروني بالعيوب فبرئت منها ، فالأبطال دائماً يصغون إلى النقد باهتمام ، ويشكرون ، ويثنون.

قلت لكم سابقاً : طريق القمة صعب ، ومع أنه صعب فقد تصل إلى القمة ، في عملك ، في دراستك ، في تدريسك ، في تجارتك ، في زعامتك ، في قيادتك ، ممكن ، ولكن بعد أن تصل إلى هذه القمة البطولة ليس أنك وصلت إليها ، لكنّ البطولة أن تبقى فهيا ، لأن في القمة آلاف الطرق التي توصلك إلى الحضيض ، فإذا كان طريق الصعود طريقًا وعرًا فطريق النزول كله سيراميك مع صابون ، لأنّ الغرور يهلكك ، ورفضُ النقد يهلكُك ، والاعتداد بالرأي يهلكك ، لذلك البطولة أن تبقى في القمة ، وهذا يحتاج إلى معارضة ، وإلى نصيحة ، وإلى بطانة خير تدلُك على الخير ، وتعينك عليه .

فهذا التابعي وزير لخلفاء بني أمية :

أولاً : دعاهم إلى الخير ودلّهم عليه .

ثانياً : ثنّاهم عن الشر ، وأوصد دونهم أبوابه .

ثالثاً : أراهم الحق ، وزيّن لهم اتِّباعه ، وبصّرهم بالباطل ، وكره إليهم إتيانه ، ونصح لله ، وللرسول ، ولأئمة المسلمين وعامتهم .

الآن عندنا مرض يفتِّت جموع المسلمين ، إنّه المجاملة ، يقول لك : أعطه جَمَلَه .. يقول لك : هذا الشخص إذا جلس مع شخص لا دين له يخرج من عنده ملحدًا ، إنْ جلس مع شخص له دين يخرج ولِيًّا ، ترى عنده قدرة ومرونة عجيبة جداً ، يتكلم بكلام يوافق الحاضرين ، هذا منتهى النفاق ، فمن استطاع أن يرضي الناس جميعاً فهو منافق ، أليس لك اتّجاه ، أم تسبح مع كل التيّارات ، ما هذا الإنسان ؟ ليس له اتجاه ، يجامل هذا وذاك ، فإن كان مع شخص من أصحاب الفكر الحر تراه صار حراً أكثر منه .

حتى إنّ أديبًا قيل له : أنت كاتب مسرحي كبير ، كيف تبيع قلمك ؟ كيف تبيع إنتاجك الفني إلى جهة معينة ؟ فغضب وقال : أنا أبيع إنتاجي لجهة في الأرض ؟ أنا أجرته تأجيراً ، يعني لم يبع .

فالمفروض أن يكون للإنسان اتجاه ، يكون عنده كلمة (لا أوافق) ، يكون عنده كلمة (لا أرضى بهذا) ، يكون عنده كلمة (اعتراض) حتى تكون له شخصية .

علمونا بالجامعة أن أول مظهر لمظاهر ظهور شخصية الطفل الصغير رفضه ، يقول لك: لا أريد ، الرفض دليل شخصية ، فإذا ألغيت الرفض ، ألغيتَ الشخصية ، وذاب الإنسان وأصبح مائعاً ، فيتشكل حينئذٍ في أيِّ إناء .

دعاهم إلى الخير ودلّهم عليه ، وثنّاهم عن الشر ، وأوصد دونهم أبوابه ، وأراهم الحق وزيَّنه لهم ، وبصّرهم بالباطل ، وكرَّه لهم إتيانه ، ونصح لله ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم .

له قصة مع سليمان بن عبد الملك ، يرويها ويقول : إني لواقف مع سليمان بن عبد الملك في جموع من الناس ، إذ رأيت رجلاً يتجه نحونا وسط الزحام ، وكان حسنَ الصورة ، جليلَ الهيئة ، فما زال يشق الصفوفَ ، وأنا ما أشكُّ أنَّه يروم الخليفة حتى حاذاني .

هو ظن أن الرجل الوقور يتَّجه نحو الخليفة ، فإذا به يتّجه نحوي ، ثم وقف إلى جانبي ، وحيَّاني ، وقال : يا رجاء ـ والخليفة يقف بجانبه ـ قال له : يا رجاء إنك قد ابتليت بهذا الرجل ، وأشار إلى الخليفة ، وإنّ في القرب منه الخير الكثير والشر الكثير ، فاجعل قربَك منه خيراً لك وله وللناس ، واعلمْ يا رجاء أنه مَن كانت له منزلة من السلطان فرفع إليه حاجة امرئٍ ضعيف لا يستطيع رفعها لقِيَ الله جل وعز يوم يلقاه ، وقد ثبَّتَ قدمَيْه للحساب .

أحياناً يكون للرجل صديق وهو مدير عام مؤسسة ، إنسان بمنصب حساس ، هذه العلاقة أنت مُحاسب عنها يوم القيامة ، يا ترى هل يوجد رجل مظلوم له مشكلة عند هذا الرجل العظيم ، وأنت صديقه ، إذا كانت هناك فائدة تجنيها من هذه العلاقة أنْ تنقل لهذا الإنسان الذي بيده الأمر ظُلامة ممَّن لا يستطيع نقلها إليه .

ليس هناك مَن لا أصحاب له ، ولا أصدقاء له ، أو قرابات ، أنت تعرف أناس مظلومين، والعلماء ما كانوا يجيزون لأنفسهم التقرُّب مِنَ الأمراء إلا من أجل رفع ظلامات المسلمين إليهم .

إذا كان لك علاقة مع إنسان قوي ، إنسان بيده الأمر ، فهذه العلاقة يجب أن توظفها في سبيل إنصاف المظلومين ، لا أن تحدثه بعلاقات ومودات وسهرات فقط من أجل أن تشعر بالأمن ، أنا فلان صديقي ، تشعر أنه لا أحد يقترب منك ، أنت لم تستغلَّ هذه العلاقة في خدمة المسلمين ، ولم توظفها لخدمة الحق ، إنما استخدمتها لتوهِمَ نفسَك أنك في أمن ، فلان صاحبك ، معك رقم هاتفه ، وقال لك: أخبرْني أيَّة ساعة تريد .

قال له : واذكر يا رجاء أنه مَن كان في حاجة أخيه المسلم كان الله في حاجته ، واعلم يا رجاء أنّ مِن أحبِّ الأعمال إلى الله عز وجل إدخالَ الفرح على قلب امرئ مسلم .

مرةً قال لي طبيب كلمة كَبُر بها في نظري كثيراً ، قال : أنا ذقتُ كل ملاذ الدنيا ، لكن حينما أجري عملية ناجحة لإنسان ، ويشعر أنها نجحت ، ويبتسم ، أشعر بسعادة لا توصف .

العظماء أيها الإخوة ، لا يسعدهم إلا أن يسعد الناس بهم ، أما الصغراء فما دام بيتُهم فيه كل شيء ، وطعامهم جيد ، وأموالهم كثيرة ، فعلى الدنيا السلام ، لكنَّ عظماء الناس يسعدون بإسعاد الآخرين ، ويسعدون إذا رأوا البسمة على قلوب الناس .

زرت أخًا من إخواننا الكرام ، معه معرض عضال ، ورأيت أولاده في كآبة ، هذا الأخ الكريم تلقى هاتفًا من إنسان قال له : غداً قابل الطبيب الفلاني ، والعملية حسابُها مغطَّى ، لم يعرف إلى الآن مَن أخبره ، ذهب إلى الطبيب ، وقال له : العملية جاهزة متى تحب ، قال : بعد يومين ، زرته بعد حين فرأيت أولاده يقفزون من الفرح ، قلت : هذا الذي دفع ثلاثمائة ألف أدخل الفرح على هذه الأسرة ، الأب والزوجة والأولاد ، أليس ذلك أفضل من أن يعمل عرسًا في فندق ، ثم يدفع عشرين مليونًا ، أو عشرة ملايين ، أو مليون .. لا أحد يعرف مِن أين السعادة .. السعادة بإسعاد الناس ، أنْ تعيش في قلوبهم ، أن ترى البسمة على أفواه الصغار .. لذلك كلمة لا أنساها أبداً ، إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك .

هناك إنسان كله خيرات ، كله معونة ، هناك شخص بنى نفسه على أنقاض الناس ، وعلى أخذِ ما في أيديهم ، وعلى بثِّ الرعب في قلوبهم ، هذا أشقى إنسان ، فإذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك ، وفيما وظفك اللهُ عنده ..

مرة قال لي رجل : أنا عملي قذر ، وأيضاً تفلسف فقال : Dirty work، حكاها لي بالإنكليزي ، واللهُ يشهد أنّ له بيتًا ، ومركز عمل لا يُوصف بالفخامة ، قال لي : عملي قذر ، هذه هي الفطرة ، واعملْ عملاً كله شحم وزيت ، وأتقِنْه ، وخذ أجرة معتدلة ، هذا عمل نظيف ، كله شحم ، اغتسل في المساء ، والبس لباساً أنيقاً في المساء ، إخواننا كُثُرْ أصحاب مصالح ، أنا أُكبرهم واللهِ ، يلبس ثوبًا أسود على أزرق على شحم ، ولكن انظر إليه في حفل عقد قران ، تراه يلبس ثوبا فخمًا ، وأنيقًا ومرتبًا ، درجة أولى ، هكذا يحبّ اللهُ الإنسانَ ، أن يكون صاحبَ مصلحة ، وقال : واللهِ لئن أمكنني الله منه لأفعلنّ ولأفعلنّ ولأضعنَّ السيف في عنقه ، ولم يمض وقتٌ طويل حتى أمكنه الله من الرجل ، وسيقَ إليه سوقاً ، فلما وقعت عيناه عليه كاد يتميز من الغيظ ، وهمَّ أن ينفذ وعيدَه بقتله ، وكان رجاء جالسًا ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إنّ الله عز وجل قد صنع لك ما تحبّ مِن القدرة عليه ، فاصنعْ لله ما يحبُّ من العفو .

استجاب الله لك الدعاء ، ونفّذ رغبتك ، وجعله بين يديك ، فالآن قابلْ هذا الإكرامَ من الله أنه مكنك منه ، قابِلْه بما يحبّ اللهُ عز وجل مِن العفو عنه ، فسكنتْ نفسُ الخليفة ، وسكتَ عنه الغضبُ ، وعفا عن الرجل ، وأطلق سراحه ، وأحسن إليه .

إخواننا الكرام ، وفي الحديث : عدل يوم واحد أفضل من عبادة ستين سنة *

ومن طريق أبي نعيم بلفظ : عدل حكم ساعة خير من عبادة سبعين سنة *

[كشف الخفاء للعجلوني ، عن أبي هريرة]
لا تكنْ إنسانًا يسبِّب الشر لإنسان " ليس منا من فرق " ، اجمع ، وقَرِّبْ بين الناس ، والتمسْ لهم العذر ، ودافعْ عنهم يرضَ عنك الله ، ولا تَبْنِ مجدَك على أنقاض الآخرين ، أشخاص كثر يرتفعون على أنقاض أناس آخرين ، فيحطِّم إنسانًا ، ويعلو هو ، يحطم جهةً ويعلو هو ، والإنسان هو هو ، ولو اختلف الزمان .

سنة إحدى وتسعين حجّ الوليد بن عبد الملك وبصحبته رجاء ، فلما بلغا المدينة زارا المسجد النبوي الشريف ، يرافقهما عمر بن عبد العزيز ، وقد رغِب الخليفة أن ينظر إلى الحرم النبوي نظرة أناة ورَوِيَّة ، إذْ كان عقَدَ العزمَ توسعَتَه حتى يكون مائتي ذراع في مائتي ذراع ، الآن يسع الحرم النبوي ما يزيد عن مليون مصلٍّ .

كانت الرغبة أن يوسِّعه إلى مائتي ذراع بمائتي ذراع ، فإذا الرجل زار الحرم النبوي الآن يرى أعمدة بيضاء هي الروضة ، وبعدها عمودين أخضرين مكتوب هذا حدود المسجد النبوي ، حتى تعرف حجم المسجد النبوي عندما كان رسول الله فيه ، بقدر أربع سجادات ، هؤلاء فتحوا العالم ، ونحن مليار ومائتا مليون !.. نسأل الله أنْ يعيننا ويساعدنا ..

فأُخرِجَ الناسُ من المسجد ليتمكّن الخليفة من تأمله (هكذا صدر الأمر) ، ولم يبق في المسجد غيرُ سعيد بن المسيب (هو رجل من التابعين) ، إذ لم يجرؤ الحرس على إخراجه (له هيبته) ، فأرسل عمر بن عبد العزيز إليه ، وكان يومئذ والياً على المدينة ، مَن يقول له : لو خرجتَ من المسجد كما خرج الناس (إذا أمكن) ، فقال سعيد بن المسيب : لا أغادر المسجد إلا في الوقت الذي اعتدتُ أن أغادره فيه كل يوم ، فقيل له : لو قمتَ فسلمتَ على أمير المؤمنين (طيِّب قفْ وسلِّم عليه) ، فقال : إنما جئت إلى هنا لأقوم للهِ رب العالمين ، هذا بيت الله ..

فلما عرف عمر بن عبد العزيز ما دار بين رسوله وسعيد بن المسيب جعل يعدل بالخليفة عن المكان الذي فيه سعيد (أخذه إلى الطرف الآخر حتى لا تنشأ مشكلة) ، وأخذ رجاء يشاغله بالكلام لِمَا كانا يعلمان من شدة عنفوان الخليفة (الخليفة عنده عنفوان شديد ، وهذا الرجل لا يخرج من المسجد الآن ، ولا يقف للسلام) ، فقال لهما الوليد : مَن ذلك الشيخ ؟ أليس هو سعيد بن المسيب ؟ قالا : بلى يا أمير المؤمنين ، وطفِقا يصِفَانِ من دينه وعلمه وفضله وتقواه (حتى يغطوا على بقائه وجلوسه) ، ثم قالا : لو عِلَم بمكان أمير المؤمنين لقام إليه ، وسلّم عليه ، ولكنه ضعيف البصر ، فقال الوليد : إني لأعلم من حاله مثلما تذكران ، وهو أحقُّ أن نأتيه ونسلِّم عليه ، ثم دار في المسجد حتى أتاه ، ووقف عليه وحيّاه ، وقال : كيف الشيخ ؟ فلم ينهض الشيخ من مكانه ، وقال : بنعمة من مكانه ، وله الحمد والمنة ، قال له : فكيف أمير المؤمنين وفَّقه الله لما يحبّه ويرضاه ، فانصرف الوليد ، وهو يقول : هذا بقيّة الناس ، هذه بقيّة السلف الصالح.

والخلفاء كانوا أتقياء .

ولما أفْضَت الخلافة إلى سليمان بن عبد الملك كان لرجاء بن حيوه عنده شأن يفوق شأنه عند سابقه ، الآن القصة دقيقة جداً ، أكبر هذه القصص أنه حدّث رجاء فقال : لما كان أول يوم جمعة من شهر صفر عام تسعة وتسعين ، كنا مع أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك بدابق وكان قد أرسل جيشاً لجب إلى القسطنطينية ، بقيادة أخيه مسلمة بن عبد الملك ، ومعه ابنه داود ، وطائفة كبيرة من آل بيته ، وقد آل على ألاّ يبرح مرج دابق حتى يفتح الله عليه القسطنطينية ، أو يموت .

سليمان عنده رغبة أن تُفتح على يديه القسطنطينية ، وكانت معقل الروم ، فلما اقترب موعد صلاة الجمعة توضأ الخليفة فأحسن الوضوء ثم لبس عمامة خضراء ، ونظر في المرآة نظرة معجب بنفسه ، مزهواً بشبابه ، وكان في نحو الأربعين من عمره ، ثم خرج ليصلي بالناس الجمعة ، فلم يرجع من المسجد إلا وهو موعوك (أصابته الحمى) ، ثم أخذ يثقل عليه المرض يوماً بعد يوم ، وقد سألني أن أظلّ قريباً منه ، فدخلتُ عليه ذات يوم فوجدتُه يكتب كتاباً ، فقلت : ما يصنع أمير المؤمنين ؟ قال : أكتب كتاباً أعهد به إلى ابني أيوب بالخلافة من بعدي ، فقلت يا أمير المؤمنين (اسمعوا دور الناصح ، دور بطانة الخير التي تدلّ على الخير ، وتعين عليه) قال : يا أمير المؤمنين إنّ ممّا يحفظ الخليفة في قبره ، ويبرئ ذمته عند ربه أن يستخلِف على الناس الرجل الصالح ، وإن ابنَك أيوب غلامٌ لم يبلغ الحلم بعد ، ولم يتبين صلاحه من طلاحه ، فتراجع ، وقال : إنه كتاب كتبته ، وأنا أريد أن أستخير الله فيه ، ولم أعزم عليه (قال : لم أقرر بعد) ، ثم مزق الكتاب .

التغت خلافة أيوب بهذه النصيحة .

ومكث بعد ذلك يوماً أو يومين ثم دعاني ، وقال : يا رجاء ما رأيك في ولدي داود ، فقلت : هو غائب مع جيوش المسلمين في قسطنطينية ، وأنت لا تدري الآن أحيٌّ هو أم ميت، فقال : فمَن ترى إذن يا رجاء ، قلت : الرأي رأي أمير المؤمنين ، وكنت أريد أن أنظر فيَمن يذكرهم لكي أستبعدهم واحداً واحداً حتى أصل إلى عمر بن عبد العزيز .

يعني كل أعمال سيدنا عمر بصحيفة رجاء ، هو الذي أقنع الخليفة باختياره .

فقال : كيف ترى عمر بن عبد العزيز ، قلت : واللهِ يا أمير المؤمنين مَا علمته إلا فاضلاً كاملاً عاقلاً بيناً ، قال : صدقت ، إنه والله لكذلك ، ولكنني إن ولّيته ، وأغفلت أولاد عبد الملك لتكوننّ فتنة ، ولا يتركونه يلي عليهم أبداً ، قلت : أشرك معه واحداً منه ، واجعله بعده، قال : واللهِ لقد أصبت ، فإنّ ذلك مما يسكنهم ، ويجعلهم يرضونه ، ثم أخذ الكتاب، وكتب بيده : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من عبد الله سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين لعمر بن عبد العزيز ، إني ولّيته الخلافة من بعدي ، وجعلتها من بعده ليزيد بن عبد الملك ، فاسمعوا له وأطيعوا ، واتقوا الله ، ولا تختلفوا فيطمع بكم الطامعون ، ثم ختم الكتاب، وناولني إياه ، ثم أرسل إلى كعب بن حازم صاحب الشرطة ، وقال : ادع آل بيتي فليجتمعوا (لأخذ البيعة) ، وأعلِمْهُم أن الكتاب الذي في يد رجاء هو كتابي ، ومُرْهُم أن يبايعوا لمَن فيه، قال رجاء : فلما اجتمعوا قلت لهم : هذا كتاب أمير المؤمنين ، قد عهد فيه للخليفة من بعده ، وقد أمرني أن آخذ منكم البيعة لمَن ولاه (ولكن لم يعرفوا من) ، فقالوا : سمعاً لأمر أمير المؤمنين ، وطاعة لخليفته من بعده ، وطلبوا أن أستأذن لهم على أمير المؤمنين للسلام عليه ، فقلت : نعم ، فلما دخلوا عليه قال لهم : إن هذا الكتاب الذي في يد رجاء هو كتابي ، وفيه عهدي للخليفة من بعدي ، فاسمعوا وأطيعوا لمَن ولّيتُ ، وبايِعوا لمَن سمّيت في هذا الكتاب ، فطفِقوا يبايعون رجلاً رجلاً ، ثم خرجتُ بالكتاب مختوماً لا يعلم أحد من الخلق ما فيه غيري وغير أمير المؤمنين ، فلما تفرّق الناس جاءني عمر بن عبد العزيز ، فقال : يا أبا المقدام ، إن أمير المؤمنين رجلٌ حسن الظن بي ، وكان يوليني من كريم بره وصافي وداده الشيءَ الكثير ، وأنا أخشى أن يكون قد أسندَ إليّ مِن هذا الأمر شيئاً ، فأنشدك الله ، وأسألك بحرمتي ومودتي ، أن تعلمني إنْ كان في الكتاب شيءٌ يخصني حتى أستعفيه من ذلك قبل فوات الفرصة ، فقلت له : لا واللهِ ما أنا بمخبرك حرفاً واحداً ممّا سألت عنه ، فتركني وتولى عني وهو غضبان .

ثم جاءني هشام بن عبد الملك ، قال : يا أبا المقدام إن لي عندك حرمة ومودة قديمة ، وإن لك عندي شكراً جزيلاً فأعلمني بما في كتاب أمير المؤمنين ، فإن كان هذا الأمر إليّ سكت ، وإن كان لغيري تكلمتُ ، فليس مثلي من يُنحى عن هذا الأمر ، (موقف معاكس تماماً) ، ولك عهدُ الله ألاّ أذكر اسمك أبداً ، فقلت : لا والله ، لا أخبرك بحرف واحد ممّا في الكتاب ، فانصرف وهو يضرب كفاً بكفٍّ ويقول : لمَن يكون هذا الأمر إذا أنا نُحّيتُ عنه ، أتخرج الخلافة من بني عبد الملك ، واللهِ إني لعيب أولاد عبد الملك .

ثم دخلت على سليمان بن عبد الملك، فإذا هو يجود بروحه ، فجعلتُ إذ أخذته السكرةُ من سكرات الموت أحرِّفه نحو القبلة ، فكان يقول لي وهو يشهق : لم يأنِ ذلك بعد يا رجاء ، حتى فعلت ذلك مرتين ، فلما كانت الثالثة قال : الآن يا رجاء إن كنتَ تريد أن تفعل شيئاً فافعله (يعني انتهى الأمر) أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، فحرفته نحو القبلة ، فما لبث أن أسلم روحه لله ، عند ذلك أغمضتُ عينيه ، وسجّيته بقطيفة خضراء ، وأغلقتُ الباب عليه ، وخرجتُ ، فأرسلتْ إليَّ زوجتُه تسألني عنه ، وتطلب مني أن أخبرها عن حاله، فقلت لها ، شققتُ عنه الباب وقلتُ لرسولها ، انظر إليه ، لقد نام الساعة بعد سهر طويل ، فدعوه ، فرجع فأخبرها ، فقبلت ذلك ، وأيقنت أنه نائم ، ثم أحكمتْ إغلاق الباب وأجلستْ عنده حارساً أثِقُ به ، وأوصيته ألاّ يتزحزح عن مكانه حتى أعود ، وألاّ يُدخل على الخليفة أحداً أبداً ، كائناً من كان ، ومضيتُ ، فلقيني الناس ، وقالوا : كيف أمير المؤمنين ؟ قلت : لم يكن منذ مرض أسكنَ منه الآن ، ولا أهدأ ، فقالوا : الحمد لله ، ثم أرسلتُ إلى كعب بن حازم صاحب الشرطة ، فجمع أهلَ بيت أمير المؤمنين جميعاً في مسجد دابق ، فقلت : بايعوا لمَن في كتاب أمير المؤمنين ، قالوا : قد بايعنا مرةً أنبايع أخرى مرةً ثانية ، فقلت : هذا أمر أمير المؤمنين ، بايعوا على ما أمر به ، ولمَن سمّى في هذا الكتاب المختوم ، فبايعوا رجلاً رجلاً، فلما رأيت أني قد أحكمت الأمر قلت : إن صاحبَكم قد مات ، وإنّا لله وإنا إليه راجعون ، وقرأت عليهم الكتاب ، فلما انتهيت إلى ذكر عمر بن عبد العزيز ، نادى هشام بن عبد الملك: لا نبايعه أبداً ، فقلت : إذاً والله تُضربُ عنقُك ، فقام يجرّ رجليه ، فلما انتهى إلى عمر قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، وهو يسترجع لنصيب الخلافة إلى عمر دونه ، ودون إخوته من أولاد عبد الملك ، وقال عمر : إنا لله وإنا إليه راجعون ، وكان يسترجع لمصير الخلافة إليه على كره منه .

فكانت بيعة جَدَّد اللهُ فيها للإسلام شبابه ، ورفع للدين منارَه ، فطوبى لخليفة المسلمين على هذه التولية ، وطوبى لرجاء على هذه النصيحة .

هذا رجل من التابعين ، كان وزيراً لعدد من خلفاء بني أمية ، وكان ناصحاً أميناً من بطانة الخير ، يدل على الخير ويعين عليه .



والحمد لله رب العالمين .

* * * *

camanana
12-13-2007, 12:02 PM
يا ليتنا نعيش مثلهم

او حتى نحاول

جزاك الله خيرا

ابو عمر المصرى
12-13-2007, 12:08 PM
جزيت الفردوس الاعلى

مرورك اسعدنى

ابو عمر المصرى
12-13-2007, 12:09 PM
سعيد بن المسيب









بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس الثاني عشر من دروس سير التابعين ، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ، والتابعي اليوم هو سعيد بن المسيِّب ، وهذا الاسم كما تعلمون مطروقٌ في التاريخ ومطروقٌ في الصدر الأول من الإسلام .

عَقَدَ أميرُ المؤمنين عبد الملك بن مروان العزمَ على حجِّ بيت الله الحرام ، وزيارة ثاني الحرمين الشريفين ، والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما أقبل ذو القعدة زمَّ الخليفةُ العظيمة ركائبه ، وتوجّه إلى أرض الحجاز يصحبه السادة الأماجد من أمراء بني أمية ـ هذا شأن الخلفاء إذا توجهوا إلى الحج - وصحبه أيضاً نفرٌ من كبار رجال الدولة وبعض أولاده ، ومضى الركبُ في طريقه من دمشق إلى المدينة المنورة ، من غير توقفٍ ولا عجل ، فكانوا كلما نزلوا منزلاً نُصِبَتْ لهم الخيام ، وفُرِشَتْ لهم الفُرُش ، وعُقِدَتْ لهم مجالس العلم والتذكرة ، ليزدادوا تفقهاً في الدين ، ويتعهدوا قلوبهم ونفوسهم بالحكمة والموعظة الحسنة .

فإذا أزمع الإنسانُ الحج لا بد له من تطهير النية ، ولا بد من التوبة ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : إذا حج الرجل بمال من غير حله فقال : " لبَّيك اللهم لبّيك ، قال الله: " لا لبّيك ولا سعديك ، هذا مردود عليك *

[الجامع الصغير عن ابن عمر]



ذكرت اليوم العبادات الأربع ؛ الصلاة ، والصوم ، والحج ، والزكاة ، هذه العبادات الشعائرية ، لا معنى لها إطلاقاً ، ولا جدوى منها ، ولا فائدة منها إنْ لم تقُم على أساس العبادات التعاملية ، والدليل :

أمّا الصلاة فقد قال تعالى :



( سورة العنكبوت : من آية " 45 " )

وأخرج ابن أبي حاتم عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله : إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر ، فقال : من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له *

هل للصلاة قيمة من دون استقامة ؟

أمّا دليلُ الصيام فقال عزوجل :


( سورة البقرة )

النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

" مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ "*

( من صحيح البخاري : عن " أبي هريرة " )

هل له قيمة الصيام ؟

والحج ... قال سبحانه :


( سورة آل عمران )

إذا حج الرجل بمال من غير حله فقال : " لبَّيك اللهم لبّيك ، قال الله: " لا لبّيك ولا سعديك ، هذا مردود عليك *

[الجامع الصغير عن ابن عمر]

والزكاة ...


( سورة التوبة )

آية ثانية .. من يذكر آية تؤكد أن الإنفاق لا قيمة له ؟


( سورة التوبة )

فلا الصلاة ، ولا الحج ، ولا الزكاة تنفع وتجدي وتثمر ، إن لم تُبْنَ هذه العبادات على العبادات التعاملي ، سيدنا جعفر حينما سُئل عن الإسلام ، قال : عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ابْنَةِ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ لَمَّا نَزَلْنَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ جَاوَرْنَا بِهَا خَيْرَ جَارٍ النَّجَاشِيَّ ....... فَكَانَ الَّذِي كَلَّمَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لَهُ أَيُّهَا الْمَلِكُ - دقق الآن - كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ وَنُسِيءُ الْجِوَارَ يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ - هذه الجاهلية - فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ - أما الإسلام - فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَحُسْنِ الْجِوَارِ وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ وَنَهَانَا عَنْ الْفَوَاحِشِ وَقَوْلِ الزُّورِ وَأَكْلِ مَالَ الْيَتِيمِ وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ قَالَ فَعَدَّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الْإِسْلَامِ فَصَدَّقْنَاهُ وَآمَنَّا بِهِ وَاتَّبَعْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ فَعَبَدْنَا اللَّهَ وَحْدَهُ فَلَمْ نُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا وَحَرَّمْنـَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنـَا وَأَحْلَلْنَا مَا أَحَلَّ لَنَا فَعَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا فَعَذَّبُونَا وَفَتَنُونَا عَنْ دِينِنَا لِيَرُدُّونَا إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ وَأَنْ نَسْتَحِلَّ مَا كُنَّا نَسْتَحِلُّ مِنْ الْخَبَائِثِ .......*

[رواه أحمد]

بماذا عرَّف سيدنا جعفر الإسلام ؟ بالأخلاق ، السلوك ، آيات كالشمس ، هذه أربع عبادات؛ صوم ، صلاة ، حج ، زكاة ، من دون استقامة لا معنى لها ، لذلك تعجب أن في العالم الآن مليارًا ومائتي مليون مسلم ، وليست كلمتهم هي العليا ، لا أقول : هي سفلى ، ولكن ليست هي العليا ، ولا يشكِّلون وزناً في العالم ، لأن الإسلام ليس صلاةً ، وصياماً ، وحجاً ، وزكاةً ، وعندنا دليل أقوى :

بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ *

( من صحيح البخاري عن ابن عمر)

هل هذه الخمس هي الإسلام ؟

بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ *

( من صحيح البخاري عن ابن عمر)

بناء ثلاثين طابق مبني على خمس دعائم ، فهل الدعائم هي البناء ؟ لا ، فهذا البناء بني على هذه الدعائم : بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ *

( من صحيح البخاري عن ابن عمر)

هذه حقائق أساسية ، فيا إخواننا الكرام ، وفّروا أوقاتكم ، الدين كله أخلاق ، الدين كله صدق ، الدين كله أمانة ، الدين كله وفاء ، وإخلاص ، وبذل ، وعطاء ، وتضحية .

هذا الذي ذكرته ذكَّرني به القول : وتعهدوا قلوبهم ونفوسهم قبل أن يحجوا ، فالحج ليس له معنى من دون استقامة ، والصلاة ليس لها معنى من دون استقامة .

ولما بلغ الخليفةُ المدينة المنورة أمَّ حرمها الشريف ، وتشرَّف بالسلام على ساكنها محمدٍ عليه الصلاة والسلام ، وسعِد بالصلاة في الروضة المطهرة الغرَّاء ، فذاق من برد الراحة ، وسلام النفس ما لم يذق مثلهما من قبل ، وعزَم أنْ يطيل إقامته في مدينة النبي صلى الله عليه وسلم ما وجد إلى ذلك سبيلاً ، وكان من أشد ما استأثر باهتمامه في المدينة المنوَّرة حلقاتُ العلم.

إخواننا الكرام ... هذه البلدة أينما ذهبت لن تجد مثلها في دروس العلم ، فمن فضل الله أن الله حبَا هذه البلدة بهذه المجالس ، والناس مقبلون عليها إقبالاً شديداً ، يقول مؤلف الكتاب : إنه من أشد ما استأثر باهتمام الخليفة عبد الملك بن مروان في المدينة حلقات العلم ، التي كانت تعمر المسجد النبوي الشريف" ، فأداء الصلوات يمكن أن يكون في أيِّ مكان ، فأقل مهمة للمسجد أن تقام فيه الصلوات ، ولكن أخطر مهمة أن يكون منارًا للهدى ، ومركز إشعاع ، ومركزًا هداية ، ومكانَ تعليم وتوجيه ، ومكان تدقيق وبثّ المواقف ، فالمسجد له رسالة خطيرة ، غير أنّ في عصور الانحطاط فُرِّغَ المسجد من مضمونه ، وبقي لأداء الصلوات ، والآن أنا أتمنى وأرجو أن تعود للمسجد رسالته العظمى .

وتألَّق في هذه المجالس العلماء الأفذاذ من كبار التابعين ، كما تتألق النجوم الزُهر في كبد السماء ، فهذه حلقة عروة بن الزبير ، وتلك حلقة سعيد بن المسيِّب ، وهناك حلقة عبد الله بن عُتبة .

وفي ذات يوم ٍ- يا ترى هؤلاء التابعين لهم حلقات ، ولهم مجالس علم ، يا تُرى هل كان بعضهم يطعن في بعض ؟ هل إذا كان أحد التلامذة عندهم ، وانتقل إلى حلقةٍ أخرى يقام عليه النكير ؟ لا ، فهذا وضع طبيعي ؛ أن يكون ثمة دعاة كثر ، وتلامذة مع الدعاة ، والمجموع مؤمنون ، والمجموع رسالتهم واحدة - فذات يوم صحا الخليفة من قيلولته ، في وقتٍ كان لا يصحو فيه عادةً ، فنادى حاجبه ، وقال : يا ميسرة ، فقال : لبيك يا أمير المؤمنين ، قال : امضِ إلى مسجد رسول الله ، وادعُ لنا أحد العلماء ليحدَّثنا ، أَحضِرْ لنا عالمًا من العلماء ، فمضى ميسرة إلى المسجد النبوي الشريف ، وأجال النظر فيه ، فلم يرَ غير حلقةٍ واحدة ، توسَّطها شيخٌ نيَّف على الستين من عمره ، في بساطة العلماء ، وعليه هيبتهم ووقارهم ، فوقف غير بعيدٍ من الحلقة ، وأشار للشيخ بإصبعه ، فلم يلتفت الشيخ إليه ، ولم يأبَهْ له ، فاقترب منه ، وقال : ألم ترَ أني أشير إليك ؟

ـ قال : إليّ أنا ؟

ـ قال : نعم .

ـ قال : وما حاجتك ؟

ـ قال : استيقظ أمير المؤمنين ، وقال : امضِ إلى المسجد ، وانظر هل ترى أحدًا من حُدَّاثي فأتني به .

ـ فقال له الشيخ : ما أنا من حدّاثه .

ـ فقال له ميسرة : ولكنه يبغي محدثاً يحدّثه .

ـ فقال الشيخ : إنَّ من يبغي شيئاً يأتي إليه .

هذا يذكرني بهارون الرشيد حينما قدم المدينة ، والقصة نفسها ، قال : ائتوني بأحد علماء المدينة ليعظني ، فجاءوا الإمام مالك ، فلما دُعِيَ إليه قال لهم : قولوا لهارون : العلمُ يُؤتَى ولا يأتي "، هذه قاعدة .

هذه القاعدة أيها الإخوة ، أنا أرجو الله سبحانه وتعالى أن تتخلَّقوا بها، لك حاجة عند أخ ، تتصل به : تعالَ إليَّ ، ما هذه تعالَ إليَّ ؟ ما دمت بحاجةٍ إليه فعليك أن تأتيه ، ودائماً المقصود يؤتى ، والقاصد يأتي ، والمطلوب يؤتى ، والطالب يأتي ، هذه قاعدة ، فمن خالفها فقد أساء .

ـ قال له : إن من يبغي شيئاً يأتي إليه ، وإن في حلقة المسجد متسعاً له إذا كان راغباً في ذلك ، لك رغبة أهلاً وسهلاً ، لكن هذه العزة لا تكون إلا بالاستقامة ، ومن دون استقامة تقع في خوف ، لا يمكن لإنسان يشرك إلا ويقذف الله في قلبه الخوف ، ذكرت اليوم قانون التيسير ، وقد تعرفونه .. قال تعالى :


( سورة الليل )

أمّا التعسير :


( سورة الليل )

وقانون العزة :



( سورة يونس : من آية " 26 " )

أحسن وارفع رأسك ، إن أسأت فعليك أن تحمي رأسك ، إن أسأت يستطيع أي إنسانٍ أن ينالك بسوء .

هناك قانون ثالث ؛ قانون الخوف ، في اللحظة التي تشرك فيها يقذف الله في قلبك الخوف، والدليل :


( سورة آل عمران )

هذه الباء للسببية ..



لِمَ لَمْ يخف هذا الشيخ ، أغلبُ الظن أنه موحِّد ، وأغلب الظن أنه مستقيم ، فلا داعي أن يخاف، ولا أن ينافق .

ـ قال : إن في حلقة المسجد متسعاً له إذا كان راغباً في ذلك ، والحديث يؤتى إليه ، ولكنه لا يأتي .

الحديث لشريف يؤتى إليه ، ولكنه لا يأتي ، والإنسان يتواضع إلى أقصى درجة ، لكن أحياناً يسمع تعليقات فيها سوء أدب وتقدير ، واللهِ أبي يريدك يا أستاذ ، ليس لي عند أبيك حاجة، ولا أعرف أباك أصلاً ، ألا يمكنك أن تتكلم معه بكلمتين لتقنعه ؟! أنا حينما أذهب إليه صغرت ، انتهيت ، لمجرد أن أذهب إليه ، فالقضية قضية آداب ، وقضية أصول ، فأنت لا تستطيع أن تؤثِّر في الناس إذا كنت صغيرَ الحجم .

ـ قال له : الحديث يؤتى ولا يأتي .

فعاد الحاجب أدراجه ، وقال للخليفة : ما وجدت أحداً في المسجد غير شيخٍ أشرتُ إليه فلمْ يقمْ ، فدائماً أتباعُ السلطان لهم شعور بالفوقية ، قال له : أشرت إليه فلم يقم ، فدنوت منه ، وقلت : إن أمير المؤمنين استيقظ في هذا الوقت ، وقال لي : انظر هل ترى أحداً من حداثي في المسجد فادعه لي ، فقال لي في هدوء وحزم : إنني لست من حدّاثه ، وإن في حلقة المسجد متسعاً إذا كان راغباً في الحديث .

فتنهد عبد الملك بن مروان ، وهبَّ قائماً ، واتجه إلى داخل المنزل ، وهو يقول : ذلك سعيد بن المسيب - عرفه من كرامته ، وعرفه من مواقفه - ليتك لم تأته ، ولم تكلمه - أنا ما أردت هذا ، هذا لا يأتي - فلما ابتعد عن المجلس ، وصار في الداخل ، التفت أصغرُ أولاد عبد الملك إلى أخٍ له أكبر منه ، وقال : مَن هذا الذي يمتنع على أمير المؤمنين ، ويستكبر عن المثول بين يديه وحضور مجلسه ، وقد دانت له الدنيا ، وخضعت لهيبته ملوك الروم ؟! من هذا؟!

ـ فقال الأخ الأكبر : ذاك الذي خطب أمير المؤمنين ابنته لأخيك الوليد ، فأبى أن يزوجها منه .

ـ فقال الأخ الأصغر : أبى أن يزوجها من الوليد بن عبد الملك ؟‍! وهل كان يروم لها بعلاً أسمى من ولي عهد أمير المؤمنين ؟!

هذه هي القصة ، والعجب كيف أن هذا التابعي الجليل خطبت ابنته لولي عهد المسلمين، لابن أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك ، الذي بنى الجامع الأموي ، وهذا التابعي الجليل أبى أن يزوجه إيَّاها ، وهناك قصةٌ مثيرةٌ تكاد لا تصدق سوف أتلوها عليكم .

ـ هل كان يروم لها بعلاً ـ أي زوجاً ـ أسمى من ولي عهد أمير المؤمنين وخليفة المسلمين من بعده ؟! فسكت الأخ الأكبر ، ولم يجبه بشيء .

ـ فقال الأخ الأصغر : إذا كان قد ضَنَّ بابنته على ولي عهد أمير المؤمنين ، فهل وجد لها الكفء الذي يليق بها ؟ أم أنه حال دونها ودون الزواج كما يفعل بعض الناس ، وتركها قعيدة البيت ؟

ـ فقال له أخوه الأكبر : الحقُّ أنني لا أعرف شيئاً من خبرها ، وخبره معها ـ هذه قصة لا أعرفها ـ فالتفتَ إليهما أحد الجلاّس من أبناء المدينة ، وقال : إذا أذِنَ الأميرُ لي قصصتُ عليه خبره كله :

فقد تزوجتْ فتىً من فتيان حيِّنا ، يقال له أبو وداعة ، وهو جارنا بيت بيت - أي ملاصق - ولزواجه منها قصةٌ طريفة رواها لي بنفسه .

ـ فقال الأَخوان : هاتها .

ـ قال الرجل : حدثني أبو وداعة قال : ...

هذه القصة محور هذه السيرة ، طبعاً لهذه القصة معانٍ واستنباطات كثيرة ، ، وكل واحد عنده بنت فعليه أن يقتدي بهذا التابعي الجليل ، إمّا أن يدخلها إلى الجنة ، وإمّا أن يفتنَها ، لا أقول إلى النار ، بل يفتنها .

ـ قال : كنت كما تعلم - الآن الكلام لأبي وداعة الذي تزوج الفتاة التي خطبها عبد الملك لابنه الوليد ، فأبى هذا التابعي الجليل ، العالم النحرير كما يقولون أنْ يزوِّجها لابن أمير المؤمنين - قال : كنت كما تعلم ألازم مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم طلباً للعلم ، وكنتُ أداوم على حلقة سعيد بن المسيب ، وأزاحم الناس عليها بالمناكب ، فتغيَّبتُ عن حلقة الشيخ أياماً، فتفقدني ، وظنَّ أن بي مرضاً أو عرض لي عارض ...

تفقدني ، التفقُّدُ مِن أسس التربيـة ، فالمعلـم يلقي الدرس ، ويمشي ، هذا معلم ، أما المربي فيتابع يتفقد إخوانه ، ويسأل عن أحوالهم المعاشية ، والعلمية ، والدينية ، وعن صحتهم ، وعن أهلهم ، وأولادهم ، فكن مربياً أفضل من أن تكون معلماً ، والشيوخ الصادقون في التاريخ الإسلامي كانوا مربِّين ، ولم يكتفوا بالتعليم ، لأن المربِّي أرقى عند الله من المعلم ، والمربّي يتابع ، ويقطف الثمار ، فلو أنّ إنسانًا زرع فسيلة ، وتركها حتى يبست ، لو زرعت مائة ألف فسيلة ، ولم تتعهدها ليبست ، ولو زرعت مائة فسيلة وتعاهدتها بالسقيا والتقليم والعناية ومكافحة الأمراض ، حتى كبرت هذه الفسائل وأثمرت ، وأينعت ثمارها ، هذا أفضل عند الله من أن تكتفي بغرس الفسائل .

- قال : تفقدني وظنَّ أن بي مرضاً - لهذا أنَا أتمنى على كل أخ ، وكلامي واضح كالشمس ، وملزم ، أتمنى على كل أخ أنْ يتعهد أخًا ، ويتفقده ، ألا تتمكن أنْ تؤاخي أخًا في الله؟ والنبي قال : " تآخيا اثنين اثنين " .

تآخوا ، أنت أخي في الله ، فإنْ قصَّرتُ فخذ بيدي ، وأنت إن قصرتَ سآخذ بيدك ، والله عزوجل قال :



( سورة المائدة : من آية " 2 " )

تآخيا اثنين اثنين ، فليس ثمة أمتع من أخوين يتفقد أحدهما الآخر : أين كنت البارحة لم نرك ؟ تفقدناك ، لك وحشة ، لا مانع ، فإنّ غياب الأخ له وحشة .

ـ فسأل عني من حوله فلم يجد عند أحدٍ منهم خبراً ، فلما عدتُ إليه بعد أيامٍ حيَّاني ، وقال : أين كنت يا أبا وداعة ؟

ـ قلت : واللهِ يا سيدي توفيتْ زوجتي فاشتغلتُ بأمرها .

ـ قال : هلا أخبرتنا يا أبا وداعة فنواسيَك ، ونشهدَ جنازتها معك ، ونعينَك على ما أنت فيه ؟

بالمناسبة إذا أصب الإنسانَ لا سمح الله مكروهٌ - فقد عزيز - وأنت لم تخبر الذي تحبه به ، فهذا الذي تحبه وتثق بدينه وعلمه كيف يمكنه أنْ يعلم ؟ إنْ لم تعلِمْه فلن يعلم ، فلا ينبغي أن تعتب عليه إن لم تعلمه ، فأغلب الظن أنه سيبادر إلى مساعدتك ومواساتك ، وهذا واجب ، قال : هلا أخبرتنا يا بني يا أبا وداعة فنواسيَك ، ونشهدَ جنازتها معك ، ونعينَك على ما أنت فيه؟

ـ قلت : جزاك الله خيراً ، وهممتُ أن أقوم فاسْتَبْقَانِي ، وقال لي : اجلس ، فجلستُ حتى انصرف جميع مَن في المجلس ، ثم قال لي : أما فكّرتَ في استحداث زوجةٍ لك يا أبا وداعة ؟

ـ قلت : يرحمك الله ، ومَن يزوِّجني ابنتَه ، وأنا شابٌ نشأ يتيماً ، وعاش فقيراً ، فأنا لا أملك غيرَ درهمين ، أو ثلاثة دراهم .

ـ فقال : أنا أزوِّجك ابنتي .

ـ فانعقدَ لساني وقلت : أنتَ ، أتزوِّجني ابنتك بعد أن عرفت من أمري ما عرفت ؟

ـ قال : نعم .

هذا هو الإيمان ..

فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ *

( من سنن الترمذي )

واللهِ قال لي شخص كلمة دمعت لها عيني : وقفت بنتٌ على سرير أبيها وهو ينازع - أنا لا أقرها على قولها ، ولا أوافق على عملها ، ولكن هذا ما حدث - قالت لأبيها : حرَمك اللهُ الجنة كما حرمتَني نعمة الأولاد ، كلما جاء خاطب رفضَه ، ووسمَه بصفات لا تليق ، هذا فقير، وهذا ليس وسيما ، فبقيت بلا زواج ، قالت له : حرمك الله الجنة كما حرمتني نعمة الأولاد .

ـ قال : نعم .. فنحن إذا جاءنا من نرضى دينه وخلقه زوَّجناه ، وأنت عندي مرضيُّ الدين والخلق .

دين وأخلاق ، وليس معك فليست مشكلة ..


( سورة النور )

إنّ الله يغني ، أما إذا أخذنا القرد لماله ، ذهب المال وبقي القردُ وحده .

ـ وأنت عندي مرضيُّ الدين والخلق ، ثم التفتَ إلى مَن كان قريباً منا ، وناداهم ، فلما أقبلوا عليه ، وصاروا عنده ، حمد الله عز وجل ، وأثنى عليه ، وصلى على نبيه محمد صلوات الله عليه ، وعَقَد لي على ابنته ، وجعل مهرها درهمين اثنين .

وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُمْنُ الْمَرْأَةِ تَيْسِيرُ خِطْبَتِهَا وَتَيْسِيرُ صَدَاقِهَا *

( رواه أحمد )

وعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ أَعْظَمَ النِّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ مُؤْنَةً*

( رواه أحمد )

ـ فقمت وأنا لا أدري ما أقول من الدهشة والفرح .

أيًعقَل هذا ؟ هذا التابعي الجليل ، يبدو أن له ابنة في أعلى مستوى ، حتى خطبها أمير المؤمنين لولده الوليد .

لا تقل المسَيَّب ، المسيِّب ، أحد علماء اللغة هكذا اسمه ، فكان يقول : سيَّب الله من سيَّبني، المسَيَّب غير المسيِّب ، سيَّب الله من سيَّبني ، إذا قلت : المسَيَّب أي ، متفلِّت ، المسيِّب ، سعيد بن المسيِّب .

ـ ثم قصدت بيتي ، وكنت يومئذٍ صائماً ، فنسيتُ صومي ، وجعلت أقول: ويحك يا أبا وداعة ، ما لذي صنعته بنفسك ؟ ممّن تستدين ، ممّن تطلب المال ؟

هناك حديث إن قرأته اقشعر جلدك ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الْأَدَاءَ وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ *

[رواه الترمذي]

أنا أشجعكم ، لو لم يكن معك وسائل النجاح ، ولا مال ، فإنّ الله يعينك ، وما دام الشاب يطلب بالزواج العفافَ والكفاف ، فإنّ الله سبحانه وتعالى يعينه .

ـ وظللت على حالي تلك حتى أذَّن المغرب ، فأدَّيتُ المكتوبة ، وجلستُ إلى فطوري ، وكانت خبزاً وزيتاً ، فما إن تناولتُ منه لقمةً أو لقمتين حتى سمعت الباب يُقرَع ، فقلت : من الطارق ؟

ـ قال : سعيد .

ـ قال : فوللهِ لقد مرّ بخاطري كلُّ إنسانٍ اسمه سعيد أعرفه إلا سعيدَ بن المسيب ـ لم يتوقَّعه ، سعيد !! من سعيد ؟ فلان ، لا ، فلان ، استعرض كلَّ إنسان ، لكن لم يخطر في باله إطلاقاً أن يكون الطارق سعيد بن المسيب ـ ذلك لأنه لم يرَه منذ أربعين سنةً إلا بين بيته والمسجد ـ من أربعين سنة من بيته إلى المسجد ـ فتحتُ البابَ فإذا بي أمام سعيد بن المسيِّب ، فظننتُ أنه قد بدا له من أمر زواجي من ابنته شيء ـ لعله ندم أو حدثتْ مشكلة ـ فقلت له : أبا محمد ، هلاّ أرسلتَ إليّ فأتيتك !!

ـ قال له : بل أنت أحق أن آتي إليك اليوم .

ـ قلت : تفضل عليّ .

ـ قال : كلا إنما جئت لأمر .

ـ قلت : وما هو يرحمك الله ؟

ـ قال : إن ابنتي أصبحت زوجةً لك بشرع الله منذ الغداة ، وأنا أعلم أنه ليس معك أحدٌ يؤنس وحشتَك ، فكرهتُ أن تبيت أنت في مكانٍ ، وزوجتك في مكان آخر ، فجئتك بها .

فما بال نساء اليوم ، يقول لها أبوها أو أمُّها : ابقَيْ عندنا ، هو يقوم بشؤونه وحده ، هل هذا أب ؟ لا أكل عنده ، ولا تنظيف ، أمّا سعيد فقد كره أن يبقى زوجُ ابنته ليلةً وحده من دون زوجته ، ومَن ؟ سعيد بن المسيب ؟ ومَن خطبها ؟ ابن أمير المؤمنين ، لمَن زوجها ؟ لأحد تلامذته الفقراء .

ـ فقلت : ويحي جئتني بها ـ لم يكن مستعدًا ـ

ـ قال : نعم .

ـ فنظرت فإذا هي قائمةٌ بطولها ، فالتفتَ إليها ، وقال : ادخلي إلى بيت زوجكِ يا بنيَّتي ، على اسم الله وبركته ، فلما أرادت أن تخطو تعثرت بملاءتها من الحياء حتى كادت تسقط على الأرض ، أمّا أنا فقد وقفتُ أمامها مشدوهاً ، لا أدري ماذا أقول ـ غير معقول هذا الشيء !! ـ ثم إني بادرتُ فسبقتها إلى القصعة التي فيها الخبز والزيت ، فنحَّيتُها من ضوء السراج حتى لا تراها ـ خبزة وزيت ، لا يوجد غيرها ، وهو يتعشى ـ ثم صعدتُ إلى السطح وناديتُ الجيران فأقبلوا عليَّ وقالوا : ما شأنك ؟ فقلت : عقَدَ لي سعيدُ بن المسيب على ابنته اليوم في المسجد ، وقد جاءني بها الآن على غفلة ، فتعالوا آنسوها ، حتى أدعوَ أمي فهي بعيدة عن هذه الدار ، فقالت : عجوزٌ منهن ويحَكَ أتدري ما تقول ؟ أزوَّجك سعيد بن المسيب ابنته ، وحملها لك إلى البيت بنفسه ، وهو الذي ضنَّ بها على الوليد بن عبد الملك ؟! فقلت : نعم ، وها هي ذي عندي في بيتي ، فهلموا إليها وانظروا ، فتوجّه الجيران إلى البيت ، وهم لا يكادون يصدقونني ، ورحّبوا بها ، وآنسوا وحشتها .

والحقيقة أنّ الإنسان إذا تحرّك وِفق ما تقتضيه عوائد الناس صار عاديًّا ، لكن هذه بطولة.

ـ وما هو إلا قليل حتى جاءت أمي ، فلما رأتها التفتتْ إليّ ، وقالت : وجهي من وجهك حرام ، إن لم تتركها لي حتى أصلح شأنها ـ ليس هذا معقولاً ، نعتني بها ، ونُلبِسها ـ ثم أزُفُّها إليك كما تُزَفُّ كرائمُ النساء .

ـ فقلت : أنتِ وما تريدين ، فضمَّتْها إليها ثلاثة أيام ، ثم زفَّتْها إليَّ ، فإذا هي من أبهى نساء المدينة جمالاً ، وأحفظ الناس لكتاب الله عز وجل ، وأرواهم لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأعرف النساء بحقوق الزوج .

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ

( رواه مسلم )

حافظة كتاب الله ، حافظة السنة النبوية ، تعلم حقوق الزوج ، وفوق كل هذا فهي جميلة.

ـ فمكثتُ معها أياماً لا يزورني أبوها أو أحدٌ من أهلي ، ثم إنّي أتيت حلقة الشيخ في المسجد فسلَّمتُ عليه ، فردَّ علي السلام ولم يكلمني ـ أي لكي لا يحرجني ـ فلما انفضّ المسجد ولم يبقَ غيري قال : ما حال زوجتك يا أبا وداعة ؟ كيف زوجتك ؟

ـ قلت : هي على ما يحبُ الصَّديقُ ويكرهُ العدوُّ .

ـ قال : الحمد لله .

ـ فلما عدتُ إلى بيتي وجدته قد وجَّه إلينا مبلغاً وفيراً من المال ، لنستعين به على حياتنا.

فأنا لي هذا التعليق اسمعوه مني : الذي عنده بنات وأولاد ، لماذا يهتم بتزويج أولاده الذكور ، وتأمين بيت لهم ، وعمل ، وهذه البنت التي عنده ؛ الوديعة ، المخلصة ، الوفية لماذا لا يفكر أن يؤمِّن لها بيتًا ، كما أمّن بيتًا لأخيها ؟! واختار لهذه الفتاة شابًا مؤمنًا صالحًا يكون مُعينًا على زواجها ، أمّا هو فبالعكس ، كل ثروته لأولاده الذكور ، والبنات حتى يأتي خاطب كفء ، لا يهمه ، هذا موقف غير أخلاقي ، وغير عادل ، هذا ابنك ، وهذه ابنتك ، ابنك أمّنتَ له بيتًا وعملاً ، فلو أمَّنتَ لها بيتًا وتزفُّها لأحسن خاطب لكان هذا هو العدل .

ـ فلما عدتُ إلى بيتي وجدته قد وجّه إلينا مبلغاً وفيراً من المال ، لنستعين به على حياتنا.

وهنا رجعنا إلى القصة ، مَن يرويها ؟ جارُ أبي وداعة يخاطب ابن عبد الملك.

ـ فقال ابن عبد الملك : عجيبٌ أمرُ هذا الرجل !!

ـ فقال له رجل من أهل المدينة : وما وجهُ العجب يا أيها الأمير ؟ إن امرؤٌ جعلَ دنياه مطيةٌ لأخراه ، واشترى لنفسه ولأهله الباقية بالفانية ، فوالله إنه ما ضنَّ على ابن أمير المؤمنين.

هناك شاب عنده مكتبة صغيرة بأحد أحياء دمشق الراقية ، أمامه بنايات ، كل بيت ثمنه أربعون مليون ، وهذه الفتيات يدخلن إلى بيوت آبائهن ويخرجن ، هو شاب مستقيم حافظ لكتاب الله ، وقد تاقت نفسُه أن يتزوج من هذه الفتيات ، فكلّف والدته أن تخطب له ، فقالت له : أنت ليس معك شيء ، وهنا الموضوع كبير جداً ، والدخول إلى مثل هذه البيوت يحتاج إلى ملايين ، قال لها : حاولي ، فرفضت أشد الرفض ، فلما ألحَّ عليها كذبت عليه ، قالت له : ذهبت ، ولم يوافقوا ، لا عندك بيت ، ولا شيء .

تألم الشاب ، فأنا ما ذنبي ، شاب مؤمن ، مستقيم ، ولأنه صادق ـ القصة وقعت قرب بيننا ـ فبعد أسبوع أو أسبوعين ، يطلّ على هذا الشاب أحد قاطني هذه الأبنية الفخمة ، قال له : يا بني هل أنت متزوج ؟ فقال له : لا ، والله يا سيدي ، قال له : عندي بنت تناسبك ، ما قولك ؟ قال له : أتمنَّى ، قال له : ابعث والدتك . مثل العادة ظنَّ أن بها علة ، بالعكس ، ما فيها شيء ، من أكمل النساء .

إذا صدق الإنسان مع الله عز وجل ، واستقام ، وانتظر من الله كل خير ، الله لا يخيِّب ظنَّه ..

من ترك التزويج مخافة العيلة فليس منا.

(كنز العمال عن أبي سعيد)

من ترك التزويج ، لم يقل : الزواج ، لأنه دخل الآباء ، دخل بهذا الكلام آباء الفتيات ، وأمهات الفتيات ، وآباء الفتيان ، وأمهات الفتيان ، والفتيان والفتيات .

من ترك التزويج مخافة العيلة فليس منا.

(كنز العمال عن أبي سعيد)

ـ فوالله إنه ما ضنَّ على ابن أمير المؤمنين بابنته ، ولا رآه غير كفءٍ لها ، وإنما خاف عليها فتنة الدنيا ، ولقد سأله بعض أصحابه فقال : أتردّ خطبة أمير المؤمنين ، وتزوِّج ابنتك من رجلٍ من عامة المسلمين ؟

اسمعوا جواب سعيد بن المسيب ، كلام دقيق جداً ..

ـ فقال : إنّ ابنتي أمانةٌ في عنقي ، وقد تحرَّيتُ فيما صنعتُه لها صلاح أمرها.

ـ قيل له : وكيف ؟ معقول ، الرجلُ معه درهمان فقط ، وطعامه خبزة وزيت ، وبيته كوخ ، وخطبها ابن الخليفة هنا أحسن لها .

ـ فقال : ما ظنكم بها إذا انتقلت إلى قصور بني أمية ، وتقلَّبت بين رياشها وأثاثها ، وقام الخدم والحشم والجواري بين يديها ، وعن يمينها وعن شمالها ، ثم وجدتْ نفسها بعد ذلك زوجة الخليفة ـ بعد ما يتولى الحكم - أين يصبح دينها عندئذٍ؟

ـ فقال رجل من أهل الشام : يبدو أن صاحبكم طرازٌ فريدٌ من الناس.

ـ فقال الرجل المدني : واللهِ ما عدوت الحق أبداً ؛ فهو صوَّامٌ نهاراً قوامٌ ليلاً ، حجَّ نحواً من ربعين حجةً - اسمعوا الآن - وما فاتته التكبيرة الأولى في مسجد رسول الله منذ أربعين عاماً ، ولا عرف أنه نظر إلى قفا رجل في الصلاة ـ لأنه في أول الصف دائماً ، وما رأى في كل صلواته في المسجد قفا رجل ، وما فاتته تكبيرة إحرام في مسجد سيد الأنام أربعين سنة ، ، هكذا موقفه ـ وقد كان في وسعه أن يتزوج بمن يشاء من نساء قريش ـ فمَن تزوج سعيد بن المسيِّب ؟ ـ فآثر بنت أبي هريرة على سائر النساء ـ كان أبو هريرة فقيرًا ـ وذلك لملازمته رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسَعة روايته لحديثه ، وشدّة رغبته في الأخذ عنه ، ولقد نذر نفسه للعلم منذ نعومة أظفاره ، فدخل على أزواج النبي عليه الصلاة والسلام وتأثّر بهن ، وتتلمذ على يد زيد بن ثابت ، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن عمر ، وسمع من عثمان ، وعليّ ، وصهيب ، وغيرهم من صحابة النبي الكريم ، وتخلّق بأخلاقهم ، وتحلّى بشمائلهم ، ولقد كانت له كلمةٌ يردِّدها على الدوام ، حتى غدت وكأنها شعارٌ له ، وهي قوله : ما أعزت العبادُ نفسَها بمثل طاعة الله ، ولا أهانت نفسها بمثل معصية الله .



هذا الدرس قدوة لكل أبٍ ، فابحث عما يصلح لابنتك في آخرتها ، ولا تعبأ بالدنيا ، فإنها تأتي وهي راغمة .

أيها الإخوة كما قلت قبل الأذان ينبغي أن تكون هذه القصة نبراساً لكل أبٍ ، ولكل أمٍ ، ولكل شابٍ ، الزواج تبعة ومسؤولية على مستوى الآباء ، وعلى مستوى الشباب أنفسهم ، فلذلك أيّ إنسان له بنت إذا ربَّاها تربيةً دينية ، وزوَّجها من رجل مؤمن ، فكأنه أعتق نفسه من النار ، فيستحق دخول الجنة إنسانٌ زوَّج ابنته من رجل يحفظ لها دينها ، لأن الزوج أحياناً لا يتابع رسالة الوالد ، فالأب يربي ابنته ، فيأتي الزوج ، ويصرفها إلى اتجاهٍ آخر لا يرضاه الأب ، فالأب مسؤوليته أن يحسن اختيار زوجَ ابنته ، وهناك قصص كثيرة جداً مؤلمة جداً لأن الأب لم يحسن اختيار الزوج ، فساهم في فتنة ابنته .

سعيد بن المسيِّب هذا التابعي الجليل له هذه القصة الشهيرة التي توخّى من خلالها مصلحة ابنته الأخروية ، لأنّ ثمّة مصالح دنيوية ومصالح أخروية ، والعاقل والموفَّق هو الذي يتوخّى لابنته الصالح الأخروي .

والحمد لله رب العالمين

* * *

ابو عمر المصرى
12-13-2007, 12:10 PM
ربيعة الرأي









بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الرابع عشر من دروس التابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ، والتابعيّ اليوم هو ربيعة الرأي .

تبدأ قصة هذا التابعي في السنة الواحدة والخمسين للهجرة ، وكتائبُ المسلمين تضرب فجاجَ الأرض مشرِّقةً مغرِّبةً ، حينما نفَّذ المسلمون قوله تعالى :


( سورة التوبة : 123 )

إلى أن عمَّ الهدى بقاعَ الأرض ، لقد كان المسلمون رعاةً للبقر ، فأصبحوا قادةَ الأمم ، وحينما انكمشوا وآثروا الراحة والسكون غُزُوا في عقر دارهم ، فكتائب المسلمين في السنة الواحدة والخمسين للهجرة كانت تغزو مشارق الأرض ومغاربها ، وتحمل للإنسانية العقيدة البانية ، وتمدّ إليها المصلحة الحانية ، وتجعل الولاءَ وحده لله تعالى .

والصحابي الجليل الربيع بن زياد الحارثي أمير خراسان ، وفاتح جسستان ، والقائد المظفر، يمضي على رأسِ جيشه الغازي في سبيل الله ، ومعه غلامه الشجاع فروخ .

هنا الشخصيـة الأولى في القصـة ، الصحابي الجليل الربيـع بن زياد الحارثي ، غلامه المخلص في فتوحاته وجهاده ، غلامه الشجاع فروخ .

هذا الصحابي الجليل عزم بعد أن أكرمه الله بفتح جسستان وغيرها من الأصقاع أن يختم حياته الحافلة بعبور نهر سيحون ، ورفع رايات التوحيد فوق ذرى تلك الأصقاع ، والتي كانت تسمى وقتها بلاد ما وراء النهر .

فهل من عمل أعظم من أن تنشر الهدى في الأرض ، نحن هنا في الشام لولا سيدنا خالد ما كنا مسلمين في شمال هذه البلاد ، وسيدنا عمر جاءه رسول عامله على أذربيجان ، فمن يحكم أذربيجان في عهد عمر ؟ عمر ، من عاصمة المدينة النبوية ، وهي إحدى جمهوريات الاتحاد السوفيتي ، وكان سيدنا عمر عملاق الإسلام قد وصلتْ فتوحاتُه إلى أذربيجان .

فهذا الصحابي الجليل أراد أن يفتح بلاد ما وراء النهر ، فأعدّ للمعركة الموعودة عدتها ، واتخذ لها أهبتها ، وفرض على عدوه زمانها ومكانها فرضاً ، ودائماً الأمم الضعيفة والمخذولة تُفرَض عليها المعاركُ فرضاً ، تُفرض عليها أمكنتُها وأزمنتُها وأسلحتُها ، لكن الأممَ الظافرةَ تفرض على أعدائها المكانَ والزمانَ والسلاحَ ، ولما نشَبَ القتالُ أبلى هذا القائد الربيع وجنده بلاءً ما يزال يذكره التاريخ بلسان نديٍّ بالحمد ، لطيف بالإكبار ، وأظهر غلامه فروخ في ساحات الوغى من ضُروب البسالة ، وصنوف الإقدام ما زاد الربيع إعجابًا به ، وإكباراً له ، وانجَلَت المعركة عن نصر مؤزَّرٍ للمسلمين ، فزلزلوا أقدامَ عدوهم ، ومزّقوا صفوفه ، وفرّقوا جموعه.

إخواننا الكرام : كلمة حق ؛ المعركة بين حق وباطل قصيرة جداً ، لأن الله مع الحق ، والمعركة بين حقين لا تكون ، بل هي مستحيلة ، فالحَقّانِ لا يتصارعان ، والمعركة بين باطلين تدوم كثيراً ، فبين حقين مستحلية ، وبين حق وباطل قصيرة ، وبين باطل وباطل طويلة ، لأن الله مع المؤمنين ، وأكبر دليل المسلمون فتحوا الأندلس ، فلما مالوا للراحة والغناء والموشحات والجواري أُخرِجوا منها ، وكان آخر ملك خرج من الأندلس اسمه عبد الله الصغير ، وقد قالت له أمه عائشة :

***

ابكِ مثلَ النساء مُلكاً مُضاعاً لم تحافظْ عليه مثلَ الرِّجال

***

فهناك قوانين ، إذا كنتَ مع الله كان الله معك ، وإذا أردتَ نشر الهدى يعينُك الله يعينك ، إذا أقمتَ شرعَ الله يحفظك الله .

ثم عبَروا النهر الذي كان يحول دونهم ودون الانسياح في بلاد الترك ، ويمنعهم عن الاندفاع نحو أرض الصين ، والإيغال في مملكة الصغد ، فلما اجتازوا النهر وصلوا إلى معاقل الأتراك في أصل موطنهم ، وإلى بلاد الصين ، وامتدَّت الفتوحات إلى أقصى المشرق ، وما إِنْ عبَر القائدُ العظيمُ النهرَ ، واستقرَّتْ قدماه على ضفته الثانية حتى بادر وتوضأ هو وجنوده من مائه ، فأحسنوا الوضوء ، واستقبلوا القبلة ، وصلوا ركعتين شكراً لله واهب النصر .

إخوانا الكرام : إذا حققتَ إنجازَ في الحياة ، نجحتَ ، وتزوجتَ زوجةً صالحةً ، وتوظَّفتَ ، أسَّستَ عملاً ، فقد أُزِيلَتْ عقبة ، وانحلتْ عقدة ، وزال خطر ، وتبدَّد شبح المرض ، وأثبت التحليلُ أنَّ الجسمَ سليمٌ ، والنبي علّمنا أن نصلي لله ركعتي الشكر ، فطبِّقْ هذه السنة كلما حققت إنجازاً ، أو ارتقيت مكانة ، أو نلت مكسباً ، أو وصلت إلى هدف ، أو زال من أمامك عقبة ، أو تبدّد شبح مصيبة ، بادرْ إلى صلاة الشكر ، فلها معانٍ كثيرة ، أنت موحِّد ، ولن تغفل عن فضل الله ، ولن تعزو أمرًا إلى بَشَرٍ ، ولن تشرك ، فأنت وفيٌّ لمَن أنعم عليك .


( سورة إبراهيم : 7 )

فهذا القائد الربيع بعد أن عبر النهر ، وفتح هذه البلاد توضأ من ماء النهر هو وجنوده ، وصلَّوا لله ركعتان شكرًا على نعمة النصر ، ثم كافأ هذا القائد غلامه فروخاً على حسن بلائه فأعتق رقبته ، وأصبح حراً ، وأعطاه نصيبَه من الغنائم الكثيرة الوفيرة ، ثم زاده من ماله الخاص شيئاً كثيراً ، ولم تَطُلْ حياةُ هذا الصحابي الجليل كثيرا ، إذْ وافاه الأجلُ المحتومُ بعد سنتين اثنتين من تحقيق حلمه الكبير ، فمضى إلى ربه راضياً مرضياً .

إخوانا الكرام : واللهِ إني لكم لناصح : إنّ الدنيا تافهة ، ولا قيمة لها ، فقد أوحى ربك إلى الدنيا أنه مَن خدمك فاستخدميه ، ومَن خدمني فاخدُميه ، واللهِ ليس في الدنيا إلا عمل يرضي اللهَ، هذا الذي يموت ، وقد أرضى اللهَ قبل أن يموت ، فهذا لم يَمُتْ .

أنا زرت قبل أيام رجلاً له باع طويل في تعليم القرآن ، منذ خمسين عاماً وهو يعلِّم كتاب الله، صبحاً ومساءً ، ليلاً ونهاراً ، أُصيب بمرض عضال ، قلت لأولاده : واللهِ ليست هذه مصيبة، المصيبة أن يُمْضِيَ الإنسانُ أيامَه بالمعاصي ، ثم يأتيه مرض عضال ، ماذا يفعل ؟ انتهى ، المصير واضح ، لكن هذا الإنسان أمضى حياته في طاعة الله ، وفي الدعوة إليه ، وفي خدمة الخلق ، وطلب العلم وتعليمه ، وفي الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وخدمة أهل الحق ، هل هذا يعد خاسرًا ؟ الموت حق ، ولا بد أن يأتي .

وصل إلى بلاد ما وراء النهر ، ثم وافته المنية ، فهنيئاً له ، هذا ليس موتاً ، هذا عرس ، هذه تحفة ، أما الفتى الباسل الشجاع فروخ فقد عاد إلى المدينة المنورة ، يحمل معه سهمه الكبير من الغنائم ، والهبة السخية التي وهبها له القائد العظيم ، ويحمل فوق ذلك حريَّته الغالية ، لقد أصبح حراً ، وذكرياته الغنية بروائع البطولات المكللة بغبار المعارك ، أمّا هذا الغلام الحر الغني فعاد إلى المدينة دفّاق الحيوية ، ممتلئاً فتوةً وفروسية ، وكان يخطو نحو الثلاثين من عمره .

أنا أعجب واللهِ ، أعجب أن أرى فتىً لا تزيد سنه عن سبعة عشر عاماً يقود جيشاً فيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ ، هؤلاء الصحابة فتيانهم من نوع آخر ! .

وقد عزم فروخ أن يتخذ لنفسه منزلاً يستقر فيه ، وزوجةً يسكن إليها ، فاشترى داراً في أوسط دور المدينة ، واختار امرأة راجحة العقل .

إخوانا الكرام : أول حق لأولادك عليك - هذا الكلام موجه للشباب بالدرجة الأولى - أول حق ، وأقدس حق لأولادك عليك أن تحسن اختيار أمهم ، فالمرأة العاقلة لا تقدَّر بثمن ، إنك إن اخترتَ امرأة عاقلةً ضمنتَ أسرة ناجحة ، وضمنتَ أولاداً مهذبين ، يكونون أعلامَ المجتمع ، فاختار فرُّوخ امرأة راجحة بالعقل ، كاملة الفضل ، صحيحة الدين ، تقاربه في السن ، واقترن بها .

لقد نَعِمَ فروخ بهذه الزوجة ، وبهذه السكينة ، ورأى في صحبة امرأته هناءة العيش ، وطيبة العشرة ، ونضارة الحياة ، وفوق ما كان يرجو ويأمل ، إلا أنه هنا بدأت العقدة ، فالإنسان الذي يعرف لماذا خلق في الحياة ، والذي يعرف قيمة الوقت ، لا يركن للنعيم في الدنيا ، خذوا هذا الكلام ، التافهون وحدهم الذين يركنون إلى الدنيا ، بيت واسع ، مفروش بأحدث الأثاث ، دخل كبير ، شاب في رَيعان الشباب ، زوجة شابة ، مركبة فخمة ، مكان آخر بالمصيف ، ماذا فعلت؟ أقول لك : ما فعلت شيئاً ، هذا وقت ثمين ، هذا الوقت يجب أن ينفق إنفاقًا استثماريًّا ، لا إنفاقًا استهلاكيًّا ، أكلنا ، وشربنا ، ونمنا ، وعملنا ، واستمتعنا ، وتنزهنا ، هذا استهلاك لرأس مالك الثمين .

كنتُ مرة في مكان جميل ، فرأيت بيتًا (فيلا) جميلاً جداً ، والمهندس الذي صممها على مستوى عالٍ جداً من الذوق ، والأناقة ، والإبداع ، فلت في نفسي : لو أن هذه الفيلا لكَ ، وسكنتَ فيها ، وتمَتَّعْتَ بهذه المناظر الجميلة يوم بعد يوم ، بعد يوم ، إلى أن يأتي الأجل ، ثم تذهب إلى الله مفلساً ، أمّا إذا جلست في المدينة ، وعملت الأعمال الصالحة ، وتأتي عند الله عز وجل لعله يرحمك بهذه الأعمال ، فالإنسان لا يستمرئ النعيم في الدنيا إلاّ إذا كان ضيق الأفق ، ضعيف العقل ، فحينئذ يستمرئ نعيم الدنيا لأنه مؤقت ، دققوا في قول النبي عليه الصلاة والسلام : يا أيها الناس إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ، ودار ترح لا دار فرح ، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ، ولم يحزن لشدة ، ألا وإن الله تعالى خلق الدنيا دار بلوى ، والآخرة دار عقبى ، فجعل بلـوى الدنيا لثواب الآخرة ، وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضا ، فيأخذ ويبتلي ليجزي، فاحذروا حلاوة رضاعها لمرارة فطامها ، واحذروا لذيذ عاجلها لكربة آجلها ، ولا تسعَوْا في عمران دار قد قضى الله خرابها ، ولا تواصلوها وقد أراد منكم اجتنابها ، فتكونوا لسخطه متعرضين ، ولعقوبته مستحقين *

(كنز العمال عن ابن عمر)

لأن الرخاء موقت ، والشقاء موقت .

فهذا فروخ رغم أن البيت في المدينة ، والزوجة كاملة ، وصالحة ، وحياة مريحة ، ومعه ثروة طائلة ، على الرغم من كل هذه الشروط الرائعة التي توافرت له ، بعد أن أعتقه سيده ، وبعد أن أبلى بلاءً حسناً في القتال ، وتلك الزوجة الصالحة ، على كل ما حباها الله من كل كريم الشمائل ، وجليل الخصائل لم تستطِع أن تغلب فروخاً على حنينه إلى خوض المعارك ، وإنّ خوض المعارك فيه رقيّ ، وأضرب مثلاً ، لو جلس رجلٌ في حوض سباحة ، حيث الماء دافئ، فارتاح بالجلوس في هذا الحوض ، فهل يجعله عالماً ؟ لا ! تاجراً ؟ لا ‍‍‍! إنه استمتاع رخيص ، واستهلاك للوقت ، فلما يميل الإنسان إلى الراحة ، والقعود للتمتع ، واستهلاك جهود الآخرين ، والأخذ من طيبات الحياة الدنيا ، معنى ذلك أنه يستهلك رأس ماله ، ألا وهو عمره الثمين ، وهذا سيجعله يوم القيامة فقيراً ، ضعيفاً ، لهذا قيل : الغنى غنى العمل الصالح ، والفقر فقر العمل الصالح ، والغنى والفقر بعد العرض على الله ، فاشتاق فروخ إلى سماعِ وقعِ النصالِ على النصالِ ، وولعَ لاستئناف الجهاد في سبيل الله ، فكان كلما ترددتْ في المدينة أخبارُ انتصارات الجيوش الإسلامية الغازية في سبيل الله ، تأجَّجت أشواقُه إلى الجهاد ، واشتدّ حنينُه إلى الاستشهاد، وذات يوم من أيام الجمع سمع فروخ خطيبَ المسجد النبوي الشريف يزفّ للمسلمين بشرى انتصارات الجيوش الإسلامية في أكثر من ميدانٍ من ميادين الحرب ، ويحضّ الناسَ على الجهاد في سبيل الله ، ويرغِّبهم في الاستشهاد إعزازاً بدينه ، وابتغاءً لمرضاته ، فعاد إلى بيته ، وقد عقَد العزمَ على الانضواء تحت راية من رايات المسلمين المنتشرة تحت كل نجم ، وأعلن عزمه لزوجته ، فقالت : يا أبا عبد الرحمن لمَن تتركني ؟ وتترك هذا الجنين الذي أحمله بين جوانحي ، زوجته حامل ، فأنت هنا رجل غريب ، ولا أهل لك فيها ولا عشيرة ، فقال : أتركك لله ، أمّا علّمنا النبي عليه الصلاة والسلام دعاء السفر ؟ فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَافَرَ يَقُولُ اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ اللَّهُمَّ اصْحَبْنَا فِي سَفَرِنَا وَاخْلُفْنَا فِي أَهْلِنَا اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرَ وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ وَمِنْ الْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْنِ وَمِنْ دَعْوَةِ الْمَظْلُومِ وَمِنْ سُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ *

وَيُرْوَى الْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ أَيْضًا ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ الْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْنِ أَوْ الْكَوْرِ وَكِلَاهُمَا لَهُ وَجْهٌ يُقَالُ إِنَّمَا هُوَ الرُّجُوعُ مِنْ الْإِيمَانِ إِلَى الْكُفْرِ أَوْ مِنْ الطَّاعَةِ إِلَى الْمَعْصِيَةِ إِنَّمَا يَعْنِي مِنْ الرُّجُوعِ مِنْ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ مِنْ الشَّرِّ

(رواه الترمذي)

ثم إني خلفت لك ثلاثين ألف دينار ، ثروة كبيرة جداً ، جمعتها من غنائم الحرب فصونيها وثمّريها ، وأنفقي منها على نفسك وولدك بالمعروف حتى أعود إليك سالماً غانماً ، أو يرزقني الله الشهادة التي أتمنّاها ، ثم ودّعها ومضى إلى غايته ، وضعت السيدة الرزان حملّها بعد رحيل زوجها ببضعة أشهر ، فإذا هو غلام مشرق الوجه ، حلو القسمات ، ففرحت به فرحاً عظيماً ، كاد ينسيها فراق أبيه ، وأطلقت عليه اسم ربيعة ، وهذا الغلام الصغير موضوع درسنا اليوم .

والحقيقة مغزى القصة في آخر الدرس ، حيث ستَرَوْن كيف أن أثمن شيء في الحياة أن ترزق غلاماً يصلحُ الناسَ من بعدك ، إذاً أنت لم تَمُتْ ، بدت على هذا الغلام الصغير علامات النجابة منذ نعومة أظفاره ، وظهرت أمارات الذكاء في أفعاله وأقواله ، فأسلمته أمُّه إلى المعلِّمين ، وأوصتهم بأن يحسنوا تعليمه ، واستدعت له المؤدبين ، وحضَّتهم على أن يحسنوا تأديبه ، فأنا لا أرى أعقل من أبٍ يعطي كل جهده لتربية أولاده ، إنهم كسبه الحقيقي ، إنهم استمراره من بعد موته ، إنهم الصدقة الجارية التي لا تنقطع بعد الموت ، فما لبس هذا الغلامُ حتى أتقن الكتابة والقراءة ، ثم حفظ كتاب الله عز وجل ، وجعل يرتِّله ندياً طرياً كما أنزل على فؤاد محمد صلوات الله عليه ، ووَعَى ما تيسّر من أحاديث رسول الله ، واستظهر كلام العرب ، وعرف من أمور الدين ما ينبغي أن يعرف ، وقد أغدقت أمُّ ربيعة على معلمين ولدها ومؤدبيه المال والجوائز إغداقاً ، فكانت كلما رأته يزداد علماً تزيده براً وإكراماً.

وبالمناسبة أرى من الحكمة البالغة أن تكون علاقتك طيبة جداً بمعلمِي أولادك ، لأنه بين أيديهم فلذة كبدك ، إن أحسنوا تعليمه فزت فوزاً عظيماً ، وهناك آباء يقسون في تعاملهم مع معلمي أولادهم ، أو يكيلون لهم كلاماً قاسياً في غيبتهم على مسمع من أولادهم ، هذا ليس من الحكمة في شيء .

***

إن المعلم والطبيب كلاهما لا ينصحان إذا هما لم يكرما

***

المعلم بين يديه أثمن شيء عندك ، وأنت أحياناً تقدِّم جهازًا للتصليح ، تخاف عليه أنْ يصيبه شيء ، فأيهما أغلى جهاز في بيتك أمْ ابنك ، فيجب أن تختار له أفضل مدرسة ، وأفضل معلم ، والنفقات الباهظة التي تنفقها من أجل تعليم ابنك ، هذه النفقات ليست استهلاكاً ، إنما هي استثمار.

أنا أقول لكم كلامًا دقيقًا ، وهذا الكلام موجّه لمن عنده أولاد ، شعور الأب حينما يرى ابنه في أعلى مرتبة أخلاقية ، و علمية ، و دينية ، شعور لا يوصف ، بل يمتلئ قلبه سعادة ، وقد قال الله عز وجل :


( سورة الفرقان : 74 ) .

وأحيانًا يلمح الأب ابنه وهو يصلي ، وقد تكون هذه الصلاة جوفاء ، فكيف إذا كان ابنه عالماً، مصلحاً ، سيدنا إبراهيم قال تعالى في حقّه :


( سورة الصافات : 102 ) .

يعني من سعادتك الكبرى العظيمة أن يكون ابنك صالحاً .

وكانت تترقب عودة أبيه ، وتجتهد في أن تجعله قرّة عين لها وله ، لكن فروخاً طالت غيبته، ثم تضاربت الأقوال فيه ، قال بعضهم : إنه وقع أسيراً في أيدي الأعداء ، وقال آخرون : إنه مازال طليقاً يواصل الجهاد ، وقال فريق ثالث عائد من ساحة القتال : إنه نال الشهادة التي تمناها، فترجح هذا القول الأخير عند أم ربيعة لانقطاع أخبار زوجها ، فحزنت عليه حزناً أمضى فؤادها ، ثم احتسبته عند الله .

هناك قصص للتابعين فيها مواقـف ، لو سألتني : هل هي وفق الشرع ؟ أقول لك هذه مواقف شخصية ، وليست مواقف شرعية ، يا ترى هل يجوز للإنسان أن يغيب عن زوجته عشرين عاماً ؟ هذا الموقف ليس موقفاً شرعياً ، هذا موقف شخصي ، ولكل مجتهد نصيبٌ من اجتهاده ، والله تعالى رب النوايا ، أنا لا أقر ما فعله فروخ حينما ترك امرأته وهي حامل ، وغاب أمداً طويلاً ، يا ترى هكذا الشرع يأمرنا ؟ نحن نقرأ قصة ، نأخذ منها الإيجابيات ، ونتغافل عن السلبيات .

أيفع ربيعة ، ودخل مداخل الشباب ، واستكمل ما ينبغي لفتًى مثله أن يستكمله من القراءة والكتابة ، وزاد على أقرانه فحفظ القرآن وروى الحديث ، فلو تخيَّرتِ له حرفة من الحرف فإنه لا يلبث أن يتقنها ، وينفق عليك ، هذه هي النصيحة ، لو تخيرتِ يا أم ربيعةَ حرفةً لابنك حتى يتقنها ، لينفق عليك وعلى نفسه مما تدره عليه هذه ، فماذا اختار ربيعة ؟ اختار لنفسه العلم .

أنا ألاحظ أبًا يرسم لابنه خطة ، أن يكون معه في المحل التجاري ، شيء جيد ، لكن أحياناً هناك أبناء شغوفون بالعلم ، فالأب العاقل إذا رأى من ابنه إصراراً على اختصاص معين فينبغي أن يفسح له المجال ، لأنه لا ينبغي إلا مسايرته في ميله هذا .

فاختار ربيعة أن يكون عالماً ، وعزم على أن يعيش متعلماً ومعلماً ما امتدت به الحياة ، وكلكم يعلم أنه يظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل ، لذلك أقبل ربيعة على حلقات العلم ، يرى الإنسان أحيانا عالمًا ، متى صار ؟ حينما كان في مجالس العلم أمضى سبعة عشر عاماً جالساً على ركبتيه في بيوت الله ، وحينما كان يتلو كتاب الله ، ويحفظ كتاب الله، ويفسر كتاب الله ، ويدعو إلى الخير ، أين كنت أنت ؟ كل إنسان له مسعى .


( سورة الليل : 1 ـ 4 ) .

أقبل على حلقات العلم التي كان يزخر بها مسجد المدينة ، كما يقبل الظمآن على الموارد العذاب ، ولزم البقية الباقية من الصحابة الكرام ، وعلى رأسهم أنس بن مالك خادم رسول الله ، هذا أكبر أستاذ له ، وأخذ عن سعيد بن المسيب ، ومكحول الشامي ، وسلمة بن دينار ، وواصلَ الليلَ بالنهار ، إقبالاً على العلم ، وطلباً له ، واحتواءً له ، وإذا كلمه أحد ودعاه إلى الرفق بنفسه كان يقول : سمعنا أشياخنا يقولون : العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطِك شيئاً ، ليس في العلم حل وسط ، يمكن أنْ يكون في العمل حل وسط ، بل في كل شيء حل وسط إلا في العلم ، فالعلم يحتاج إلى إتقان ، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطِك شيئاً ، والشيء الغريب أنّه لا تحصل لذة العلم إلا بالتعمق فيه، فعدم تعمق العلم عبء ومللٌ ، لذلك ضعفُ الطلاب يكون في مادة يكرهونها كراهية شديدة ، أما إذا أتقنوها أصبحتْ متابعتها متعةً لهم .

ثم ما لبث كثيراً حتى ارتفع ذكره ، وبزغ نجمه ، وكثر إخوانه ، وأولِع به تلاميذه ، وسوّده قومه ، وأقول لكم بصراحة : إذا حضر الرجلُ مجالس العلم ، وطلب العلم بصدق وبإخلاص فهذا الإنسان من حقه على الله ، ومن كرامته على الله أن ييَسِّر له سبيل نشر العلم ، ويرزقه قدرة على ذلك ، أمّا سماع وسماع إلى مالا نهاية ، فمستحيل ، فكل إنسان طلب العلمَ يوفقه الله ، أخي أنت أين تعمل ؟ أعمل موظفًا عند الله عز وجل ، أحيانا الإنسان بصدقه وإخلاصه ، ومتابعته ، وطاعته ، يطلِق اللهُ لسانه ، ويمنحه الأسلوب المؤثر الذي يقنع الناس به ، فيلتفون حوله ، ويستفيدون منه ، ويشجعونه ، هذا شيء ألاحظه ، ما مِن أخ تعلَّم بصدق ، وبإخلاص ، وابتغى مرضاة الله عز وجل إلا ويسَّر الله عز وجل له عملاً في الدعوة إليه ، على صعوبة هذه الأعمال، وصعوبة الوصول إليها ، قال تعالى :


(سورة النور : 36) .

فإذا أذِن اللهُ في عليائه لهذا الإنسان أن ينطق بالحق فليس لأحدٍ في الأرض ينتظر منه الموافقة ، فالإِذن الحقيقي من عند الله ، وانعكاسه موافقة أولي الأمر ، ما مِن أحدٍ أخوانا الكرام طلب علم بإخلاص إلا ويسَّر الله عز وجل له عملاً في الدعوة إليه ، لأن الطلب لا بد أن ينتهي بالإلقاء ، تَلَقٍّ ، ثم إلقاء ، تعلُّم ، ثم تعليم .

سارت حياة هذا العالم الصغير فكان شطرٌ من يومه في داره لأهله وإخوانه ، وشطر آخر لمسجد رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، للعلم وحلقاته ، ولقد مضت حياته متشابهة حتى وقع فيها ما لم يكن في الحسبان ، ولا زلنا في عقدة القصة .

في أحد الأيام ، وفي عشية من عشيات الصيف ، وصل إلى المدينة المنورة فارس في أواخر العقد السادس من عمره ، ومضى في أزقتها راكباً جواده ، قاصداً داره ، وهو لا يدري إن كانتْ دارُه ما تزال قائمة على عهده بها ، أم أنّ الأيام قد فعلت بها فعلها ، فمضى على غيابه عنها ثلاثين عاماً .

أنا أذكر مرة ، سمعت قصة إنسان خطب فتاة ، فلما دخل بها لم تعجبه إطلاقاً ، واسودَّت الدنيا في عينيه ، وضاقت نفسه ، وفي صبيحة اليوم التالي هام على وجهه ، وهو من سكان المدينة المنورة ، غاب عن المدينة عشرين عاماً ، لما رأته زوجته في أول لقاء معها ، رأته متضايقاً ، قالت له : قد يكون الخير كامناً في الشر ، يعني إن رأيتني شرًّا فقد يكون الخير كامناً في الشر ، بعد أن عاد بعد عشرين عاماً دخل إلى المسجد فرأى عالماً شاباً وحوله آلاف مؤلفة، سأل : من هو ؟ فإذا هو ابنه ، فلما انفضَّ الناسُ من حوله قال : يا فلان قل لأمِّك إنَّ في الباب رجلاً يقول لك : قد يكون الخير كامناً في الشر ، قالت : يا بني إنه أبوك .

فحينما عاد إلى المدينة سأل عن أخبار زوجته الشابة ، هل وضعت حملها ، وهل كان ذكراً أو أنثى ، وإذا كان ذكراً فما حاله اليوم ، أسئلة كثيرة تواردت على ذهنه ، لكنْ في القصة موقف عجيب ، وهو أن زوجته حينما رأته ، وأبلغت ابنها فروخاً أنه أبوه ، لأنه رأى الباب مفتوحًا فدخل ، إنسان غاب عن بلده أمدًا طويلاً ، فالتبس الأمر على فروخ أنه إنسان فارس ، يدخل إلى بيت دون استئذان ، وهو بيتـه ،فحدثَتْ مشادة بينه وبين ابنه دون أن يعرف ، استيقظت الزوجةُ على الضجيج ، فأَطلَّت من النافذة فقالت : يا بني إنه أبوك ، وحينما سمع ربيعةُ أنّ هذا أبوه طفق يعانقه ويقبِّل يديه ، وعُنُقَه ، ورأسَه ، ونزلت أم ربيعة تسلم على زوجها الذي ما كانت تظن ظناً أنه حيٌّ على وجه الأرض ، بعد أن انقطعت أخباره مدةً طويلة ، جلس فروخ إلى زوجته وطفِق يحدِّثها عن أحواله ، ويكشف لها عن أسباب انقطاع أخباره ، ولكنها كانت في شغلٍ شاغل عن كثير مما يقول ، لقد نغص فرحتها بعودته ، واجتماع شملها به خوفُها من غضبه على إضاعة المال الكثير الذي أودعه عندها ، فقد ترك ثروة طائلة ، مثل الآن عشرة ملايين ، كانت تقول في نفسها : ماذا لو سألني الآن عن ذلك المبلغ الكبير ، وهي أنفقته كله على ابنها ، حتى صار بهذا العلم ، ماذا سيكون لو أخبرته أنه لم يبق منه شيء ، أيقنعه قولي : إنني أنفقته على تربية ابنه وتعليمه ، وهل تبلغ نفقة ابنه هذا المبلغ الضخم ، أيصدِّق ذلك ! في داخله صراع مع نفسها ، فرحت بلقاء زوجها ، لكنها خافت من موضوع المبلغ الكبير ، وفيما كانت أم ربيعة غارقة في هواجسها التفتَ إليها زوجُها ، وقال : لقد جئتك يا أم ربيعة بأربعة آلاف دينار، فأخرجي المال الذي أودعته عندك وضمِّيه إليه ، ونشتري بالمال كله بستاناً ، أو عقاراً ، نعيش من غلته ما امتدت بنا الحياة ، فتشاغلتْ عنه ولم تجبه بشيء ، أعاد عليها الطلب ، وقال : أين المال حتى أضمّ إليه ما معي ؟ قالت : لقد وضعته حيث يجب أن يوضع ، في المكان الصحيح ، وسأخرجه لك بعد أيام قليلة إن شاء الله ، وقطع صوت المؤذن عليها الحديث ، فهبَّ فروخ إلى إبريقه فتوضأ، ومضى نحو الباب يقول : أين ربيعة ؟ فقالوا : سبقك إلى المسجد ، منذ النداء الأول ، ولا نحسبك أن تدرك الجماعة ، لم يعرف القصة ، فبلغ فروخ المسجد ووجد أن الإمام قد فرغ من الصلاة ، فأدّى المكتوبة ، ثم مضى نحو الضريح الشريف فسلم على النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثم انثنى نحو الروضة المطهرة ، فقد كانت في فؤاده أشواق إليها ، تخيَّر مكان في رحابها وجلس ، ولما همّ بمغادرة المسجد وجد باحته قد غصّت على رحبها بمجلس من مجالس العلم ، لم يشهد له نظيراً من قبل ، ورأى الناس قد تحلَّقوا حول شيخ المجلس حلقة إثر حلقة ، حتى لم يتركوا للساحة موطئًا لقدم ، وأجال بصره في الناس ، فإذا فيهم شيوخ معمّرون ومعمّمون ، وذو أسنان ، ورجال متوقرون ، تدلّ هيأتهم على أنهم ذو أقدار ، وشبان كثيرون قد جثّوا على ركبهم، وأخذوا أقلامهم بأيديهم ، وجعلوا يلتقطون ما يقوله الشيخ كما تلتقط الدرر ، ويحفظونه في دفاترهم ، كما تحفظ الأعلاق النفيسة ، وكان الناس متجهين بأبصارهم إلى حيث يجلس الشيخ منصتين إلى كل ما يلفظ من قول ، حتى كأنَّ على رؤوسهم الطير ، وكان المبلغون ينقلون ما يقوله الشيخ فقرة فقرة ، فلا يفوت أحد منها شيء مهما كان ، وحاول فروخ أن يتبيّن من هو الشيخ ، ولا يعرف أنه ابنه ، فلم يفلح في ذلك لموقعه منه ، وبُعْدِه عنه ، لقد راعه منه بيانه المشرق ، وعلمه المتدفق ، وحافظته العجيبة ، وأدهشه خضوع الناس بين يديه ، وما هو إلا قليل، حتى ختم الشيخ المجلس ، ونهض وافقاً ، فهبَّ الناس متجهين إليه ، وتزاحموا عليه ، وأحاطوا به ، واندفعوا وراءه ، وهنا التفتَ فروخ إلى رجل كان يجلس في المجلس ، قل لي بربك : من الشيخ ؟ قال باستغراب : ألا تعرفه ! ليس في المدينة كلها من لا يعرفه ، هو أعلم علمائها ، قال : بلى ، مَن هو ؟ قال اعذرني أنا لا أعرفه ، أنا جئت حديثاً ، مَن هو ؟ لقد أمضيت نحواً من ثلاثين عاماً بعيداً عن المدينة ، ولم أَعُدْ إليها إلا أمس ، قال : لا بأس ، اجلس إليَّ قليلاً لأحدِّثك عن هذا الشيخ ، إنّ الشيخ الذي استمعتَ إليه سيِّدٌ من سادات التابعين ، وعلَمٌ من أعلام المسلمين ، وهو محدِّثُ المدينة وفقيهها ، وإمامها ، على الرغم من حداثة سنة ، قال فروخ : ما شاء الله ، لا قوة إلا بالله ، فأتبع الرجل ، وإنّ مجلسه يضمّ كما رأيت مالك بن أنس ، وأبا حنيفة النعمان ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وسفيان الثوري ، وعبد الرحمن بن عمر الأوزاعي ، والليث بن سعد ، قال فروخ : غير أنك لم تخبرني مَن هو الشيخ ، فلم يُتِحْ له الرجل الفرصة لإتمام كلامه ، وأرى وهو فوق ذلك أنه سيدٌ كريمٌ الشمائل ، موطأ الأكناف ، سخي اليد، فما عرف أهل المدينة أحداً أوفر منه جوداً لصديق وابن صديق ، ولا أزهد منه في متاع الدنيا ، ولا أرغبَ بما عند الله ، قال فروخ : ولكنك لم تذكر لي اسمه ، يا أخي مَن هو هذا الشيخ ؟ قل لي مَن ؟ قال : إنه ربيعة الرأي ، قال فروخ : ربيعة الرأي ، قال الرجل : نعم اسمه ربيعة ، لكن علماء المدينة وشيوخها دعوه ربيعة الرأي ، لأنهم إن كانوا لم يجدوا لقضية نصاً في كتاب الله ، أو حديث رسول الله لجؤوا إليه فيجتهد بالأمر ، ويقيس ما لم يرد فيه نص ، على ما ورد فيه نص ، ويأتيهم بالحكم فيما أشكل عليهم ، على وجه ترتاح له النفوس ، قال فروخ : لكنك لم تنسبه لي ، ابنُ من هو ؟ قال الرجل : إنه ربيعة بن فروخ ، المكنى بأبي عبد الرحمن ، لقد ولد بعد أن غادر أبوه المدينة مجاهداً في سبيل الله ، فتولَّت أمُّه تربيته وتنشئته ، ولقد سمعت الناس يقولون : إن أباه قد عاد الليلة الماضية ، هكذا قال الناس ، عند ذلك تحدَّرت من عين فروخ دمعتان كبيرتان ، لم يعرف لهما سبباً ، ومضى يحثُّ الخطى نحو بيته ، فلمّا رأته أم ربيعة ، والدموع تملأُ عينيه ، قالت : ما بك يا أبا ربيعة ؟ قال : ما بي إلا الخير ، لقد رأيت ولدنا ربيعة في مقام من العلم والشرف والمجد ، ما رأيته لأحد من قبل ، فاغتنمت أم ربيعة الفرصة ، وقالت: أيهما أحبُّ إليك ثلاثون ألف دينار ، أم هذا الذي بلغك عن ولدك من العلم والشرف ، فقال بلى ، والله ، هذا أحبُّ إليَّ وآثرُ عندي من مال الدنيا كله ، فقالت : لقد أنفقت كل ما تركته لي على ولدك ، حتى صار عالماً ، فهل طابت نفسُك بما فعلت ، قال : نعم ، وجُزِيتِ عني خيراً، وعن المسلمين .





إخوانا الكرام : هذه قصة ملخصة بآخرها ، إذا استطعتَ أنْ تجعل ابنك إنسانًا عظيمًا فأنت أسعدُ إنسان في العالم ، إذا استطعتَ أنْ تربي ابنك تربية إسلامية صحيحة ، فيطلب العلم ، ويصير معلم الناس فأنت أسعد إنسان بالعالم ، ولو أنفقت عليه ألوف مئات الألوف ، فأنت الرابح، فلو أنفقت عليه كل شيء ، وصار ابنك في هذا المستوى فأنت الرابح ، ترك لها ثروة طائلة جداً، وهي خائفة أن يقول لها : أين المال ؟ فلما رأى ابنه بهذا المكان نَسِيَ المال ، ما أردت من هذه القصة إلا أن أحثَّكُم على تربية أولادكم ، لأن الآباء إذا رأوا أبنائهم منحرفين مع رفقاء السوء ، في الضلالات ، وفي دور اللهو ، مع المنحرفين تُعصَر قلوبهم آلامًا ، ويتقطع قلب الأب ألماً ، ماذا يفعل .





فنحن أيها الإخوة ، الآن أملُنا في الصغار ، والمعَوَّل عليه هم الصغار ، كل واحد له ابن يحتاج من وقتك الشيء الكثير ، ومن مالك الشيء الكثير ، وقدِّم له كل ما تملك ، ليكون كما يريد الله عز وجل ، فهذا زادُك عند الله ، والذي عنده ابن صالح فليسمعْ هذا الكلام مرة ثانية ، والذي عنده ابن صالح مقبل على الدين ، مستقيم على أمر الله ، يحب الله ورسوله ، يجب أن يضع شفته على الأرض ، ويشكر الله عز وجل على هذه النعمة ، لأنه ما مِن نعمة على الإطلاق تفوق هذه النعمة ، فهذا مجاهد ، وابنه عالم ، فنال المجد من طرفيه ، وقد فتح هو البلاد، وابنه فتح القلوب.

والحمد لله رب العالمين
***

ابو عمر المصرى
12-13-2007, 12:11 PM
سلمة بن دينار






بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة المؤمنون : مع الدرس السادس عشر من دروس سير التابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ، والتابعيّ اليوم سلمةُ بن دينار ، المعروف بأبي حازم ، يقول أحدهم عنه : " ما رأيت أحداً الحكمةُ أقربُ إلى فمه مِن أبي حازم " .

في السنة السابعة والتسعين للهجرة ، شدّ خليفة المسلمين سليمان بن عبد الملك الرحال إلى الديار المقدسة ملبِّياً نداء ربه ، ومضت ركائبه تحثُّ الخطى من دمشق عاصمة الأمويين إلى المدينة المنورة ، فقدْ كان في نفسه شوقٌ إلى الصلاة في الروضة المطهرة ، وتَوقٌ إلى السلام على سيدنا محمد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وقد حفل موكبُ الخليفة بالقُرَّاء والمحدِّثين والفقهاء والعلماء والأمراء والقادة ، كما هي العادة ، فلما بلغ المدينة المنورة ، وحطَّ رحاله فيها ، أقبل وجوهُ الناس ، يعني علية القوم ، وذووا الأقدار للسلام عليه ، والترحيب به .

لكن سلمة بن دينار قاضي المدينة ، وعالمها الحجّة ، وإمامها الثقة لم يكن في عداد من زاروا الخليفة مرحَّبِين مسلِّمين ، وليس هذا جفاءً ، ولكنه موقف له ، ولما فرغ سليمان بن عبد الملك من استقبال المرحِّبين به ، قال لبعض جلسائه : إن النفوس لتصدأ كما تصدأ المعادن ، إذا لم تجد من يذكرها الفينة بعد الفينة ، ويجلو عنها صدأها .

وقد قال هذا النبي عليه الصلاة والسلام : إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد ، قيل : وما جلاؤها ؟ قال : تلاوة القرآن ، وذكر الموت *

(أخرجه البيهقي في الشعب من حديث ابن عمر)

ذكرت هذا مرات عديدة : في الدين كليات ثلاث ، كلية معرفية ، نشاط فكري ، تعلُّم ، عِلم، قراءة ، مُدارسة ، حضور مجلس علم ، تأمُّل ، تفكُّر ، هذا كله نشاط فكري ، وفي الدين نشاط سلوكي ، استقامة ، غضُّ بصر ، تحريرُ دخل ، إنفاق في الوجوه المشروعة ، ضبط لسان ، ضبط عين ، ضبط أذن ، ضبط يد ، سلوك ، السلوك له جانبان ، جانب سلبي ، الامتناع عن المعصية ، وجانب إيجابي ، وهناك كلية ثالثة في الدين ، كلية نفسية ، فالقلب لا بد أن يتصل بالله حتى يسعد ، وهذا بالذكر ، فالكليات الثلاث : تعلُّم ، ذِكْر ، عمَل ، فإذا وازن المسلم بين هذه الكليات الثلاث تَفوَّق ، أمّّا إذا طغت كُلِّيَّة على باقي الكليات ، دخل في تطرف ، نحن نريد التفوّق لا التطرف ، نريد للدين أن يعود كما بدأ ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ*

(رواه مسلم)

لن نرقى في هذا الدين إلا إذا توازنّا في النمو في كلياته الثلاث ، التعلُّم غذاء للعقل ، والسلوك والانضباط هي العبودية لله عز وجل ، والذكر ، والتلاوة ، والاستغفار والدعاء ، هذا غذاء القلب .

فالإنسان أحياناً قناعاته جيدة جداً ، ومعلوماته ممتازة ، وثقافته عميقة ، وفكره إسلامي ، وفهمُه جيد ، يشعر بضيق ، لأنّ ذِكرَه قليلٌ ، أحيانًا يكون ذكره جيدًا ، لكن معلوماته قليلة ، هذا صار عابدًا ، ولم يعُدْ عالمًا ، خيرُه قليل محدود ، أحيانًا يكون فكره جوّالاً ، وقلبه ذاكرًا ، لكنّ عمله محدود ، عندئذٍ لا يرقى ، ويأتي عليه وقت يشعر بافتقاره للعمل الصالح .

ملخص كلامي : لا نفلح إلا إذا نمَتْ مستوياتنا في الكليات الثلاث معاً ، إذا نمت معاً كان التفوق ، فإذا نمت واحدة على حساب الأخرى كان التفرق ، ونعوذ بالله من التفرق ، فهذا الخليفة قال : إن النفوس لتصدأ كما تصدأ المعادن ، إذا لم تجد من يذكّرها الفينة بعد الفينة ، ويجلو عنها صدأها ، فقالوا : نعم يا أمير المؤمنين ، فقال : أما في المدينة رجل أدرك طائفة من صحابة رسول الله يذكِّرنا ؟ نحن في المدينة ، أليس فيها رجل أدرك صحابة رسول الله ؟ ائتوني به كي يذكِّرني ، فقالوا : بلى يا أمير المؤمنين ، ها هنا أبو حازم ، فقال : ومن أبو حازم ؟ قالوا : سلمة بن دينار ، عالم المدينة وإمامها ، وأحد التابعين الذين أدركوا عدداً من أصحاب رسول الله، فقال: ادعُوه لنا ، وترّفقوا في دعوته ، فذهبوا إليه ، ودَعَوه ، فلما أتاه رحّب به ، وأدنى مجلسه ، وقال له معاتباً : ما هذا الجفاء يا أبا حازم ؟ الآن الخليفة يعاتب هذا العالم التابعي ، قال : ما هذا الجفاء يا أبا حازم ؟ فقال : وأيّ جفاء رأيت مني يا أمير المؤمنين ؟ قال : زارني وجوهُ الناس ، ولم تَزُرْني ، فقال : إنما يكون الجفاء بعد المعرفة ، وأنت ما عرفتني قبل اليوم ، ولا أنا رأيتك ، فأيّ جفاء وقع مني ، الجفاء أساسه معرفة ، ليس هناك معرفة من قبل ، لا تعرفني ولا أعرفك ، فأيّ جفاء هذا ، فقال الخليفة لجلسائه : أصاب الشيخ في اعتذاره ، وأخطأ الخليفة في العتب عليه، أي جفاء هذا ، الجفاء عن معرفة ، لا أعرفك ولا تعرفني ، ثم التفت إلى أبي حازم ، وقال : إن في النفس شؤوناً أحببتُ أن أفضي بها إليك يا أبا حازم ، فقال : هاتها يا أمير المؤمنين ، واللهُ المستعانُ ، فقال الخليفة : يا أبا حازم ، أول سؤال ، الآن بدأ الحوار ، أحيانًا تُقام ندوة ، أو لقاء صحفي ، الآن حوار بين الخليفة ، وبين هذا التابعي الجليل ، قال : يا أبا حازم مالنا نكره الموت؟ والحقيقة ليس هناك إنسان لا يكره الموت ، إنه شيء مخيف ، إنسان ينتقل من بيت واسع ، فيه مِن الطعام ما لذّ وطاب ، وأمامه زوجته وأولاده ، وله كتبه وشأنه ومكانته ، ثم إلى قبر بباب صغير ، يضعون فوقه الحجر ، ويهيلون التراب عليه ، وانتهى الأمر.

قال يا أبا حازم ، مالنا نكره الموت ؟ فقال : لأننا عَمَّرنا دنيانا وخرّبنا آخرتنا - هذا السبب - فنكره الخروجَ من العمار إلى الخراب ، فقال الخليفة : صدقت ، وكل واحد أيها الإخوة ، وهذا شيء دقيق ، له أعمال طيبة ، له بذل ، له تضحية ، له إنفاق ، له دعوة ، له خدمة ، له إخلاصه، له شوقه ، فالموت ليس مخيفاً له أبداً ، تصور رجلاً بالعكس ، منتقل من بيت صغير، غرفة واحدة تحت الأرض ، لا يرى شمسًا ، وقد لازمتْه الرطوبة ، المرافق متخلفة جداً ، وبحَيٍّ مزعج جداً ، ضجيج ، هذا لمّا نُقِل إلى حيٍّ من الأحياء الجميلة جداً الهادئة ، داخل قَصرٍ مع حدائق ، أربع جهات مفتوحة ، أثاث فخم ، تدفئة مركزية ، تكييف مركزي ، كل شيء في بالقصر ، وفي أثناء هذه النقلة من غرفة تحت الأرض إلى هذا البيت الفخم ، والقصر المنيف ، هل يشعر بانقباض ؟ واللهِ المؤمن هكذا ، والنبيُّ أكد هذا المعنى ، قال : المؤمن ينتقل من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة ، ينتقل كما ينتقل الجنين من ضيق الرحم ، إلى سعة الدنيا .

لذلك ما قرأت عن صحابي جليل تاريخَ حياته ، إلا رأيته في أسعد لحظات حياته عند لقاء ربه ، وإنْ لم تجعل أنت أيها الأخ ساعة لقائك مع الله أسعدَ لحظات حياتك ، فمعنى ذلك أنّ هناك خللاً في إيمانك ، كل حياتك من أجل هذا اللقاء ، لقائك مع الله .

لذلك فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ *

(متفق عليه)

الموت تحفة المؤمن ، والموت عرس المؤمن ، وكل هذا التعب ، وذاك النصب ، وهذه المجاهدة ، وتلك التكاليف ، وهذا الضبط ، وذاك الالتزام ، لهذه الساعة .

ثم أردف قائلاً : يا أبا حازم ، ليت شعري مالنا عند الله غداً ، قال : أعرِضْ عملك على كتاب الله عز وجل تجدْ ذلك ، قال : وأين أجد ذلك في كتاب الله تعالى ؟ قال : تجده في قوله عَلَتْ كلمته :


( سورة الانفطار : 13 )

الناس رجلان ، بَرٌّ تقيّ كريمٌ على الله ، وفاجر شقيٌّ هَيِّنٌ على الله :


أبداً ، فقال الخليفة : إذاً فأين رحمة الله تعالى ؟ فقال أبو حازم :


(سورة الأعراف : 56)

أحياناً الإنسان تكون رؤيته واضحة جداً ، فإذا هو يجيب عن سؤال ولا يتلجلج ، ولا يتَلَكَّأُ ، ولا يتَرَدَّد ، ولا يفكِّر ، إذا كنتَ أمام هذه العلبة ، وسئلتَ عنها ، وأنتَ تراها رؤية العين ، تراها شفافة ، فيها بطاقة خضراء ، مكتوب عليها شيء ، فإذا سئلت ، وأنت تراها تجيب مباشرة ، فأحياناً تكون الإجابة الفورية ، والواضحة ، النقية ، دليلَ العلم ، فالأمور عند أبي حازم واضحة جداً ، فقال الخليفة : ليت شعري ، كيف القدوم على اللهِ جل وعز غداً ، فقال أبو حازم : أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله ، وأما المسِيء فكالعبد الآبق يساق إلى مولاه سوقاً .


(سورة الغاشية : ـ 25 ـ 26)

إذا سافر الإنسان ، وفي هذا السفر تكلّم واشتَطّ ، وهاجم بلده ، ونال من بلده ، ثم جيء به إلى بلده ليحاسَب ، تراه يصعق :


(سورة الغاشية : ـ 25 ـ 26)

أما المؤمن فكالغائب يعود إلى أهله ، وأما الكافر فكالعبد الآبق يُرَدُّ إلى مولاه ، فبكى الخليفة حتى علا نحيبُه ، واشتدّ بكاؤه ، ثم قال : يا أبا حازم كيف لنا أن نصلح ؟ قال : تَدَعُون عنكم السلطة ، وتتحلّون بالمروءة ، وليس هناك صفة أقسى ، وأشد ضررًا بالإنسان من السلطة ، ومن الكبر ، حتى إنّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول : لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أكبر ، ما الذي هو أكبر من الذنب ؟ قال : العجب العجب .

فقال الخليفة : وهذا المال ، ما السبيل إلى تقوى الله فيه ، أحيانًا الإنسان يتحرك ، بيده مالٌ يتصرف فيه تصرفًا غير شرعي ، فيستهلكه ، وينفقه على مَلَذّاته ، وعلى تحسين بيته ، والمال ليس له ، فهو دائماً في قلق ، وفي حجاب ، فإذا كانت علاقاتُ الإنسان المالية مضطربة ، وإذا كان دخله مشبوهًا ، وإنفاقه مشبوهًا ، وذمته ضعيفة ، ولا يدقق في الحلال والحرام لكسب المال، فهذا الإنسان معه حجاب دائم ، وقلق دائم ، ولنْ تصل إلى الله إلا بالورع .

سيدنا أبو حنيفة كان يجلس أو يقف مع رجل في ظل بيت ، فأخذه إلى الشمس ، إلى أشعة الشمس المحرقة ، فقال له الرجل : ابقَ في الظل ، قال : هذا البيت مرهون عندي ، وإني أكره أن أنتفع بظله .

هذا هو الورع ، ولذلك جاء في الحديث : ركعتان من رجل ورع أفضلُ من ألف ركعة من مخلط *

(الجامع الصغير عن أنس)

هذا شيء دقيق ، إذا كان الدخل مشبوهًا ، والإنفاق مشبوهًا ، فأنت في قلق دائم ، والطريق إلى الله غير سالك ، بل أنت في حجاب شديد ، ولن تستطيع أن تخرق هذا الحجاب إلا بالورع ، إلا أن تحاسب نفسك على القرش .

كان بعض الورعين الصالحين الخلفاء ، إذا تحدث في شأن خاص أطفأ القنديل الذي يُصرَف مِن حساب بيت مال المسلمين .

أيها الإخوة الكرام ، هذا كلام دقيق واضح ، وفّروا أوقاتكم ، فمن دون استقامة ‍، ومن دون ورع ، الطريق إلى الله غير سالك ، لكن بإمكانك أن تقرأ ، وتتثقف ، ويكون لك عواطف إسلامية، وفكر إسلامي ، أمّا تصل إلى الله ، وتقبل عليه ، ويقبَلك ، ويتجلّى عليك من دون ورع فهذا مستحيل ، وعلامة المؤمن أنّه لا يسمح لقرش واحد أن يدخل عليه ، قبل أنْ يحاسب نفسه حسابًا عسيرًا .

سينا النبي عليه الصلاة والسلام ، انقطع عنه الوحي أسبوعًا أو أسبوعين ، قال كلمة تلفت النظر ، قال يا عائشة رأى تمرةً على سريره فأكلها ، قال يا عائشة لعلها من تمر الصدقة .

فعدم الدقة في تناول الطعام ، وعدمُ الدقة في تحرِّي الحلال ، وعدمُ الدقة في إنفاق المال تجعل بينك وبين الله حجابًا ، قال : يا أبا حازم وهذا المال ؟ خليفة وبين يديه أموال البلاد كلها ، وهذا المال ما السبيل إلى تقوى الله فيه ؟ فقال أبو حازم : إذا أخذتموه بحقه ، ووضعتموه في أهله ، وقسمتموه بالسوية ، وعدلتم فيه بين الرعية ، إنها أربعة أشياء ؛ أخذتموه بحقه ، ووضعتموه في أهله ، وقسمتموه بالسوية ، وعدلتم فيه بين الرعية .

الإنسان قد يبيع ويشتري حاجة فيها عيب كبير ، اشتراها زبون ولم ينتبه إلى العيب ، يقول البائع : ارتحنـا منها ، بِعتُها بثمنها العادي ، وهي ثمنهـا بهذه الحالـة أقل بكثير ، وما انتبه المشتري إلى العيب ، وأخذها وذهب ، وأنت مرتاح ! أنت أكلت مالاً حراماً ، فإذا اتقَّى اللهَ الباعةُ صار دخلهم حلالاً ، فإذا اشتروا به طعاماً صار طعامهم طيباً ، فإذا دعَوا اللهَ استُجِيبَتْ دعوتُهم ، أما إذا كان البيع والشراء فيه مخالفات شرعية فقد صار الدخل حرامًا ، وصار بذلك الطعام الذي يشتريه بهذا الدخل غيرَ طيّب ، فإذا دعا اللهَ عز وجل لم يستجَبْ له ، سبحان الله تسعة أعشار الطاعة بكسب المال ، فعندك مأخذان يُؤتَى الإنسان منهما ؛ يؤتى من كسب المال ، ومن إنفاقه ، ويؤتى من المرأة ، فالمؤمن الموفَّق يحصّن نفسه تحصينًا مضاعفًا ، شديدًا وحازمًا، من حيث كسب المال ، ومن حيث المرأة ، ويبالغ في غض البصر ، ولا يسمح لنفسه بخلوة بأجنبية ، ولا بكلمة ، ولا بعلاقة ، ولا باختلاط ، ولا بحديث ، ولا بمتعة ، ويبالغ في تحرِّي الحلال ، وفي إنفاق المال ، فإذا ضمِنْتَ لي كسب المال وإنفاقه ، وضمنتَ لي العفّة الكاملة ، فهذان أكبر مأخذين يؤخذ منها الإنسان ، فالشباب المأخذ الأول لهم المرأة ، والرجال الذين يعملون في التجارة مأخذهم الأول كسبُ المال .

أيها الإخوة الكرام : واللهِ أنا أشعر حين لا يبالي الإنسان بكسب المال ، ولا يتحرَّى طرق الحلال في ذلك ، أو يقع في شبهة صدقوني أنّ صلاته وصيامه وحجه وزكاته ، لا معنى لها.

مرة قص عليّ أخٌ قصة ، قال لي : هناك بائع يبيع بندورة ، نوع بستة ليرات والقصة قديمة، ونوع بليرتين ، جاء شخص فملأ كيسًا من نوع الستة ليرات ، ووضع في أعلى الكيس التي تبَاع بالليرتين ، والبائع مشغول ، والرجل ملأ كيسًا من خمسة كيلو من نوع الستة ليرات ، ووضع في أعلى الكيس التي تُبَاع بالليرتين ، قال له البائع : هذه البضاعة أخذتها من هنا ، فقال: نعم ، فهذا الشخص اعتبر دينه صفًار ، وإيمانه صفرًا ، وعلاقته بالله مقطوعة ، فلا تصدق إنسانًا يعرف الله ثم يغش ، ولا تصدق إنسانًا يعرف الله ثم يأكل مالاً حرامًا ، لذلك فالمؤمن الصادق ترتاح وتطمئن له ، لأن تعامله وفق الشرع ، ولا يمكن أن يأكل مالاً حراماً .

فقال الخليفة : يا أبا حازم أخبرني مَن أفضلُ الناس ؟ قال : أولوا المروءة والتقى ، قال : ومن أعدل الناس يا أبا حازم ؟ قال : كلمة حق يقولها المرء عند من يخافه ، وعند من يرجوه ، أنت في حياتك شخصان ؛ رجلٌ تخافه ، وآخرُ ترجوه ، وفي الأعمّ الأغلب هذان الرجلان لا تكون صريحاً معهما ، بل تجاملهم إلى أقصى الحدود ، وهذه المجاملة على حساب الدين ، أمّا صاحب المروءة فهو الذي يقول كلمة الحق ، ولا تأخذه في الله لومةُ لائمٍ .


( سورة المائدة : 54 )

هذا إنسان ترجوه ، وترجو عطاءه ، فتجامله ولو أخطأ ، ولو أساء ، ولو ظلم ، وتخاف أن يغضب إذا نبّهته ، وشخص آخر تخافه .

لذلك ورد في الحديث الشريف : من أعان ظالماً سلّطه الله عليه *

( الجامع الصغير عن أنس )

إذا أعان الإنسانُ ظالمًا ، فإنّ هذا الإنسان الذي أعان الظالم سيكون أول ضحاياه ، ويسلِطه الله عليه .

فقال الخليفة : ما أسرع الدعاء إجابة يا أبا حازم ؟ قال : دعاء المحسن للمحسنين ، قال الخليفة : ما أفضل الصدقة ؟ قال : جُهدُ المُقِلِّ يضعه في يد البائس ، من غير أن يُتبِعَه منًّا ولا أذى .

قال الخليفة : مَن أكْيَسُ الناس يا أبا حازم ؟ قال : رجل ظفر بطاعة الله تعالى فعمل بها ، فهو أكْيس الناس وأعقلهم ، إنسانٌ عرفً أمرَ الله فطبّقه ، كل شيء زائل إلا طاعة الله ، فاسمعوا الآية الكريمة :


(سورة الأحزاب : 71 )

من أكيس الناس ؟ فقال : رجل ظفر بطاعة الله تعالى فعمل بها ، ثم دلّ الناسَ عليها ، فقال الخليفة : مَن أحمق الناس ؟ قال : رجل انْساق مع هوى صاحبه ، وصاحبه ظالم ، فباع آخرته بدنيا غيره ، فإذا باع الإنسان آخرته بدنياه ، أقول فيها ما يقال ، فهذا منتهى الحمق ، قال الخليفة: هل لك أن تصحبنا يا أبا حازم ، فتصيب منا ، ونصيب منك ، تنتفع من صحبتنا ، وننتفع من صحبتك ؟ قال : كلا يا أمير المؤمنين ، ما : قال لا ، كلا ، أداة ردع ، قال : ولمَ ؟ قال : أخشى أن أركن إليكم قليلاً ، فيذيقني الله ضعف الحياة ، وضعف الممات ، قال الخليفة : ارفع إلينا حاجتك يا أبا حازم ، فسكت ولم يجِبْ ، أعاد عليه القول : ارفع إلينا حاجتك يا أبا حازم نَقْضِها لك مهما كانت ، قال : حاجتي أن تنقذني من النار ، وأن تدخلني الجنة قال الخليفة : ذلك ليس من شأني يا أبا حازم ، قال : أبو حازم مالي من حاجة سواهما يا أمير المؤمنين ، واللهُ وصفَ المتقين قال :


(سورة الفرقان : من 63 ـ إلى 66) .

قال : يا أبا حازم ادعُ لي ، قال : اللهم إنْ كان عبدُك سليمان من أوليائك فيسِّره إلى خيرَي الدنيا والآخرة ، وإنْ كان من أعدائك فأصلحه ، واهدِهِ إلى ما تحب وترضى ، فقال أحد الحاضرين : بئس ما قلت منذ دخلتَ على أمير المؤمنين ، ما هذا ، وإن كان من أعدائك ؟ فلقد جعلت خليفة المسلمين من أعداء الله ، وآذيته بهذا الكلام ، فقال أبو حازم : بل بئس ما قلت أنت ، فلقد أخذ الله على العلماء الميثاق بأن يقولوا كلمة الحق ، فقال تعالى :


( سورة آل عمران : 187) .

ثم التفت إلى الخليفة ، وقال : يا أمير المؤمنين ، إن الذين مضوا قبلنا من الأمم الخالية ، ظلُّوا في خير وعافية ، ما دام أمراؤهم يأتون علمائهم رغبة بما عندهم ، ثم وُجِد قوم من أراذل الناس تعلَّموا العلم ، وأَتَوْا به الأمراء يريدون أن ينالوا به شيئاً من عرض الدنيا ، فاستغنَتِ الأمراء عن العلماء ، فتَعِسوا ونَكَثُوا ، وسَقطوا من عين الله عز وجل ، فالعالم يجب أن يزهد بما عند الحاكم، والحاكم ينبغي أن يرغب بما عند العالم ، فإذا انعكست الآية انتهى العلم ، وإذا زهِد الحاكمُ بما عند العالم ، ورغب العالمُ بما عند الحاكم فقدْ سقط العلم .

قال : ولو أن العلماء زهدوا فيما عند الأمراء ، لرَغِب الأمراءُ في علمهم ، ولكنهم رغبوا فيما عند الأمراء فزهِدوا فيهم ، وهانوا عليهم ، فقال الخليفة : صدقتَ ، زدني من موعظتك يا أبا حازم ، فما رأيت أحداً الحكمة أقرب إلى فمه منك ، فقال : إنْ كنتَ من أهل الاستجابة فقد قلتُ لك ما فيه الكفاية ، وإنْ لم تكن من أهلها فما ينبغي أن أرمي عن قوس ليس لها وتر ، فقال الخليفة : عزمتُ عليك يا أبا حازم أنْ توصيني ، قال نعم : أوصيك وأوجز ، عظِّم ربَّك عزوجل ونزِّههُ أن يراك حيث نهاك ، وأن يَفْقِدَك حيث أمرك ، ثمّ سلم وانصرف ، فقال له الخليفة : جزاك الله خيراً من عالم ناصح .

اجهد أن يراك حيث نهاك ، وألاّ يفتقدك حيث أمرك ، فما كاد أبو حازم يبلغ بيته حتى وجد أن الأمير قد بعث إليه بصرة مُلأتْ دنانير ، وكتب إليه يقول : أَنْفقها ولك مثلها كثيرٌ عندي ، فرَدَّها ، وكتب إليه يقول : يا أمير المؤمنين ، أعوذ بالله أن يكون سؤالك إياي هزلاً ، ورَدِّي عليك باطلاً ، فواللهِ ما أرضى ذلك يا أمير المؤمنين لك ، فكيف أرضاه لنفسي ، ما أرضى لك أن تعطيني هذا المبلغ ، فكيف أرضاه لنفسي ، يا أمير المؤمنين إنْ كانت هذه الدنانير لقاءَ حديثي لك فالميتة ولحم الخنزير في حال الاضطرار أحلُّ من هذه الدنانير ، وإن كانت حقاً لي من بيت مال المسلمين فهل سوَّيتَ بيني وبين الناس جميعاً في هذا الحق .

وكان منزل سلمة ابن دينار مورداً عذباً لطلاب العلم والصلاح ، ولا فرق في ذلك بين إخوانه وطلابه ، فقدْ دخل عليه مرة عبد الرحمن بن جرير ومعه ابنه ، وأخذا مجلسهما عنده ، وسلّما عليه ، ودعَوا له بخيرَي الدنيا والآخرة ، فردّ التحية بأحسن منها ، ورحّب بهما ، ثم دار بينهم الحديث ، قال عبد الرحمن ابن جرير : كيف نحظى بالفتوح يا أبا حازم ؟ الفتوح بمعنى فتوح القلب ، يعني اليقظة ، والاتصال بالله ، فقال أبو حازم : عند تصحيح الضمائر تُغفَر الكبائر، وإذا عزم العبدُ على ترك الآثام فتحَ عليه ، ولا تنسَ يا عبد الرحمن أن يَسِيرَ الدنيا يشغلنا عن كثير الآخرة .

قلت لأحدهم من يومين : أحياناً الإنسان يكون متلبِّسًا بمعاصٍ كثيرة ، فهذا محجوب ، فالمقدمة تكافئ النتيجة ، لكن الألم والندم لإنسان طاهر مستقيم ، مشغول بربه عز وجل ، فلا شيء يشغله ، ولا معاصي كبيرة حجبته عن ربه.

وكما قال أبو حازم : ولا تنسَ يا عبد الرحمن أن يَسيرَ الدنيا يشغلنا عن كثير الآخرة ، وكل نعمة لا تقرِّبك من الله عز وجل فهي نقمة ، فقال له ابنه : إن أشياخنا كثيرون ، فبمن نقتدي منهم؟ قال : يا بني اقتدِ بمَن يخاف الله في ظهر الغيب ، ويَعِفُّ عن التلبُّس بالعيب ، ويصلح نفسه في أوان الصبا ، ولا يرجئ ذلك إلى عهد الشيب ، واعلم يا بني أنه ما من يوم تطلع فيه الشمس، إلا ويقبل على طالب العلم هواه وعلمه ، ثم يتغالبان في صدره تغالبَ المتخاصمَيْن ، فإذا غلب علمُه هواه كان يومُه يومَ غُرم له ، وإذا غلب هواه علمَه كان يومُه يومَ خسران عليه .

كلكم طلاب علم ، هناك علم تعلمته من الكتاب والسنة ، وعندك رغبات ، فإذا غلب علمُك رغباتِك فهذا اليوم يومُ ربحٍ وغُرم ، وإذا غلب الهوى علمَك فهذا اليوم يومُ خسارة .

قال له عبد الرحمن : كثيراً ما حضضتنا على الشكر يا أبا حازم ، فما حقيقة الشكر ؟ قال أبو حازم : لكل عضو من أعضائنا حقٌّ علينا من الشكر ، قال عبد الرحمن : وما شكرُ العينين ؟ قال : إن رأيتَ بهما خيراً أعلنته ، وإنْ رأيت بهما شراً سترته ، قال : فما شكرُ الأذنين ؟ قال : إن سمعت بهما خيراً وعيتَه ، وإنْ سمعتَ بهما شراً دفنته ، قال : فما شكرُ اليدين ؟ قال : ألاّ تأخذَ بهما ما ليس لك ، وألاّ تمنع بهما حقًّا مِن حقوق الله ، قال : ولا يَفُتْكَ يا عبد الرحمن أن من يقصُر شكرَه على لسانه ، ولا يشرك معه جميعَ أعضائه وجنانه ، فمَثلُه كمثل رجل له كساء غير أنه أخذ بطرفه ولم يلبسْه .

هناك شكر اللسان ، وشكر القلب ، وشكر العمل ، فمن الناس مَنْ يشكر بالكلام فقط ، يا رب لك الحمد ، لكن لا يخدم إنسانًا ، وليس في قلبه امتنان ، ولا في سلوكه ما يؤكد ذلك .

في ذات سنة نفَرَ سلمة بن دينار مع جيوش المسلمين المتجهة إلى بلاد الروم ، يبتغي الجهاد في سبيل الله ، فلما بلغ الجيش آخر مرحلة من مراحل السفر ، آثر الراحة والاستجمام ، قبل أن يلقى العدو ، ويخوض المعارك ، وقد كان في الجيش أميرٌ من أمراء بني أمية ، فأرسل هذا الأمير رسولاً إلى أبي حازم يقول له : إنّ الأمير يدعوك إليه لتحدثه ، وتفقِّهه ، فكتب إلى الأمير يقول : أيها الأمير ، لقد أدركتُ أهل العلم ، وهم لا يحملون الديَن إلى أهل الدنيا ، ولا أحسبك تريد أن أكون أولَ من يفعل ذلك ، فإنْ كانت لك بنا حاجة فأْتِنا ، والسلام عليك وعلى من معك ، فلما قرأ الأمير الرسالة مضى إليه وحيّاه وبيّاه ، وقال : يا أبا حازم ، لقد وقفنا على ما كتبتَه لنا ، فازددتَ به كرامةً عندنا ، وعزةً لدينا ، فذكِّرْنا وعِظْنا ، جُزيتَ عنا خيرَ الجزاء ، فطفِق أبو حازم يعظه ، ويذكّره ، وكان من جملة ما قاله له : انظر ما تحب أن يكون معك في الآخرة ، فاحرصْ عليه في الدنيا ، ماذا تحب أن يكون في قبرك ، العمل الصالح ، والاستقامة ، فاحرص عليهما في الدنيا ، وانظر ما تكره أن يكون معك هناك فازهدْ فيه هنا ، واعلم أيها الأمير أنه إن نفق الباطل عندك وراج أقبل عليك المبطلون المنافقون ، والتفّوا حولك ، وإن نفق عندك الحق وراج التفّ حولك أهلُ الخير وأعانوك عليه ، فاختَرْ لنفسك ما يحلو ، ولمّا أقبل الموتُ على أبي حازم قال له أصحابه : كيف تجدك يا أبا حازم ؟ فقال : لئِن نجَوْنا مِن شرِّ ما أصبناه من الدنيا فما يضرّنا ما زُوِيَ عنا منها ، ثم قرأ الآية الكريمة :


(سورة مريم : 96) .

وما زال يردِّدها حتى أتاه اليقين .

فهذا هو أبو حازم ، سلمة بن دينار ، أحد التابعين الأجلاّء ، الذي أوتي الحكمة على لسانه ، وكأنه ينطق بها عفواً ، وله هذا الحوار الطويل مع سليمان بن عبد الملك ، ومع بعض أصدقائه وتلاميذه ، وفي كل كلمة قالها أبو حازم حكمةٌ ما بعدها حكمة ، وهذا العلم هو الذي ينفع الإنسان في الدنيا وفي الآخرة .

والحمد لله رب العالمين

ابو عمر المصرى
12-13-2007, 12:12 PM
: القاسم بن محمد بن أبي بكر







بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا لا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علَّمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقًّا ، وارزقنا اتِّباعه ، وأرنا الباطل باطلا ، وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

أيها الإخوة المؤمنون ؛ مع الدرس الثامن عشر من سير التابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ، والتابعي اليوم هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، حفيدُ سيدنا الصديق .

هذا التابعيُّ الجليل جمع المجدَ من أطرافه كلها ، فأبوه محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وبالمناسبة أيها الإخوة النسب تاج يُتوَّج به المؤمن ، أما إن لم يكن هناك إيمان فلا قيمةَ له إطلاقا ، وأكبر دليل قوله تعالى :


[سورة المسد]

أبو لهب عمُّ النبي ، والدليل الثاني قول النبي صلى الله عليه و سلم : سلمان منا آل البيت " ، وسلمان فارسي ، وقوله : نعم العبد صهيب " أنا جدُّ كل تقي و لو كان عبدا حبشيا " هذه حقيقة ، النسب لا يُعتدُّ به ، ولا يُفتخر به ، ولا قيمة له إلا إذا جاء بعد الإيمان : يا فاطمة بنت محمد ، يا عباس عم رسول الله أنقذا نفسيكما من النار ، أنا لا أغني عنكما من الله شيئا ، لا يأتيني الناس بأعمالهم ، وتأتوني بأنسابكم ، من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه " أما إذا كان هناك إيمان ، وأنت من أسرة شريفة ، هذا تاج تتوَّج به ، لذلك لا ينبغي أن نصغي أبدا لإنسان متلبِّس بمعصية يدَّعي أنه ابن فلان ، وجدُّه فلان ، ومن هذه الأسرة الكريمة ، هذا كلام لا يقدِّم ، ولا يؤخِّر أبوه محمد بن أبي بكر الصديق ، وأمُّه بنتُ كسرى يزدجرد ، آخر ملوك الفرس ، والدته بنت ملك ، وعمَّته عائشة بنت أبي بكر ، وفوق هذا و ذاك كان تقيًّا عالما ، نهاية العلم التوحيدُ ، ونهاية العمل التقوى ، وتعلموا العلم فإن كنتم سادة فُقتم ، وإن كنتم وسطا سُدتم ، وإن كنتم سوقةً عشتم ، أحيانا الإنسان يشعر أنه ليس له أسرة راقية يفتخر بها ، وليس معه رأس مال ضخم يعيش به حياة ناعمة ، باب العلم مفتوح لكل الناس ، إنسان فقير ، إنسان مغمور ، فباب العلم بإمكان كل إنسان أن يدخل منه ، وإذا دخل منه تفوَّق ، أحد خلفاء بني أمية أراد أن يسأل عالما جليلا ، هذا العالم أسود اللون ، أفطس الأنف ، مفلفل الشعر ، وكان من كبار العلماء ، وقف أحدُ أكبر خلفاء بني أمية بين يديه متأدِّبا وسأله ، و العالم يجيب ، فقال الخليفةُ لأولاده : انظُر يا بنيَّ إلى ذلِّنا بين يديه ، رتبة العلم أعلى الرتب ، أي إذا أردتَ الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، و إذا أردتهما معا فعليك بالعلم .

هذا التعليق أردتُ منه أنّ أيَّ إنسان يشكو أنه غير معروف ، مغمور ، فقير، لا حصّل مجد المال ، ولا حصَّل مجدا اجتماعيا معيَّنا ، نقول له : باب العلم مفتوح لك ، إذا تفوَّقتَ في العلم بإمكانك أن تصل إلى أعلى مرتبة ، مثلا ، تجد أكبر شخصية أمام الطبيب مثل الطفل ، ماذا أفعل يا دكتور ، قد يكون الطبيبُ متفوِّقا ، لكنه كان في الأصل مغمورا ، ولما صار طبيبا ، وتفوَّق ، فأكبر الشخصيات يستفتونه في شأن صحَّتهم ، يسألون خبيرًا اقتصاديًّا ، وأحيانا يُستشار من قِبَل أعلى مستوى ، أحيانا خبير حقوقي يُستشار ، والحقيقة الذي يحمي العالَم العلماءُ والرؤساء ، في كل أنحاء العالَم لا يتَخذون قرارا إلا بعد استشارات من العلماء ، فالعلم هو الأساس ، ففوق أنّ أمه بنت كسرى ، وأن أباه محمد بن أبي بكر ، فوق هذا وذاك كان عالما تقيًّا.

الحقيقة هناك نقطة مهمة أيها الإخوة ، أنت إنسان كائن ، تأكل ، وتشرب ، وتنام ، وتعمل ، وتتزوج ، وتنجب ، أيُّ مخلوق آخر له نفس الخصائص ، أيُّ مخلوق غير إنساني يأكل ، ويشرب ، ويتزوج ، ويعمل ، والإنسان إذا ألغى العلمَ من حياته ، وألغى طلب العلم فقد ألغى إنسانيته ، والإنسان إذا ألغى العلم ولم يطلبه فقد هبط من مستوى إنسانيته إلى مستوى آخر ، فالذي يؤكِّد إنسانيتك علُمك و أخلاقُك ، تذكرون أحد التابعين ، قيل عنه : كان قصير القامة ، أسمر اللون ، مائل الكتف ، غائر العينين ، ناتئ الوجنتين ، أحنف الرجل ، ليس شيءٌ من قُبحِ المنظر إلا وهو آخذٌ منه بنصيب ، وكان مع ذلك سيدَ قومه ، إذا غضِبَ غضِبَ لغضبته مائة ألف سيف ، لا يسألونه فيما غضب ، وكان إذا علم أن الماءَ يفسد مروءته ما شربه ، فالذي يؤكِّد إنسانية الإنسان علمُه و أخلاقُه ، وما سوى العلم و الأخلاق هو وبقية المخلوقات سيان .

القاسم بن محمد بن أبي بكر أحد فقهاء المدينة السبعة ، وأفضل أهل زمنه علما وأحدُّهم ذهنا ، وأشدُّهم ورعا ، فما قصَّة هذا التابعي الجليل ؟

هناك سؤال صغير ، يا تُرى حدَّة الذهن أليست هبةً من الله عزوجل ؟ هبة ، إلا أن الذي أعرفه أن الإنسان إذا كان مطلبُه عاليا جدا آتاه اللهُ القدرات العقلية و البيانية ، حيث تلبِّي هذا الطلب العالي ، فكلُّ إنسان يعطيه الله من الإمكانات و القدرات العامة والخاصة ما يتناسب مع مطلبه الثمين ، هناك شخص تنتهي كلُّ طموحاته عند الزواج ، تنتهي كل طموحاته عند حيازة المال ، تنتهي كل طموحاته إذا حقَّق مكانة اجتماعية ، ليس له أهداف كبيرة أخروية ، هذا الإنسان يعطيه الله من الإمكانات ما يتناسب مع هذه المطالب المتواضعة ، لكن هؤلاء الذين أرادوا هداية البشر يعطيهم الله إمكانات فكرية وعقلية وبيانية تفوق حدَّ الخيال ، لذلك من خصائص الأنبياء الفطانة ، والنبيُّ عليه الصلاة و السلام ، دعونا من نبوَّته ومن رسالته فهو شخصية فذَّة ، كان يفهم أدقَّ الأمور ، ويتصرَّف بحكمة ما بعدها حكمة ، قلت لكم مرة : إن أصحابه الأنصار لما وجدوا عليه في أنفسهم ، صارت هناك حركة ضده ، ما أعطاهم من الغنائم شيئا ، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ لَمَّا أَعْطَى رَسُولُ اللـَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَعْطَى مِنْ تِلْكَ الْعَطَايَا فِي قُرَيْشٍ وَقَبَائِلِ الْعَرَبِ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ وَجَدَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ الْأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى كَثُرَتْ فِيهِمْ الْقَالَةُ حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمَهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللـَّهِ إِنَّ هَذَا الْحَيَّ قَدْ وَجَدُوا عَلَيْكَ فِي أَنْفُسِهِمْ لِمَا صَنَعْتَ فِي هَذَا الْفَيْءِ الَّذِي أَصَبْتَ قَسَمْتَ فِي قَوْمِكَ وَأَعْطَيْتَ عَطَايَا عِظَامًا فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنْ الْأَنْصَارِ شَيْءٌ قَالَ فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَنَا إِلَّا امْرُؤٌ مِنْ قَوْمِي وَمَا أَنَا قَالَ فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ قَالَ فَخَرَجَ سَعْدٌ فَجَمَعَ النَّاسَ فِي تِلْكَ الْحَظِيرَةِ قَالَ فَجَاءَ رِجَالٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ فَتَرَكَهُمْ فَدَخَلُوا وَجَاءَ آخَرُونَ فَرَدَّهُمْ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا أَتَاهُ سَعْدٌ فَقَالَ قَدْ اجْتَمَعَ لَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ الْأَنْصَارِ قَالَ فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ ثُمَّ قَالَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ مَا قَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَلَمْ آتِكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمْ اللَّهُ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمْ اللَّهُ وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ قَالُوا بَلْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ وَأَفْضَلُ قَالَ أَلَا تُجِيبُونَنِي يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ قَالُوا وَبِمَاذَا نُجِيبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ قَالَ أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاكَ وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ وَعَائِلًا فَأَغْنَيْنَاكَ أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنْ الدُّنْيَا تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلَامِكُمْ أَفَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِحَالِكُمْ فَوَ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنْ الْأَنْصَارِ وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا وَسَلَكَتْ الْأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْأَنْصَارَ وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ قَالَ فَبَكَى الْقَوْمُ حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ وَقَالُوا رَضِينَا بِرَسُولِ اللَّهِ قِسْمًا وَحَظًّا ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَفَرَّقْنَا *

[رواه أحمد]
إنها فتنة ، فكيف أنّ النبيُّ أوَّلاً بوفائه وعفوه ورحمته وحكمته وبسياسته حلَّ مشكلتهم ، حتى بكوا وأخضلوا لحاهم " .

مرة قلت لكم : إن أحــد الخلفاء جاءته رسالةٌ من مواطن عادي : أما بعد ؛ فيا معاوية – مباشرة ، لا أمير المؤمنين ، ولا خليفة ، ولا شيئا من هذا - إن رجالك قد دخلوا أرضي ، فَانْهَهُمْ عن ذلك ، وإلا كان لي ولك شأنٌ ، والسلام " ، مباشرة ، أعطاها لابنه ، فلما قرأها صار يرجف، قال :" أرى أن ترسل له جيشا أولُه عنده و آخره عندك يأتوك برأسه "، تبسَّم سيدنا معاوية ، وقال له : غيرُ هذا أفضل ، كتب : اكتب للكاتب : أما بعد فقد وقفتُ على كتاب ولد حواري رسول الله ، ولقد ساءني ما ساءه ، و الدنيـا كلها هيِّنة جنب رضاه ، لقد نزلت له عن الأرض ومن فيها " ، ويأتي الجوابُ : أما بعد ؛ فيا أمير المؤمنين ، أطال اللهُ بقاءك ، ولا أعدمك الرأيَ الذي أحلَّك من قومك هذا المحلَّ " ، يأتي ابنُه ، ويقول له : يا بنيَّ انظر ، تريد أن نبعث له جيشا أوله عنده و آخره عندنا ، يأتون برأسه ، حروب عشر سنوات ، هذا الكلام الطيِّب أطفأ الفتنةَ ، قال له : يا بني من عفا ساد ، و من حلُم عظُم ، و من تجاوز استمال إليه القلوبَ".

مرَّ معي حديثٌ دقيق ، قال عليه الصلاة و السلام : الإنسان إذا كظم غيظه ، و عفا أورثه اللهُ أمنا وإيمانا " ، هذا الحديث دقيق جدا ، لمّا يعفو الإنسان عن خصومه ، ما الذي يحدث ؟ أولا : ييقى الطريقُ إلى الله سالكا ، لأنه عمل عملا يرضي اللهَ ، ويزداد إيمانه ، ثانيا : هذا الذي عفوتَ عنه أحبَّك ، وذاب في حبِّك ، فأنت اطمأننت ، أما لو انتقمت منه ، صار جوُّك متوتِّرا ، في قلق ، طبعا العنفُ لا يأتي إلا بالعنف ، هذه قاعدة ، العنف لا يلد إلا العنف ، لما تنتقم سيتحرَّك المنتَقم منه لينتقم منك ثانية ، إلى سلسلة لا نهاية لها ، لو يعلم الناسُ ما في العفو من راحة نفسية ، ومن سعادة ، ومن لَمِّ الشمل ، ومن تكتُّل الناس بعضِهم بعضا لاتّخذه سبيلا في حياته ، أما الانتقام دائما فيسبِّب العنف الذي لا يلد إلا العنف .

هذا التابعي الجليل وُلد في أواخر خلافة عثمان بن عفان ، هذا الطفل الصغير له قصة ، والدُه عُيِّن واليًا على مصر ، وقُتِل والدُه في مصر ، فنُقــل مرة ثانية إلى المدينة ، تبدأ القصةُ حينما يتحدَّث هو عن نفسه ، يقول : لما قُتل أبي بمصر جاء عمي عبد الرحمن بن أبي بكر فاحتملني أنا وأختي الصغيرة ، ومضى بنا إلى المدينة ، هذه القصة الآن محورها أثر التربية في شخصية الإنسان ، فما إن بلغناها حتى بعثت إلينا عمَّتي عائشة رضي الله عنها - واللهِ أيها الإخوة المرأة إذا قامت بواجباتها خير قيام تصنع الرجالَ ، و كما ورد لما : امرأة شكت إلى النبي صلى الله عليه وسلم زوجَها ، وسمع الله شكواها من فوق سبع سماوات ، قالت : يا رسول الله : إن زوجي تزوَّجني وأنا شابة ، ذات أهل و مال ، فلما كبرت سني ، و نثر بطني ، و تفرق أهلي ، وذهب مالي قال : أنتِ عليَّ كظهر أمي ، ولي منه أولاد ، إن تركتهم إليه ضاعوا - هي المربِّية - وإن ضممتهم إليَّ جاعوا ، الآن تلاحظ الأشخاص الناجحين في حياتهم أحد أكبر أسباب نجاحاتهم تلقوا تربية جيِّدة حينما كانوا صغارا ، والتربية البيتية لها أثر كبير جدا في مستقبله ، الذي عنده أولاد ، فأكبر ثروة ، وأعظم عمل ، وأكبر سعادة أن تصُبَّ كلَّ اهتمامك عليهم ، حتى يتربَّوا تربية عالية ، اسمعوا هذا الكلام ، وأنا أعني ما أقول بشكل دقيق ، لو وصلت إلى أعلى مستوى ماليٍّ في العالم ، لو كان حجمُك أربعون ألف مليون دولار ، لو وصلت إلى أكبر حجم من القوة في العالم ، وملكت زمام الدنيا ، لو وصلت إلى أكبر مرتبة دينية في العالم ، فصرت عالم العلماء ، ولم يكن ابنُك على شاكلتك لشقيتَ به ، الإنسان يشقى بشقاء أولاده ، والآباء الشباب هذه الحقيقة لا يلتفتون إليها ، أما حينما يكبر أولادهم ، وينحرفون يعضُّون على أناملهم ندما ، تربية الأولاد أجلُّ عمل يفعله الإنسان في حياته ، تربية الأولاد استمرار لحياتك من بعدك .

الآن سنلاحظ ماذا فعلت هذه العمةُ الجليلة السيدة عائشة ، قال : فحملتنا من منزل عمنا إلى بيتها ، وربَّتنا في حجـرها ، فما رأيتُ والدةً قط ، ولا والدا أكثر منها برًّا ، ولا أوفر منها شفقة ، كانت تطعمني بيديها ، ولا تأكل معنا ، فإذا بقي من طعامنا شيءٌ أكلته ، السيدة عائشة ، وكانت تحنو علينا حنوَّ المرضعات على الفطيم ، تغسل أجسادنا ، وتمشِّط شعورنا ، وتلبسنا الأبيضَ الناصعَ من الثياب ، و كانت لا تفتأ تحضُّنا على الخير ، وتمرّسنا بفعله ، وتنهانا عن الشرِّ ، وتحملنا على تركه ، وقد دأبت على تلقيننا ما نطيقه من كتاب الله تعالى ، وتروي لنا ما نعقله من حديث رسول الله ، وكانت تزيدنا برًّا وإتحافا في العيدين ، فإذا كانت عشيِّةُ عرفة حلقت لي شعري، وغسلتني أنا وأختي ، فإذا أصبحنا ألبستنا الجديدَ ، و بعثت بنا إلى المسجد النبوي لنؤدِّي صلاة العيد ، فإذا عُدنا منه جمعتني أنا وأختي وضحَّت بين أيدينا ، هذه السيدة عائشة .

يا أيها الإخوة الكرام ؛ يقول عليه الصلاة و السلام يخاطب امراةً يقول : اعلَمي أيتها المرأة ، و أعِلمي من دونكِ من النساء أن حسنَ تبعُّل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله " ، فالمرأة الصالحة أولادها شهاداتها ، قد ترقى المرأةُ الصالحةُ إلى أعلى مرتبة بحسن رعايتها لزوجها وأولادها ، فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ



((مَا اسْتَفَادَ الْمُؤْمِنُ بَعْدَ تَقْوَى اللَّهِ خَيْرًا لَهُ مِنْ زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ ، إِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ ، وَإِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ ، وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ ، وَإِنْ غَابَ عَنْهَا نَصَحَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ)) .

[رواه ابن ماجه]
أي هندامها جيِّد ، تعتني بمظهرها لزوجها ، لا للطريق ، و لكن هناك رواية للحديث" و إذا نظرت سرتك " ما قال : إليها ، أي إذا نظرت إلى الأولاد ، مرتَّبين في الملبس والهيئة ، شعورهم مهندمة، ثيابهم نظيفة ، نظرت إلى المطبخ نظيفة ، وإلى غرفة النوم مرتبة ، و إذا نظرت سرتك"، أي إذا قامــت المرأة بحقِّ زوجها و أولادها فهي مع رسول الله في الجنة ، قال عليه الصلاة و السلام : " أيما امرأة قعدت على بيت أولادها فهي معي في الجنة " ، ما كان يخطر على بالنا أن هذه السيدة عائشة رضي الله عنها بهذا الاهتمام ، وهذا العطف .

مرة ثانية ، فما أنْ بلغنا المدينـة حتى حملتني أنا وأختي إلى بيتها ، وربَّتنا في حجرها ، فما رأيتُ والدةً قط ، ولا والدًا أكثر منها بِرًّا ، ولا أوفر شفقة ، كانت تطعمني بيديها ، ولا تأكل معنا، فإذا بقي من طعامنا شيءٌ أكلته ، السيدة عائشة ، وكانت تحنو علينا حنوَّ المرضعات على الفطيم ، تغسل أجسادنا ، وتمشِّط شعورنا ، وتلبسنا الأبيضَ الناصعَ من الثياب ، وكانت لا تفتأ تحضُّنا على الخير ، وتمرّسنا بفعله ، وتنهانا عن الشرِّ ، وتحملنا على تركه ، وقد دأبت على تلقيننا ما نطيقه من كتاب الله تعالى ، وتروي لنا ما نعقله من حديث رسول الله ، عناية مادية ، وعناية علمية ، إطعام ، ثياب نظيفة ، تعليم القرآن ، وتعليم السنة ، هذه المرأة التي تهزُّ سرير ابنها بيسراها ، وتهزّ العالم بيمناها ، المرأة إذا عرفت ربَّها ، وعرفت مهمَّتها في الحياة فهذا شيء لا يُقدَّر بثمن ، لذلك أكبر واجب مُلْقًى على كاهلك اتِّجاهَ أولادك أن تحسن اختيار أمهم ، قبل أن تخطب عُدَّ للمليون ، هذه أمُّ أولادك ، هذه سوف تربي أولادك ، أخلاقها ، وعلمها ، واستقامتها ، وعفتها ، وأمانتها ، و صدقها ، وتربيتها ، ومستواها الاجتماعي ، ومستواها الثقافي، شيء خطير جدًّا .

وفي ذات يوم ألبستنا ثيابا بيضًا ، ثم أجلستني على إحدى ركبتيها ، وأجلست أختي على ركبتها الأخرى ؛ الطفل لا ينسى ، الطفل الصغير لا ينسى الإكرام ، و لا ينسى الحنان ، والعطف ، والرعاية ، طعامه مؤمَّن ، ولباسه مؤمَّن ، إذا مرض بسرعة نحكِّمه ، لباسه في الشتاء جيِّدة ، تقيه البرد ، غرفته نظيفة ، هذا يُغرس معه ، أي حينما تخرج المرأة من بيتها ، وتهمل أولادها فقد خانت أمانة الله ، و كانت قد دعت عمِّي عبد الرحمن ، فلما دخل عليها حيَّته ، ثم تكلمت ، القاسم بن محمد وأخته على يسراها ، ودعت أخاها عمي عبد الرحمن ، فلما دخل عليها حمدت اللهَ عزوجل ، وأثنت عليه بما هو أهلُه ، فما رأيتُ متكلِّما قطُّ من رجل أو امرأة قبلها ولا بعدها أفصحَ منها لسانا ، ولا أعذبَ منها بيانا ، ثم قالت : أي أخي إني لم أزل أراك معرضا عني منذ أخذتُ هذين الصبيين منك ، وضممتُهما إليَّ ، يبدو أن أخاها عندما أخذت منه أختُه هذين الصبيين تألَّم فأعرض عنها ، فلما اعتنت بهما العناية الفائقة ، وأصبحا في سنٍّ يكفيان نفسيهما دعت أخاها ، وقالت : أي أخي إني لم أزل أراك معرضا عني منذ أخذت هذين الصبيين منك ، و ضممتهما إليَّ، و واللهِ ما فعلتُ ذلك تطاولا عليك ، ولا سوء ظنّ بك ، واتِّهاما لك بالتقصير في حقِّهما ، ولكنك رجل ذو نساء ، عندك عدة زوجات ، وهما صبيان صغيران لا يقومان بأمر نفسيهما ، فخشيتُ أن يرى نساؤُك منهما ما يستقذرنه ، فلا يطبن بهما نفسا ، ووجدتُ أني أحقُّ منهن بالقيام على أمرهما في هذه الحال ، وها هما الآن قد شبَّا ، وأصبحا قادرين على القيام بأمر نفسيهما ، فخذهما ، وضمَّهما إليك ، أي حينما كانا يحتاجان إلى تنظيف ورعاية ، آثرت السيدة عائشة أن تأخذ الطفلين إليها ، فلما صارا في مستوى يقومان بأمر نفسيهما، قالت لأخيها : خذهما ، طِب بهما نفسا ، فأخذنا عمي عبدُ الرحمن ، وضمَّنا إلى بيته ، بيد أن الغلام البكري ظلَّ معلَّق القلب ببيت عمَّته أمِّ المؤمنين رضوان الله عليها .

الذي يربِّي أولادًا ، يا إخواننا الولد والطفل الصغير يجب أن يرضع الحنان مع حليب أمِّه ، تجد الآن مواقف في العالم قاسية جدا ، تستغرب ، هل تعلم ما السبب ؟ ستون بالمائة من أطفال العالَم الغربي أطفال زنا ، لقطاء ، ما شرب حنان الأم إطلاقا ، ولا حنان الأب ، ولا عرف مرضعة ، إلا مربية في مستشفى ، أو في مصحٍّ، لكن لا شيء يعوِّض عن الأم ، فالذي يرضع مع حليب أمه العطف و الحنان يصبح إنسانا رحيما ، لا يتَّخذ قرارًا قاسيا جدا ، الآن في العالَم أعمال إجرامية فوق حدِّ الخيال ، والسبب هذه تصدر عن قلوب ليس فيها الرحمة إطلاقا ، والرحمة أساسا يأخذها الإنسانُ مع حليب أمِّه .

أيها الإخوة ؛ يقول هذا التابعيُّ الجليل : قلتُ ذات يوم لعمتي عائشة رضي الله عنها : يا عمَّتي اكشِفي لي عن قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه ، فإني أريد أن أراهما ، وكانت القبورُ الثلاثة ما زالت داخل بيتها ، وقد غطَّتها بما يسترها عن العين ، فكشفت لي عن ثلاثة قبور ، لا مشرفة و لا واطئة ، قد مهِّدت بصغار الحصى الحمر ، مما كان في باحة المسجد ، فقلتُ : أين قبرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فأشارت بيدها ، وقالت : هذا ، ثم تحدَّرت على خدَّيها دمعتان كبيرتان ، فبادرتْ فمسحتْهما حتى لا أراهما ، وكان قبرُ النبي صلى الله عليه وسلم مقدَّما على قبر صاحبيه ، فقلت : وأين قبر جدي أبي بكر ؟ قالت : هو ذا ، وكان مدفونا عند رأس النبي صلى الله عليه وسلم ، فقلتُ : وهذا قبرُ عمر ؟ قالت : نعم ، وكان رأسُ عمر رضوان الله عليه عند خصر جدي قريبا من رجل النبي عليه الصلاة و السلام .

ولما شبَّ الفتى البكري كان قد حفظ كتاب الله تعالى ، وأخذ عن عمته عائشة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء له أن يأخذ ، ثم أقبل على الحرم النبوي الشريف ، وانقطع إلى حلقات العلم التي كانت تنتشر في كل ركن من أركانه ، فروى عن أبي هريرة رضي الله عنه ، وعن عبد الله بن عمر ، و عن عبد الله بن عباس ، وعن عبد الله بن الزبير ، وعبد الله بن خبَّاب ، ورافع بن خديج ، وأسلم مولى عمر بن الخطاب ، وغيرهم وغيرهم ، أي تلقَّى العلمَ عن كبار العلماء في عصره ، حتى غدا إماما مجتهدا ، وأصبح من أعلم أهل زمانه بالسنة ، وكان الرجلُ لا يُعدُّ رجلا عندهم حتى يتقن السنة ، لأن السنة فيها تبيان للقرآن الكريم ، وربُّنا عزوجل حينما حفظ كتابه ، قال العلماء : إن حفظ السنة من لوازم حفظ الكتاب ، لأن السنة مبيَّنة للكتاب .

ولما اكتمل لهذا الشاب البكري العلمُ صار معلِّما ، قالوا : تعلَّموا قبل أن ترأسوا ، فإن ترأستم فلن تعلموا ، فالإنسان في طور البناء الذاتي مهما اجتهد في ترسيخ علمه ، وفي تمكين نفسه من الحقائق الناصعة مع أدلَّتها فهذا مما يعينه على العطاء ، ولم يمضِ وقتٌ طويل حتى أصبح القاسمُ بن محمد وابن خالته سالم إمامي المدينة الموثوقين ، فقد سوَّدهما الناسُ لِما كان يتحلَّيان به من التقى والورع ، وقد بلغ من مكانتهما في النفوس أن خلفاءَ بني أمية وولاتهم كانوا لا يقطعون أمرا ذا بالٍ في شأن من شؤون المدينة إلا برأيهما .

مرة الوليدُ بن عبد الملك عزم على توسعة الحرم النبوي الشريف ، ولم يكن في وسعه تحقيقَ هذه الأمنيــة الغالية إلا إذا هدم المسجدَ القديم من جهاته الأربع ، و أزال بيوت زوجات النبي صلوات الله عليه ، وضمَّهما إلى المسجد ، وهي أمورٌ تشقُّ على الناس ، ولا تطيب نفوسُهم بها ، فكتب إلى عمر بن عبد العزيز واليه على المدينة يقول : لقد رأيتُ أن أوسِّع مسجدَ رسول الله صلى الله عليه و سلم ، حتى يصبح مائتي ذراع في مائتي ذراع ، فاهدِم جدرانه الأربعة ، وأدخل فيه حجَر زوجات النبي ، واشترِ ما في نواحيه من البيوت ، وقدِّم القبلةَ إن قدرت ، و إنك تستطيع ذلك لمكان أخوالك آل الخطاب ، فإن أبى عليك أهلُ المدينة ذلك - إذا لم يقبلوا - فاستعن بالقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر ، وأشركهما معك في الأمر ، وادفع إلى الناس أثمانَ بيوتهم بسخاء ، وإن لك في ذلك سلف صدق ، هم عمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان اللذان وسَّعا المسجد ، فدعا عمرُ بن عبد العزيز القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وطائفة من وجوه أهل المدينة ، وقرأ عليهم كتابَ أمير المؤمنين ، فسُرُّوا بما عزم عليه ، وهبُّوا لإنفاذه ، فلما رأى أهلُ المدينة عالمي المدينة وإماميها الكبيرين يباشران في هدم المسجد بأيديهما قاموا معهما قومةَ رجل واحد ، أي لم يكن في الإمكان أبدا أن تنهدم حجرةُ النبي ولا الجدران الأربعة إن لم يقبل هذا التابعي الجليـل ، هو قبِل ، واقتنع بالأمر ، فهدم بيده هذه الجدران ، حتى أقبل الناسُ على هذا العمل العظيم في توسعة المسجد .

لما علِم ملِكُ الروم بعزم أمير المؤمنين بتوسعة المسجد أحبَّ أن يصانعهم ، و يتقرَّب بما يسرُّه، بعث إليه بمائة ألف مثقال من الذهب ، وأرسل معها مائة عامل من أمهر البنَّائين في بلاد الروم ، كيف كان للمسلمين شأنٌ كبير ، أراد ملك الروم أن يتقرَّب إلى الخليفة بإرسال هذه الخبرات الفنية مع العمال ، وزوَّد العمالَ بأربعين حِملا من الفسيفساء ، فأرسل الوليدُ هذا كلَّه إلى عمر بن عبد العزيز ليستعين به على البناء فأنفذه عمرُ بمشورة القاسم بن محمد .

مرة هناك أعرابي دخل المسجد فقال : أيهما أعلم أنت أم سالم ؟ فتشاغل عنه القاسمُ ، أعاد عليه السؤال ، فقال : سبحان الله ، أعاده مرة ثالثة ، فقال له : ذاك سالم يا بن أخي يجلس هناك فقال : من في المجلس ؟ للهِ أبوه ، لقد كره أن يقول : أنا أعلم منه فيزكِّي نفسَه ، و كره أن يقول: هو أعلم مني فيكذب ، و كان أعلمَ من سالم ، كانة هناك أدب جمٌّ.

مرة كان في مِنًى ، و الناسُ حوله متحلِّقون يسألونه ، فيقول في بعض السؤال : لا أدري ، لا أعلم ، فأخذهم العجبُ ، فقال لهم : واللهِ ما نعلم كلَّ ما تسألون عنه ، ولو علمناه ما كتمناه ، ولا يحلُّ لنا أن نكتمه ، ولأنْ يعيش الرجلُ جاهلا بعد أن يعرف حقَّ الله عليه خيرٌ له من أن يقول لشيء لا يعلم : أعلمه ، القصة مشهورة ، إمام دار الهجرة ؛ الإمام مالك جاءه وفدٌ من الأندلس معه سبع وثلاثون سؤالا ، الوفد قطع شهرين من السفر ، فأجاب عن بعض الأسئلة ، وعن البعض الآخر قال : لا أدري ، ما صدَّقوا ، الإمام مالك لا يدري ، فقال لهم بأعلى صوته : قولوا لمن في المغرب الإمام مالك لا يدري " ، ونصف العلم : لا أدري ، وكلمة لا أدري لا يقولها إلا المتورِّع ، هذه وسام شرف ، أن تقول : لا أدري ، أما أن تقول لكل شيء : أدري معنى ذلك لا تدري شيئا ، لذلك يظلُّ المرءُ عالما ما طلب العلمَ ، فإذا ظنَّ أنه قد علم فقد جهِل .

أتاه اليقينُ وهو في سنٍّ متقدِّمة ، قصَد مكةَ يريد الحجَّ ، وفيما هو في بعض طريقه أتاه اليقينُ، فلما أحسَّ بالأجل التفت إلى ابنه ، وقال : إذا أنا متُّ فكفِّني بثيابي التي كنتُ أصلي بها ، قميصي، وإزاري ، وردائي ، فذلك كان كفنُ جدِّك أبي بكر ، ثم سوِّ عليَّ لحدي ، والحق بأهلك ، وإياكم أن تقفوا على قبري ، وتقولوا : كان وكان ، فما كنتُ شيئا ، فالتواضعُ يتناسب مع بلوغ أعلى مراتب العلم والتقوى ، ودائما الشيء الفارغ له صوت كبير ، والشيء المليء صوته خفيٌّ ، فكان هذا التابعي الجليل من أورع التابعين ، ومن أشدِّهم علما ، وقد أمضى حياته بهذه الطريقة .

أرجو الله سبحانه وتعالى أن تكون هذه السيرُ عن التابعين الأجلاَّء باعثا لنا على طلب العلم ، وعلى التخلّق بأخلاق النبيِّ عليه الصلاة السلام ، كما قلتُ في أول الدرس ، إذا فاتَ الإنسانَ مجدُ المال ، وفاته مجدُ النسب ، وفاته مجدُ الشأن الاجتماعي ، فبابُ العلم مفتوحٌ لكل مَن فاتته هذه الأمجادُ ، وبإمكانه أن يصل إلى أعلى المراتب عن طريق العلم .

أختم كلمتي بهذا القول : إذا أردتَ الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردتَ الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معًا فعليك بالعلم .

و الحمد لله رب العالمين

ابو عمر المصرى
12-13-2007, 12:12 PM
محمد بن الحنفية بن سيّدنا عليّ






بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الواعد الأمين ، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم ، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا ، وانْفعنا بما علَّمتنا ، وزِدنا علمًا ، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطلا وارزقنا اجْتِنابه ، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس العشرين من دروس التابعين رِضْوان الله تعالى عليهم أجمعين ، وتابعيّ اليوم هو محمد بن الحنفيّة بن الإمام عليّ كرَّم الله وجهه .

وقعَت بين محمد بن الحنفيَّة وأخيه الحسن بن عليّ جَفْوَة ، فأرْسل بن الحنفيّة إلى الحسن يقول : إنَّ الله فضَّلَك عليّ ، فأُمّك فاطمة بنت محمّد بن عبد الله صلى الله عليه وسلّم ، وأمي امرأة من بني حنيفة ، وجدّك من أمّك رسول الله ، وصفوته من خلقه ، وجدّي لأمِّي جعفر بن قيس ، فإذا جاءك كتابي هذا فَتَعال إليّ ، وصالِحني حتى يكون لك الفضْل عليّ في كلّ شيء ، فما إن بلغَتْ رسالته الحسن حتى بادر إلى بيته وصالحَهُ .

هذه القصَّة أريد أن أقف عندها قليلاً ؛ أوَّلاً أيّها الإخوة ؛ النبي عليه الصلاة والسلام كما تعلمون معصوم بِمُفرَدِه ، وأمَّته معصومة بِمَجموعها ، بمعنى أنَّ كلّ إنسان يؤخذ منه ، ويُرَدّ عليه إلا صاحب القبّة الخضراء صلى الله عليه وسلّم .

الشيء الآخر أنّ النَّسَب ، كما قلتُ من قبل تاجٌ يُتَوّج به الإيمان ، فإن لمْ يكن هناك إيمان فلا معنى للنَّسَب إطلاقًا ، وأكبر دليل أنَّ أبا لهب عمّ النبي كان مصيرهُ كما تعلمون ، لمْ ينْفعهُ نسبهُ ، وقول النبي عليه الصلاة والسلام : لا يأتيني الناس بأعمالك وتأتوني بأنسابكم ، ولكن هناك سؤال: القاعدة الأصوليّة : لا مؤاثرةَ في الخير ، والخير كلّه في المؤاثرة ، القصَّة طريفة وتُرْوى ، ولكنّك لو أردت أن تقيسها بمِقياس الأصول ، مثلٌ أوْضَحُ ؛ لو أنَّ أخوَيْن لهما أمّ ، فالأوّل لمْ يُقدِّم لها الخدَمات لِيُفسِحَ المجال لأخيه أن يسْبقهُ إلى هذا العمل ، فَيُؤثرهُ في هذا العمل ؛ هل هذا مقبول في الشرع ؟ أبدًا لا مؤاثرة في الخير ، لا أوثرُ أحدًا على طاعة الله ، لا أوثرُ أحدًا على فضل الله، لا أوثرُ أحدًا بخدمة الله ، ما دام الأمر متعلّقًا بِمَرضات الله تعالى فأنا أسبق ، فالقصّة طريفةٌ ونرويها ، ولكن الإنسان ينبغي أن يعلم أنَّه لا مؤاثرة في الخير ، لو قبلنا هذه القاعدة لا أحدَ يفعل الخير أبدًا ، تسأله لِمَ لمْ تفعل الخير ؟ فيقول : تركْتهُ لِفُلان كي يفعله ، ويكون أفضل ؛ آثرْتهُ على نفسي ! هذا الكلام مرفوض ، ومن لهُ أمّ وأب ، لِيُبادِر بِخِدْمتِهِما وبِرِّهما ، ولْيَسْبِقْ إخوتَهُ جميعًا ، ولا يُبالي أن يكون هو الأسبق من إخوته في هذا العمل ، لا مؤاثرة في الخير ، والخير كلّه في المؤاثرة ، أنا أُوثر أخي في كلّ شيء ، أعطيه البيت الأفضل ، والمركبة الأفضل ، والحانوت الأفضل ، وأُعطيه حِصَّتي ، فالخير في المؤاثرة ، وقد قال الله عز وجل :


[ سورة الحشر ]

أما أن أوْثر أخي بطاعة الله ، وأوْثر أخي بالخير ، فهذا لا ، معنى ذلك أنّ أخاك أغلى عندك من الله ، إذا آثرْت أخاك بالخير معنى ذلك أنّ أخاك أكرمُ عليك من الله ، آثرْتهُ بالخير لِيَسْبقَك إلى الله ، نصيبُكَ من الله لا ينبغي أن تؤثر به أحدًا ، طاعتك لله لا ينبغي أن تدَعَها لإنسان، وهذه حقيقة ، لا مؤاثرة في الخير ، والخير كلّه في المؤاثرة ، لكَ أن تؤثِرَ أخاك بالدنيا ، أما أن تؤثرهُ بِنَصيبِكَ من الآخرة ؛ فلا ! فالقصَّة طريفة ، ولكن كلّ شيءٍ نقرؤهُ ، ونسْمعهُ هناك منهج ، وكتاب وسنَّة وقواعد عامَّة .

في ذات يومٍ كان الإمام عليّ كرَّمَ الله وجهه في جلْسةٍ مع النبي صلى الله عليه وسلّم ، فقال : يا رسول الله ، أرأيْت إن ولِدَ لي ولدٌ من بعدك أفَأُسمِّيه باسمِكَ ، وأُكنِّيهِ بِكُنْيتِك ؟ فقال : نعم، اسْتأذن عليّ رضي الله عنــه النبي عليه الصلاة والسلام إن جاءهُ ولد من بعده : أفَأُسمِّيه باسمك ؟ قال : نعم ، أفأُكنِّيه بِكُنْيَتِك ؟ قال : نعم ، ودارت الأيّام فلَحِقَ النبي صلى الله عليه وسلّم بالرفيق الأعلى ، وتَلَتْهُ بعد أشهر قليلة ابنتهُ وريْحانتهُ فاطمة البتول أمّ الحسن والحسين ، طبْعًا سيّدنا عليّ له أن يتزوَّج امرأةً بعد السيّدة فاطمة ، فأسْفَرَ عليّ إلى بني حنيفة ، وتزوَّج خَولة بنت جعفر بن قيْس الحنفيَّة ، فولدَت له مولودًا سمَّاهُ محمَّدًا ، وكنَّاه بأبي القاسم بإذْنٍ من رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، فهذا اسمه وكنيتـهُ محمّد بن القاسم بن الحنفيَّة ، هذا الاسم ، وهذه الكنيَة بإذْن من رسول الله صلى الله عليه وسلّم مباشِرٍ ، لكنّ الناس فيما بعد كنَّوهُ محمَّد بن الحنفيَّة ، تفريقًا له عن أخَويْه الحسن والحسين ابني فاطمة الزهراء ، ثمّ عُرِف في التاريخ فيما بعد بِمُحمَّد بن الحنفيَّة .

وُلِدَ هذا الغلام في أواخر خلافة الصِّديق رضي الله عنه ، ونشأ وتربَّى في كنف أبيه علي بن أبي طالب ، وتخرَّجَ على يديه فأخذ عنه عبادتهُ وزهادتهُ ، وورِثَ منه قوَّته وشجاعته ، وتلقَّى منه فصاحته وبلاغتهُ ، الحدّ الأدنى أنْ يكون ابنُك مثلك ، والحدّ الأدنى أن تربِّي ابنَكَ كما نشأْت أنــــت ، أن تربِّي ابنكَ على العقيـدة الصحيحة ، لذلك تلقَّى عن أبيه العبادة والزّهد ، والقوّة والشجاعة، والفصاحة والبلاغة ، فإذا هو كما يقولون : راهبٌ من رهبان الليل ، وفارس من فرسان النهار ، ولقد أقْحمهُ عليّ كرّم الله وجهه في حروبه التي خاضها ، وحمَّلَهُ من أعبائِها ما لمْ يُحمِّلْهُ لأخَوَيْه الحسن والحسين ، فما لانَتْ له قناة ، وما وهَنَ له عزْم ، ولقد قيل له ذات مرَّة ما لأبيكَ يُقْحِمُك في المهالك ؟ ويولجُكَ في المضايِق دون أخوَيْك الحسَن والحسين ؟ هناك دائمًا من يوقِعُ بين الإخوة ، فقال : ذلك لأنَّ أخويَّ ينزلان من أبي منزلة عيْنيه ، وأنا أنزل منه منزلة يديه ! فهو يقِي عيْنيْه بيدَيه ! هل يأتي بِبَال أحدكم هذا الجواب ؟! أخوايا الحسن والحسين ينزلان من أبي منزلة عيْنيه ، وأنا أنزل منه منزلة يديه ! فهو يقِي عيْنيْه بيدَيه ! وأساسًا من علامة النجاح بالحياة ألاَّ تسْمحَ لأحدٍ أن يدخل بينك وبين أقرب الناس إليك ، مرَّةً سيّدنا عليّ كرَّم الله وجهه سألهُ رجل: لماذا انْصاعَ الناس لأبي بكرٍ وعمر ، ولم ينْصاعوا لك ؟! وكأنَّه يتَّهِمهُ بِضَعف القيادة ، فقال سيّدنا عليّ بِبَساطة : لأنَّ أصحابهم أمثالي ، وأصحابي أمثالك ! قال مرَّةً رجل لسيِّدنا الصِّديق : أأنْت الخليفة أم هو ؟ فقال : هو إذا شاء ! لا تسْمح لإنسان يوغِر صدْركَ على إنسان تحبَّه ، ولا تسمح لإنسان أن يدخل بين أخوَين ، وبين شريكين ، وبين جاريْن ، وبين مسلمين ، لأنَّ في كلّ زمان هناك من يوقع بين الإخوة العداوة والبغضاء، فسيّدنا محمد بن الحنفيَّة على مستوى عالٍ ، قال : أخواي ينزلان من أبي منزلة عيْنيه ، وأنا أنزل منه منزلة يديه ! فهو يقِي عيْنيْه بيدَيه ! .

هذا الرجل عاصرَ بعض الفِتَن ، فقال : عاهدْتُ نفسي ألاّ يُرفعَ لِيَ سيْف في وجه مسلمٍ بعد اليوم، شيءٌ كبير جدًّا أن تحاربَ مسلمًا ، واللهُ عز وجل قال :


[ سورة الأنفال ]

أيْ يجب أن يكون دائمًا عدوّكم عدوّ الله ، فإذا كان عدوّكم ليس عدوًّا لله فهذه مصيبة كبيرة جدًّا ، ومن أكبر المصائب أن تُقاتِلَ مسلمًا ، ومن أكبر الجرائم أن تقاتل مسلمًا ، والذي يقتل مسلمًا ليس له توبةً إطلاقًا ؛ فهو خالدٌ مخلّدٌ في النار ، بنَصّ القرآن الكريم .

ولمَّا آلَ الأمر إلى معاوِيَة بن أبي سفيان بايعَهُ محمّد بن الحنفيّة على السَّمع والطاعة في المنشط والمكْره ، رغبةً في رأب الصَّدع ، وجمْع الشَّمل ، وعزّة الإسلام والمسلمين ، معنى ذلك هناك مصالح عليا ، فهذه مُفضَّلَة ومُقدَّمة على المصالح الخاصَّة ، والإنسان بِقَدْر إخلاصه يؤْثر مصْلحة مجموع المسلمين على مصالح الأفراد ، طبعًا هناك خلاف عميق بين والدِهِ ، وبين معاوية ، ومع ذلك لمّا آل الأمر إلى معاويَة بايعَهُ رأْبًا للصَّدع ، وجمْعًا للشَّمْل ، وإعزازًا للإسلام والمسلمين ، ولا بدّ على كلّ واحدٍ منكم أيها الإخوة ، فأحيانًا يكون هناك شيءٌ من الخلاف بين الجماعات الدِّينيَّة ، يجب أن تقدِّم المصْلحة العامَّة للمسلمين على المصْلحة خاصَّة لجَماعة معيَّنة ، فيجب أن ترْأبَ الصَّدع ، وتلمّ الشَّمْل ، وأن تُعزِّز الوحدة فيما بين المسلمين ، وأن تقرِّبَ فيما بينهم ، لا أن تُباعِد ، ويجب أن تجْمع بينهم ، لا أن تُفرِّق ، ويجب أن تكون عَوْنًا على اللِّقاء ، لا عوْنًا على التَّفْرقة ، وهذا ينبعُ من إخلاصك ، كلَّما نما إخلاصك تنمو معه الرغبة في رأب الصَّدع ، ولمّ الشّمل ، وتوحيد الكلمة ، والله عز وجل يقول :


[ سورة الأنفال ]

دائمًا التَّفرقة من الشيطان ، يقول عليه الصلاة والسلام : ليس منا من فرَّق " فتعميق الخلاف من الشيطان ، والتباعد من الشَّيطان ، ونقْل الكلام النَّمام يرتكب كبيرة ، والنَّمام لا يدخل الجنَّة ، نقل الكلام من إنسان لآخر .

هذا موقف رائع ، لأنَّه رأسًا بادرَ إلى مبايعَة معاوية بن أبي سفيان رأْبًا للصَّدع ، وجمعًا للشَّمْل ، وإعزازًا لهذا الدِّين .

معاوِيَة بن أبي سفيان اسْتَشْعر صِدْق هذه البيْعة وصفاءها ، واطمأنَّ إلى صاحبها أشدَّ الاطمئنان ممَّا جعلهُ يسْتزيرُ - أيْ يدْعوه لِزِيارته - محمّد بن الحنفيَّة .

أيها الإخوة ، إذا وقَعَت فتنة هنيئًا لِمَن كان بعيدًا عنها ، لأنَّ إذا كانت هناك فتنة بين المؤمنين فهذا إشْكال كبير ، وإيَّاك أن تكون طرفًا فيها ، والإنسان السعيد هو من يبتعِد ، لأنَّ هذا شيءٌ كبير عند الله عز وجل ، أن تكون طرفًا في تأجيجها ، إذا كان الأمر بين المسلمين انْسَحِب ، وصحابةٌ كُثُر لمَّا رأوا الفتنة بين المسلمين انْسحبوا وآثروا السَّلامة .

زارهُ في دمشق لأكثر من مرّة ، ولأكثر من سبب ، ومن طريف ما يُرْوى أنَّ ملِكَ الروم كتب إلى معاوية بن أبي سفيان يقول : إنّ الملوك عندنا تُراسِلُ الملوك ، ويُطْرفُ بعضهم بعضًا بِغَرائبِ ما عندهم ، ويُنافسُ بعضهم بعضًا بِعَجائب ما في ممالكِهم ، فهل تأذن لي بأن يكون لي بيني وبينك بما يكون بينهم ؟ ملك الروم يستأذن معاوية بن أبي سفيان خليفة المسلمين أن يكون بين الملكين مراسلات وإطراف ومساجلات ومسابقات وما شاكل ذلك ، فأجاب معاوية بالإيجاب ، وأذِنَ له ، فوجَّهَ إليه ملك الروم رجلين من عجائب الرِّجال ؛ أحدهما طويل مفرِط في الطول ، جسيم موغِل في الجسامة ، حتى لكأنَّه دوْحةٌ باسقة في غابة ، أو بناء مبني ‍! جسمه غير معقول كأن يكون مترين وعشرين سنتمتر !! والثاني قويّ غاية القوَّة ، صُلْب متين كأنَّه وحشٌ مفترس ، وبعثَ إليه معهما رسالة يقول فيها : أفي مملكتك من يُساوي هذين الرجلين طولاً وقوَّةً ؟ فقال معاوية لِعَمْرو بن العاص : أما الطويل فقد وجدْت من يُكافئُهُ ويزيد عليه ، وهو قيس بن سعْد بن عبادة وأما القويّ فقد احْتجْتُ إلى رأيِكَ فيه فقال عمرو : هناك رجلان غير أنَّ كليهما عنك بعيد هما محمَّد بن الحنفيَّة ، وعبد الله بن الزبير ، فقال معاوية إنَّ محمّد بن الحنفيّة ليس عنَّا بِبَعيد ! فقال عمرو : ولكن أتظنّ أنَّهُ يرضى على جلالة قدْره ، وسموّ منزلته أن يُقاوِي رجلاً من الروم على مرأى من الناس ؟ فقال : إنَّه يفعلُ ذلك ، وأكثر من ذلك إذا وجدَ في ذلك عزًّا للإسلام ، سيّدنا رسول الله جاءهُ مرَّةً من يُفاخرهُ بالشِّعر ، فقال : قُمْ يا حسَّان فأجِبْ الرجل ‍! أي هناك مواطن لمَّا يبرز المسلم ويتفوَّق فهذا العزّ ليس له ، وإنَّما لِمَجموع المسلمين ، ثمّ إنّ معاوية دعا كلاًّ من قيس بن سعْد ، ومحمّد بن الحنفيَّة ، فلمَّا انْعقَد المجلس قام قيس بن سعْد فنَزَعَ سراويله ، ورمى بها إلى العلْج الرومي ، وأمرهُ أن يلبسها فلبسَها فغطَّتْ إلى ما فوق ثَدْييْه فضَحِكَ الناس منه !! معناه أنَّه أطْول ، وأما محمّد بن الحنفيَّة فقال للترجمان : قلْ للرومي إن شاء فلْيَجلِسْ ، وأكون أن قائمًا ، ثمَّ يعطي يدهُ فإما أن أُقيمهُ ، وإما أن يُقْعِدَني ؟! وإن شاء فلْيَكُن هو القائم وأنا القاعد ، فاخْتار الرومي القعود ، فأخذ محمّد بن الحنفيَّة بيَدِهِ وأقامه ، وعجَزَ الروميّ عن إقعاده ؛ مصارعة ! فذبَّتْ الحَميَّة في صدْر الرومي ، واختار أن يكون هو القائم ومحمّد هو القاعد ، فأخذ محمَّد بيَدِهِ ، وجبذهُ جبْذةً كادت تفْصلُ ساعدهُ من كتفِهِ ، وأقْعدهُ في الأرض ، فانْصرف العلجان الروميان إلى ملكهما مَغلوبَين مخذولين ‍‍!! المجتمع المسلم فيه كلّ شيء ، والحقيقة طلب العلم فرْض عَين ، أما الاختصاص الآخر فهو فرْض كفاية ، فيَجِب أن يكون عندنا أقوياء مترْجِمون ، كلّ اختصاص المسلمون بِحاجة إليه ، ووُجوده فرْض كفاية ، إذا قام به البعض سقط عن الكلّ .

الآن ملك الروم يريد أن يعْلُوَ عن المسلمين بِرَجل طويل القامة ، ورجل قويّ ، فجاءهُ برجُليْن الأوَّل أطْوَل منه ، لمَّا ألبسَهُ ثيابهُ بدَتْ نحوَ ثَدْييْه ، فضحك الناس عليه ، وأما الثاني فما تمكَّن أن يغلبهُ .

والأيَّام دارَتْ مرَّةً ثانيَة ، ولَحِقَ معاوية وابنه يزيد ، ومروان بن الحكم إلى جوار ربِّهم ، وآلتْ زعامة بني أميَّة إلى عبد الملك بن مروان ، فنادى بنفسه خليفة للمسلمين فبايعَهُ أهل الشام ، وكان أهل الحجاز والعراق قد بايعوا لعبد الله بن الزبير ، الآن هناك مشكلة وانتقام ، عبد الله بن الزبير يحكم الحجاز والعراق ، وعبد الملك بن مروان يحكم بقيَّة البلاد الإسلاميّة ، وطفقَ كلّ منهما يدعو منْ لم يُبايِعهُ لِبَيْعَتِهِ ، ويزعم لنفسه أنّه أحقّ بالخلافة من صاحبه ، فانْشقّ صفّ المسلمين مرَّةً أخرى ، وهنا طلب عبد الله بن الزبير من محمَّد بن الحنفيَّة أن يُبايِعَهُ كما بايعهُ أهل الحجاز ، غير أنَّ ابن الحنفيَّة لم يكن يخفى عليه أنَّ البيْعة ، تجعل في عنقِهِ لِمَن يُبايِعُه حقوقًا كثيرة ، منها سلّ سيْفِهِ دونه ، وقتال مخالفيه ، وما مخالفوه إلا مسلمين قد اجْتهدوا فبايعوا لغير من بايَع ، فهو ما أراد أن يكون ورقةً رابحةً في يدي أحد الطَّرفَين ، وهذه نقطة مهمَّة جدًّا ، وأنا أتمنَّى على أهل العِلْم ، والدعاة إلى الله ، وعلى العلماء أن يمْتَنِعوا أن يكونوا ورقةً رابحةً بيَدي الأقوياء ، وأن تفوق هؤلاء جميعًا ، اربأ بِعِلمِك على أن يكون مطِيَّةً لإنسان ! اِرْبَأ بمكانتك عن أن تكون أداةً بيَدِ إنسان ، وورقةً رابحةً لِجِهة دون أخرى فهذا التابعيّ الجليل ما قبِل أن يكون ورقةً رابحة بيَدِ أحد الفريقين .

فقال لعبد الله بن الزبير : إنَّك لَتَعْلم علْم اليقين أنَّه ليس لي في هذا الطلب أرَبٌ ولا مأرب ، وإنَّما أنا رجل من المسلمين فإذا اجْتمعَت كلمتهم عليك أو على عبد الملك بايعْتُ من اجْتمعَت كلمتهم عليه ، فأنا لا معك ولا معه ، حينما تنتهي هذه الفتنة ؛ إجماع المسلمين لمن ؟ أنا مع المسلمين ! هذا موقف ذكيّ جدًّا ، أما الآن فلا أُبايِعُك ، ولا أُبايِعُهُ ، فجعل عبد الله يُعاشرهُ ، ويُلايِنُهُ تارةً ، ويعرض عنه ويُجافيه تارةً أخرى ، غير أنّ محمّد بن الحنفيَّة ما لبث أن انْضمَّ إليه رجالٌ كثيرون رأَوا رأيَهُ وأسْلموا قيادهُم إليه حتى بلغوا سبعة آلاف رجل مِمَّن آثروا اعتزال الفتنة !! هنا أصبح عندنا فريق ثالث زعيمهم محمّد بن الحنفيَّة ، معه سبعة آلاف إنسان لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء ، وأبَوا أن يجعلوا من أنفسهم حطبًا لنارها المُتَّقِدة ، وكان كلَّما ازْداد أتباع بن الحنفيّة عددًا ازْداد بن الزبير منهم غيظًا ، فألحَّ عليه بطلبِ البيعَة ، فلمَّا يئس من ذلك ، أمرهُ هو ومن معه من بني هاشم ، وغيرهم أن يلْزموا شِعْبهم بِمَكّة ، وجعل عليهم الرّقباء ، يعني إقامة جَبريَّة فالإنسان هو الإنسان ، والحاكم هو الحاكم ، والقويّ هو القويّ ، أمرهم أن يلزموا شِعبًا من شعاب مكَّة ، وأمرهم بإقامة جبريّة ، ثمّ قال لهم : والله لتُبايِعُنّ أو لأهدِّدنَّكم ، ثمّ حبسهم في بيوتهم ، حتى إنَّه هدّدهم بالقتل ، عند ذلك قام إليه جماعة من أتباعه وقالوا : دعنا نقتل ابن الزبير ، ونُريح الناس منه ! فقال: أفنوقِد نار الفتنة التي من أجلها اعْتزَلنا ، ونقتل رجلاً من صحابة رسول الله ومن أبناء صحابته ؟ الورع ! ما أراد أن تكون له يد في هذه الفتنة ، لا والله ، لا نفعل شيئًا ممَّا يُغضب الله ورسوله ، ولمَّا بلغ عبد الملك بن مروان ما يعانيه محمّد بن الحنفيّة ومن معه من بأس ابن الزبير رأى الفرصة سامحةً لاسْتِمالتهم إليه ، فالتنافس دائمًا من صالح الضعيف ، فأرسل إليه كتابًا مع رسول من عنده ، لو كتبه لأحد أبنائه لما كان أرقّ لهْجةً ، ولا ألطفَ خِطابًا ، وكان ممَّا جاء فيه : لقد بلغني أنَّ ابن الزبير قد ضيَّقَ عليك ، وعلى من معك الخِناق ، وقطع رحمك ، واسْتخفَّ بِحَقِّك ، وهذه بلاد الشام مفتوحة أمامك تستقبلك أنت ومن معك على الرحْب والسّعة ، فانزِل فيها حيث تشاء ، تلقى بالأهل أهلاً ، وبالجيران أحبابًا ، وسوف تجد عارفين لحقِّك ، مقدِّرين لفضلك ، واصلين لرَحِمِك إن شاء الله ! طبعًا هو كان يريد أن يستميلهُ ، سار محمّد بن الحنفيَّة ومن معه مُيمِّمين وجوههم شطر بلاد الشام ، فلمَّا بلغوا أبله استقروا فيها ، وأبله شمال بلاد العقبة ، فأنزلهم أهلها أكرَمَ منْزِل ، وجاوروهم أحْسنَ جِوار ، وأحبُّوا محمَّد بن الحنفيَّة ، وعظَّموه لما رأوا من عُمْق عبادته ، وصدْق زهادته ، فطفقَ يأمرهم بالمعروف ، وينهاهم عن المنكر ، ويُقيم فيهم الشعائر ، ويصلح ذات بينهم ، وهكذا المؤمن ، أينما جلس يصلحُ بين المسلمين ، ويأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر ، في إقامته وسفره ، وفي إبعاده ، كما قال أحد العارفين : ماذا يصنع أعدائي بي ، جنَّتي في صدري ، إن أبعدوني فإبعادي سياحة ، وإن سجنوني فسِجني خلوة ، وإن قتلوني فقتْلي شهادة .

فلمَّا بلـغ ذلك عبد الملك بن مروان شقّ عليه الأمر ، واستشار خاصَّته ، فقالوا : ما نرى أن تسمح له أن يقيم في مملكتك ، وسيرته كما علمْت يستقطب الناس من حوله ، وكلَّما امتدَّ به العمر زادتْ جماعته ، ولا مصلحةَ أن يقيم في مملكتك ، فإما أن يُبايِعَ لك ، وإما أن يرجع من حيث جاء ، فكتـب إليه عبد الملك يقول : إنّك قد قدمْت بلادي فنزلْت في طرفٍ منها ، وهذه الحرب قائمة بيني وبين عبد الله بن الزبير ، وأنت رجل لك بين المسلمين ذِكْر ومكانة ، وقد رأيتُ ألاّ تقيم في أرضي إلا إذا بايعتني ، فإن بايعْتني فلك منِّي مئة سفينة قدِمَت عليّ أمس من القلْزَم ! فخُذْها بما فيها ، وبمن فيها ، ولك معها ألف ألف درهم !! مع ما تفرضه من فريضة لنفسك ولأولادك ولذوي قرابتك ومواليك ومن معك !!! إغراء عجيب ، ملايين وسفن كلّها لك على أن تُبايِعَني ، فإن لمْ تُبايِعني فارْجِع من حيث أتَيْتَ ، وإن أبيْت فتحوَّل عنِّي إلى مكان لا سلطان لي عليه ، فكتب إليه محمَّد بن الحنفيَّة يقول : من محمّد بن علي إلى عبد ملك بن مروان سلامٌ عليك ، وإنِّي أحمد الله الذي لا إله إلا هو إليك ، أما بعد :

فلعلَّك تتخوَّف منِّي ، وكنتُ أحْسبُ أنَّك عارفٌ بِحَقيقة موقفي من هذا الأمر ، ووالله لو اجْتمعَت عليَّ هذه ، وإنّي لما أبيْت أن أبايِع عبد الله أساء جِواري ، ثمّ كتبتَ إليّ تدعوني إلى الإقامة في بلاد الشام ، فنزلت بِبَلْدةٍ من أطراف أرضك برُخص أسعارها ، وبعْدها عن مركز سلطانك ، فكتبت إليه ما كتبت به ، ونحن منصرفون عنك إن شاء الله ، سُفُن وأموال وبضائع ، وعطايا ورواتب على أن تُبايِع ، انْصرف محمّد بن الحنفيّة برِجاله وأهله عن بلاد الشام ، وطفق كلَّما نزلَ بِمَنزلٍ يُزْعج عنه ، ويُدعى إلى الرحيل عنه ، وكأنَّه لم تكْفهِ همومه كلّها ، فشاء الله أن يختبرهُ بِهُموم أخرى أشدّ وقْعًا ، وأثْقلَ وطأةً .

في الحقيقة أنا اخترت هذه القصّة بهذه الصفحة فقط ، لأنَّ هذه الصَّفحة أعلِّق آمالاً كبيرة ، الآمال أن نقف عند الكتاب والسنَّة وألاّ نزيد شيئًا .

ذلك لأنّ جماعةً من أتباعه مِمَّن في قلوبهم مرض ، وآخرون مِمَّن في عقولهم غفلة جعلوا يقولون إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم أوْدع صدْر عليّ وآله كثيرًا من أسرار العلم ، وقواعد الدِّين وكنوز الشريعة ، وإنَّه خصَّ آل البيت بما لمْ يُطلع غيرهم عليه ، فأدرك الرجل العامل العالم الأريب ما يحمله هذا الكلام في طيَّاته من انحراف ، وما يمكن أن يجرَّه على الإسلام والمسلمين من مخاطر وأضرار ، وهنا بدأ الانحراف العقائدي ، فقد أراد أتباع محمَّد بن الحنفيَّة أن يقولوا إنَّ النبي عليه الصلاة والسلام أوْدَعَ أسرارًا في صدْر الإمام عليّ لم يودِعْها في صدر غيره ‍! وأنَّ هذا ابنهُ ، إذًا نحن مُتَفَوِّقون ومُتَمَيِّزون ، ونعلم ما لا يعلم الآخرون ، فجَمَعَ الناس وقام فيهم خطيبًا ، ومرَّةً ثانيَة أيها الإخوة ، وكأنَّ محمّد بن الحنفيَّة لم تكفه الهموم كلّها ، فشاء الله أن يختبرهُ بِهُموم أخرى أشدّ وقعًا ، وأكثر وطْأةً ذلك لأنّ جماعةً من أتباعه مِمَّن في قلوبهم مرض، وآخرون مِمَّن في عقولهم غفلة جعلوا يقولون إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم أوْدع صدْر عليّ وآله كثيرًا من أسرار العلم ، وقواعد الدِّين ، وكنوز الشريعة ، وإنَّه خصَّ آل البيت بما لمْ يُطلع غيرهم عليه ، فأدرك الرجل العامل العالم الأريب ما يحمله هذا الكلام في طيَّاته من انحراف ، وما يمكن أن يجرَّه على الإسلام والمسلمين من مخاطر وأضرار ، فجمع الناس ، وقام فيهم خطيبًا ، واسمعوا ماذا قال ، حمد الله جلّ وعزّ ، وأثنى عليه ، وصلى على نبيّه محمد صلوات الله وسلامه عليه ، ثمَّ قال : يزْعم بعض الناس أنَّ عندنا معشر آل البيت علْمًا خصَّنا به رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، ولمْ يُطْلع عليه أحدًا غيرنا ، وإنَّا والله ما ورِثْنا من رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلا ما بين هذين اللَّوْحين ، وأشار إلى المصحف - كان أمامه مصحف فيه دفَّتين - وإنَّ من زعمَ أنَّ عندنا شيئًا نقرؤُهُ إلا كتاب الله فقد كذب !.

سيّدنا النبي عليه الصلاة والسلام كُسفَت الشمس في عهده يوم مات إبراهيم ، فقال بعض أصحاب النبي لقد كُسِفَت حزْنًا عليه !! ابن رسول الله !! فجمع أصحابه وقال : إنَّ الشمس والقمر آيتان لا ينبغي ...." إذا كنت صادقًا وأمينًا على الوحي ، وأمينًا على دين الله لا تسْمح ببِدْعةٍ تُقال على لِسانك ، ولا توصَفُ بها أنت ، دائمًا بيِّن الحقيقة ، إذا كنت مخلصًا ، لكنَّ أناسًا كثيرون يُحاطون بِهالةٍ كبيرة ، ويعرفون أنَّها غير صحيحة ويسكتون لماذا يسكتون ؟ لأنَّهم يرتفعون بها !! لكنّ إخلاصك لله ينبغي أن يكون أقوى ، فهذا التابعي الكبير ما سمحَ لأتباع الوفْد أن يقولوا عنه أنَّه خُصَّ بِعِلْم ما خصَّ به غيره ، وما سمَحَ أن يقولوا عن والده سيّدنا علي أنَّ النبي صلى الله عليه وسلَّم أوْدَعَ فيه أسرارًا ما أوْدعها في غيره ، قال : لا والله ، ما ورثنا عن رسول الله إلا هذين اللَّوحين ، ويعني بهما المصحف الشريف ، ومن قال : إنّ عندنا شيئًا نقرؤه غير كتاب الله عز وجل فقد كذب ، لكنَّ أتباعهُ بدؤوا يُسلِّمون عليه ويقولون : السلام عليك يا مهديّ ! فيقول : نعم ، أنا مهديّ إلى الخير ، وأنتم مهديُّون إليّ إن شاء الله تعالى ، ولكن إذا سلَّم عليّ أحدكم فلْيُسمِّني باسْمي ، وليقُلْ : السلام عليك يا محمَّد !! ما قبِلَ أن يكون المهْدي ، وما قبِلَ أن يكون قد خُصّ بِعِلْم لم يُخصَّ به بقيَّة أصحاب رسول الله ، وهذا هو الإخلاص ، فإيَّاك أن تقبلَ بِدْعةً أو مبالغةً ، إيَّاك أن تقبلَ تعظيمًا يرفعُك فوق قدْرك ، أو تقبلَ قداسةً لا تستحقّها ، عندئذٍ تكون قد اشتريْت بالدِّين الدنيا .

لمْ تطلْ حَيْرةُ محمَّد بن الحنفيَّة في المكان الذي يستقرّ فيه هو ومن معه ، فقد شاء الله عز وجل أن يقضِيَ الحجّاج بن يوسف الثَّقفي على عبد الله بن الزبير ، وأن يُبايِعَ الناس جميعًا لعبد الملك بن مروان ، فما كان منه إلا أن كتب إلى عبد الملك يقول : إلى عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين من محمّد بن عليّ ، أما بعد : فإنِّي لمَّا رأيْتُ هذا الأمر أفْضى إليك ، وبايعَكَ الناس كنتُ كَرَجُلٍ منهم فبايَعْتُكَ لواليكَ في الحجاز ، وبعثْتُ لك بِبَيْعتي هذه مكتوبةً ، والسلام عليكم ! .

لمَّا انتهَتْ الفتنة ، وآل الأمر إلى عبد الملك بايعَهُ بيْعةً مكتوبةً ، ولم يعد عليه تَبِعَة ، فلو بايعَهُ قبل انتهاء الفتنة كانت عليه مسؤوليَّة المحاربة معه ، وأن يقتل المسلمين من أجله ، فلمَّا اسْتقرَّ الأمر على ذلك بايعَهُ بيْعةً مكتوبة ، فلمَّا قرأ عبد الملك الكتاب على أصحابه ، قال له أصحابهُ : واللهِ لو أراد أن يشقّ عصا الطاعة ، ويُحْدثَ في الأمر فتْقًا لقدَرَ على ذلك ، معه أتباع وعدد كبير، وهو في مَنْأى عنك ، ولما كان عليه من سبيل ، فاكْتُب إليه بالعهد ، والميثاق ، والأمان ، وذمّة الله ورسوله أن لا يُزْعَجَ ، أو يُهاج هو أو أحد من أصحابه ، وكتب عبد الملك إلى الحجّاح يأمرهُ بِتَعظيمه ورِعايَة حرمتهِ والمبالغة في إكرامه .

هذا نموذج لإنسان بعيد عن الفتنة ، وبعيد عن الانحِياز لفئة دون أخرى ، وبعيد أن يكون ورقةً رابحةً بيَدِ جهة من أهل الدنيا ، وبعيد على أن يُسْهم في سفْك دماء المسلمين ، ابتعَدَ ودفَعَ الثَّمَنَ باهظًا ، فلمَّا انتهى الأمر بايعَ ، وهذا موقف حكيم ، قال تعالى :


[ سورة البقرة ]

إلا أنَّ محمّد بن الحنفيَّة لم يعِشْ بعد ذلك طويلاً ، فقد اختارهُ الله إلى جِوارهِ راضِيًا مرْضِيًا .

أيها الإخوة ، أثْمَنَ شيء في الحياة أن تنام على وِسادتك ، وليس على عاتقك شيء ؛ لا دماء ، ولا حقوق مغتصبة ، ولا أموال ، وما بنيتَ مجْدك على أنقاض الناس ، ولا بنيتَ مالك على فقرهم ، ولا أمنَكَ على خوفهم ، ولا غناك على فقرهم ، ولا حياتك على موتهم ، وهذه هي البطولة أن ترضيَ الله عز وجل ، وأن تكون بعيدًا عن التَّبِعات ، وقد أردْتُ من هذه القصَّة الموقف الحكيم الذكيّ الواضح الأمين على هذا الشرع ، فما سمحَ لأتباعِهِ أن يُعظِّموه ، ولا أن يُقال له المهدي ، ولا أن يرفعوه فوق مقامه ، ولا أن يسمح أن يُقال عن والده أنَّه خُصَّ بعِلْم ما خُصَّ غيره به من أصحاب رسول الله ، فقد كان وقَّافًا عند كتاب الله ، وكلّ إنسان داعِيَة صادق ومخلص لا يسمح لأحد أتباعِهِ أن يزيد من حجمه على حساب عقيدته أبدًا هذا هو المطلوب الآن، علاجنا في العودة إلى الكتاب والسنَّة ، وعلاجنا في أن تعْطِيَ كلّ شيءٍ حجمهُ الحقيقي ، لا أن تزيد وتبالغ ، لا أن ترفع لا أن تحتقر ، دائمًا كن موضوعيًّا ، واعْطِ الوصف الصحيح ، العلم في تعريفه : الوصف المطابق للواقع مع الدليل .

هذه قصَّة التابعي الجليل محمد بن الحنفيَّة بن سيّدنا عليّ كرَّم الله وجهه .

والحمد لله رب العالمين




الدروس


، سيرة التابعي : ، لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي

تفريغ : الأستاذ عماد علان .

التدقيق اللغوي : الأستاذ أحمد مالك .

التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي

camanana
12-13-2007, 12:51 PM
جزاك الله خيرا

ولكن من الافضل ان يتم نشر هذا الموضوع على مراحل حتى يتسنى لنا ولجميع الاعضاء متابعتة

مثلا تابعى واحد كل يوم

لكن كلهم مرة واحدة؟؟؟
مش هنعرف نقراهم كلهم مرة واحدة

ابو عمر المصرى
12-13-2007, 01:16 PM
علم وسيتدارك فيما بعد

ربى انى أحبه فيك فأحفظة الا يعصيك واجعل عملة يرضيك وأغفر له يوم يأتيك

جزيت الجنة اخى الحبيب